الخميس، 24 أيار 2018

board

الأحزاب..(يخلق من الشبه أربعين)

صلاح مختار
قبل اطلاق دعوات الدمج والتكتل للاحزاب والقوى السياسية السودانية تاريخياً، عرفت الساحة السودانية بعدد قليل جداً من الاحزاب السياسية التي سميت بعد ذلك بالاحزاب التاريخية او التقليدية،

ولكن خلال العشرين عاماً الأخيرة تغيرت الخريطة السياسية ودخلت احزاب وقوى سياسية بالجملة والقطاعي لممارسة عملها وانشطتها السياسية في الساحة، وما زاد الطين بلة دخول حركات مسلحة الساحة عقب توقيعها على اتفاقيات سلام مع الحكومة والتزامها بممارسة العمل السياسي. ولأن الدستور والقانون يبيحان ممارسة الأنشطة السياسية لأي شخص كانت الفرصة سانحة لتوالد الأحزاب مثلما تتوالد الباعوض، من بينها أحزاب ذات مرجعيات اجتماعية ودينية وعقائدية وأخرى سياسية، وضاعت بين تلك الاحزاب الرؤية الوطنية التي تقود العمل السياسي.
دواعٍ وأسباب
هناك أسباب ودواعٍ وراء الفوضى السياسية الداخلية كما يسميها البعض، حتى وصل عدد الأحزاب السياسية السودانية ارقاماً فلكية، ولعل سهولة القانون الذي يبيح لاي شخص تقديم طلب لقيام حزب سياسي كان دافعاً لممارسة ذلك، ثم أن فقدان الثقة في الاحزاب التقليدية جعل بعض القيادات تفكر في ممارسة بديلة بعيدة عن القوى السياسية القديمة او التي كانوا ينتمون اليها, اضف الى ذلك هناك ممارسة يراها البعض أنها جوهرية، وهي فقدان الممارسة الديمقراطية داخل تلك الاحزاب، وهيمنة قيادات او بيوتات بعينها ظلت ممسكة بقيادة تلك الاحزاب، جعلت قيادات منها تخرج تلبية لرغبتها في الديمقراطية، وهناك سبب آخر فرضته الظروف السياسية الداخلية، وهو من أجل تحقيق السلام وكسب ثقة القوى المتمردة كان لا بد من تحويلها من حمل السلاح الى الممارسة السياسية الداخلية بدلاً من الغابة، وبالتالي قبلت حركات مسلحة كثيرة مبدأ السلام والتحول الى احزاب سياسية، وكانت كثيرة في عددها ولكنها واحدة في مسمياتها، وعانت هي ايضا من التشظي.
وهناك اتهام ظلت تسوقه الاحزاب والقوى السياسية ضد الحزب الحاكم المؤتمر الوطني، بأنه وراء التشظي والتفكك الداخلي بالنسبة للقوى والاحزاب السياسية، والذي نتج عنه العدد الهائل من الاحزاب, وبغض النظر عن المتهم فإن الساحة محتاجة الى نوع من الترتيب لجهة ان واحداً من اسباب استمرار الصراع الداخلي العدد الكبير من الاحزاب التي لا تشكل اضافة بقدر ما تشكل عبئاً ثقيلاً على اية حكومة.
مقترح مبادرة
ويبدو أن رئيس الجمهورية عمر البشير عندما طرح وثيقة الاصلاح على مستوى الدولة والحزب، كان يعني في الاصلاح على مستوى الدولة اعادة هيكلة القوى السياسية الداخلية، اي بمعنى دمج الاحزاب في تكتل كبير يسهل التعامل والتفكير في مصلحة البلاد، وفوق كل ذلك كان الرئيس اول من قدم مبادرة لدمج او تكتل الاحزاب، وكانت مبادرة فاتحة ونافذة لكثير من الأحزاب والقوى السياسة والحركات المسلحة لأن تعيد النظر في جدواها السياسية وتعيد ترتيب اوراقها للعودة الى الداخل. وكرر البشير تلك الدعوات في آخر خطابه في المؤتمر العام للحزب، عندما عاب العدد الكبير من القوى السياسية في الساحة، ودعا صراحة الى دمجها باعتبار انها واحدة من ممسكاتها، ولذلك جاءت دعوة نائب رئيس المؤتمر الوطني لشؤون الحزب فيصل حسن إبراهيم إلى تكتل الأحزاب المتوافقة في الرؤى والأهداف وتقليل عدد الأحزاب في الساحة السياسية التي بلغت (120) حزباً، لخوض انتخابات 2020م أكثر توحداً. وسبقتها دعوات مماثلة تقر بأن كثرة الأحزاب على نحو ما هو ماثل غير مفيدة للتجربة السودانية، وانه ربما يتسبب ذلك في زيادة (طين التباين بلةً)
دفتر المسجل
يشير دفتر مسجل شؤون الأحزاب بحسب مصادر الى ان معظم الأحزاب السياسية المسجلة التي بلغت (101) حزب ولدت من رحم القوى السياسية، وفي مقدمتها حزب الامة القومي بقيادة الصادق المهدي، الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني، حزب البعث العربي، الحزب الشيوعي والمؤتمر الوطني، بجانب الأحزاب القادمة من منصة الحركات المسلحة التي نتجت عن التشظي حتى بلغت نحو (50) حركة مسلحة خرجت من جسد ثلاث حركات، وهي حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة والحركة الشعبية قطاع الشمال.
ليس محموداً
وعاب د. فيصل في تصريحات أخيرة قائلاً: (ليس محموداً أن نكون أكثر من (120) حزباً وحركة، ولا بد أن نمضي في توحيد الأحزاب التي تتوافق على قيم ومبادئ واحدة لتكون قليلة العدد واضحة الأهداف)، مضيفاً أن وضوح الرؤية يعين على المضي نحو الانتخابات أكثر توحداً. ويوافقه الرأي في ذلك رئيس حزب التحرير والعدالة القومي د. التيجاني السيسي الذي انتقد وجود أكثر من (120) حزباً وحركة سياسة في البلاد، داعياً إلى تحقيق إصلاح سياسي شامل، مطالباً الأحزاب ببدء نقاشات وحوارات حول كيفية تحقيق الإصلاح الذي يسهم في حل الأزمات. وقال السيسي في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام لحزب الأمة الإصلاح والتنمية بولاية الخرطوم إن وجود (120) حزباً في الساحة السياسية له سلبيات كثيرة، داعياً إلى التشاور الحزبي حول الإصلاح والتوافق والنقاش حول ماهية وكيفية تحقيق الإصلاح الحزبي الذي يحقق إصلاح الدولة وإصلاح الوضع الاقتصادي الذي قال إنه لا ينفصل عن السياسة الخارجية.
مافي مانع
يبدو أن رئيس مجلس الأحزاب عبود جابر في حديثه لـ (الانتباهة) لا يريد ان يقطع برأيه باعتبار عمله، ولكنه اوضح ان السودان دولة دستور وقانون، ويرى ان التجربة السياسية فيه تاريخية وكبيرة واثبتت للعالم ان السودانيين يمارسون الديمقراطية في تشكيلاتهم ومكوناتهم السياسية، ويعملون عملاً يخوضون به الانتخابات المقبلة، وذكر ان القانون والدستور لا يعارضان او لا يمانعان الاحزاب من ان تتوحد او تندمج او تمارس حقها القانوني، واعتبر حديث د. فيصل قد جاء في الاطار القانوني والدستوري، غير انه قال: (ليس هناك عبارة في الدستور او القانون تشير الى ذلك، وانما القانون كفل لها ان تمارس انشطتها، ولديها الحق في ان تتوحد اذا ارادت ذلك او تتكتل او تمارس عملها في شكل مجموعات) وقال: (يمكن لتلك الاحزاب ان تتكتل لخوض الانتخابات المقبلة، ومافي مانع ان تتوحد في حزب واحد، فليس هناك ما يمنع ذلك).
ظروف داخلية
ولم يذهب بعيداً الاكاديمي والمحلل السياسي د. ابو بكر آدم في حديثه لـ (الإنتباهة) في نظرته الى التشظي الكبير للاحزاب وضرورة ادماجها او تكتلها. وعاد بالذاكرة الى الوراء قليلاً عندما قال إن الاحزاب السودانية الكبيرة كانت لا تزيد عن (4) احزاب رئيسة الامة القومي والاتحادي الاصل والشيوعي ثم الجبهة الاسلامية التي تحولت الى المؤتمر الوطني، وعزا ذلك لظروف داخلية ادت الى تفكيك تلك الاحزاب وخرج من رحمها عدد كبير من الاحزاب. ويرى ابو بكر ان هناك امكانية الدمج مرة اخرى للاحزاب الشبيهة او ذات المرجعية الواحدة او التي خرجت من الرحم الواحد، مثلاً في حالة حزب الأمة القومي او الاتحادي الاصل او المؤتمر الوطني او البعث، ولكنه يرى ان هناك احزاباً ستبقى كما هي مثل الشيوعي، ويقول ان عملية الدمج او التكتل تحتاج الى ارادة قوية وصدق النوايا، ويرى أن تقوية الاحزاب وتجميعها في صالح الدولة والممارسة السياسية، وطالب بالابتعاد عن سياسة (فرتقة) وتشتيت الاحزاب لأنها ستضعف الاحزاب السياسية، وقال: (كلما كانت الاحزاب كبيرة قويت الجبهة الداخلية).
غير منطقية
ويقول رئيس قطاع التنظيم بالمؤتمر الوطني لـ (الإنتباهة): (نعم وجود ما يقارب (80) حزباً او يزيد في بلد فيه (40) مليون مواطن حاجة غير منطقية باي حال من الاحوال، فالصينيون مليارات ولديهم حزب واحد او حزبان، واعتقد أنها ظاهرة، ويمكن ان يصبح محور السؤال السياسي ان الممارسة السياسية بتعدديتها الواسعة ألا تحتاج الى قدر من الترتيب؟). واكد ان الساحة السياسية لا بد لها من ترتيب، ولا يمكن لها ان تكون متاحة لعدد كبير لمثل هذه الاحزاب، وهذا فيه فرقة وتشتيت للرأي العام، ولمصلحة السودان نحن نطلب من الاحزاب ان تعمل على ان تنظم الحياة السياسية. واضاف قائلاً: (نحن محتاجون لدرجة من الوفاق الوطني، وان نعيد ترتيب تلك القوى السياسية بحيث تأخذ خطاً وسطاً، وان نحافظ على قدر من الاحزاب يجمع بينها الرضاء الشعبي العام ويتيح فرصة للبلد لكي تستقر).
هرجلة سياسية
ومن الآراء الجريئة التي تحدثت بشأن العدد الكبير من الاحزاب في الساحة كان رأي القيادي بحزب الإصلاح د. أسامة توفيق، فهو يرى خلال إفادات سابقة لـ(الإنتباهة) أن مبادرة غازي حاجة ماسة يقتضيها الظرف السياسي الراهن، خاصة أن ما يجري لا يستقيم عقلاً، وعبارة عن فوضى وهرجلة ضاربة في الأعماق، وأضاف توفيق أن مبادرة العتباني تستلزم تعديل قانون الأحزاب السياسية بما يتواءم مع طبيعة المعطيات، وأضاف قائلاً: (ما ممكن أي زول وأسرتو يعمل ليهو حزب) واسترسل قائلاً: (البلد تعبانة، والآن الأحزاب تكون فقط من أجل المناصب والمحاصصة والمصالح الذاتية، وعلى السودان السلام حال لم تنجح المبادرة، وينبغي دمج الأحزاب الكثيرة في خمس مجموعات بحسب المبادرة)، موضحاً أن الأحزاب الحالية أغلبها متشابهة الأفكار، وإذا كانت الأحزاب تسعى لانتخابات سليمة ومعافاة، يجب تطبيق مثل ما طرحه د. غازي على أرض الواقع، ونوه بأنه ينبغي على المجالس التشريعية والمؤسسات مراقبة الساحة السياسية بصورة جادة للحد من هذه الفوضى والعمل على الإصلاح السياسي الشامل عبر بنية مكتملة وإصلاح الدولة بتكوين مؤسسات قوية بحسب ما اقتضته المخرجات، بحيث يكون للأجهزة الرقابية القول الفصل في الساحة السياسة والجهاز التنفيذي، إضافة إلى نقطة مهمة تتلخص في فصل الحاءات الثلاث (الحركة والحزب والحكومة)، حتى يكون هنالك حساب بحسب ما يعطي الشخص من جهود، وأشار الى أن كثرة الأحزاب السياسية اقتضتها الفوضى والمحاصصات وإرضاء الغاضبين. وأضاف قائلاً: (زول يمشي يشيل بندقية يقعد شهرين ويجي تاني تديهو منصب).
تقليص الأحزاب
وسبق أن القى رئيس حركة الإصلاح الآن د. غازي صلاح الدين حجراً في البركة الساكنة، وقال طبقاً للمركز السوداني للخدمات الصحفية، إنه سيقدِّم مقترحاً للحكومة والقوى المعارضة لإصلاح الحركة السياسية، يتضمَّن تقليص الأحزاب بالبلاد إلى (4) أو (5) للوصول لممارسة سياسية أفضل وثقافة موحَّدة وعلاقات تعاونية بين القوى السياسية من خلال تقوية البنية السياسية للأحزاب ودمجها. وأوضح (صلاح الدين) أن رؤيته ستكون طرحاً متقدِّماً لتوحيد القوى السياسية وتقويتها في عملية صنع القرارات والممارسات السياسة بالبلاد.
(يخلق من الشبه أربعين)
وأخيراً قد يقول البعض: (ما تخلوا الناس في حالها)، لأن الدستور والقانون يعطيان الحق، ولكن حتى استنساخ الأجنة خلق تشوهاً في الممارسة جعل منهم من يقف ضدها، وترك أمر المشابهة للطبيعة بأن (تخلق من الشبه أربعين).