الخميس، 24 أيار 2018

board

المــرأة والسياســة .. تــاريــخ وحضـــور ممـــيز

محمد جمال قندول
ظلت تجربة المرأة السودانية بالعمل السياسي مصدر فخر، لجهة أنها ليست وليدة سنوات قليلة ماضية على غرار الدول التي تحيط بنا، حيث إن المرأة السودانية سبقت الكثير من نظيراتها بالمنطقة لممارسة العمل السياسي،

وبرزت على مستوى المشهد السياسي الراحلة العازة محمد عبد الله، زوجة البطل الراحل علي عبد اللطيف والتي قادت مظاهرة مع طلاب المدرسة الحربية حينما خرجوا لمظاهرة في يونيو من العام 1924. ثم توالت نجاحاتها واتساع رقعة مشاركتها وظهرت لأول مرة في الهيئة التشريعية في العام 1965 وفي ذات العام أيضاً هزت امرأة المشهد السياسي بأن قادت مظاهرة وهي القيادية الإسلامية الشهيرة "سعاد الفاتح".
نماذج حالية
وفي الوقت الحالي تقدم نساء نماذج سياسية ناجحة على جميع المستويات، حيث على مستوى الوزارات تقدم وزيرة الرعاية الاجتماعية مشاعر الدولب، أنموذجاً ناجحاً في وزارتها والتي جاءت إليها بالتدرج، حيث شغلت عدة مواقع وأبرزها وزيرة الرعاية الاجتماعية بولاية الخرطوم، قبل ان تشغل المنصب على المستوى الاتحادي في ابريل من العام 2013. وفي ذات الوقت تقدم وزيرة الرعاية الاجتماعية بولاية الخرطوم امل البيلي تجربة مميزة فيما برزت ايضاً وزيرة الاتصالات وتقنية المعلومات تهاني عبد الله والتي نجحت في ان تدخل المؤسسات في عهدها ظل الحكومة الالكترونية، وافرزت الانقاذ العديد من التجارب النسائية الناجحة على مستوى العمل العام ومنهن القيادية الاسلامية الشهيرة سعاد الفاتح ورجاء حسن خليفة وبدرية سليمان وسامية محمد احمد واميرة الفاضل وسناء حمد ومها الشيخ واخريات كثر امتد عطاؤهن طيلة سنوات الانقاذ على مستوى الاجهزة التنفيذية والتشريعية وحتى الحزبية عبر الحزب الحاكم والحركة الاسلامية، وقدمت التجربة النسائية السياسية السودانية اميرة الفاضل لتشغل منصباً اقليمياً مهماً حيث تتقلد مهام الامانة الاجتماعية بالاتحاد الافريقي، وهو منصب مهم للغاية .
وعلى مستوى العمل السياسي بصورة عامة برزت في فترة الانقاذ عدد من نساء الاحزاب الاخرى قدمن نماذج ناجحة جداً، فلا ينسى المراقبون تجربة اشراقة سيد محمود المرأة التي وُصفت بــ(الحديدية) فهي قدمت تجربة ناجحة على مستوى حزبها الاتحادي الديمقراطي، بجانب تقلدها لمناصب وزارية عديدة وآخرها وزيرة تنمية الموارد البشرية، وايضاً تجربة السياسية الشابة رئيسة الحزب الليبرالي السوداني د.ميادة سوار الذهب التي تعد اول رئيسة حزب بتاريخ السودان وتشارك حالياً بمنصب معتمد الرئاسة بولاية الخرطوم، واستطاعت خلال فترة وجيزة ان تجذب الاضواء اليها لقدراتها السياسية الكبيرة وبالمقابل نجد تجربة نسائية جديرة بالاحترام رغم انها بدأت منذ ما قبل سنوات الانقاذ وهنا اتحدث عن الامينة العامة لحزب الامة القومي سارة نقد التي قدمت عطاءً وافراً واسهمت بالحركة السياسية النسائية السودانية بصورة واضحة، وباتت رقماً كبيراً بحزبها.
الحركة الوطنية الجديدة
القيادي بالمؤتمر الوطني والقانوني اسماعيل حاج موسى قال لــ(الانتباهة) بان المرأة السودانية كانت نشطة جداً بالعمل السياسي خاصة في الحركة الوطنية الجديدة والتي بدأت في اول خمسينات القرن الماضي، وفي تلك الانتخابات هي التي دخلت فيها الراحلة فاطمة احمد ابراهيم عن دوائر الخريجين.
ويضيف اسماعيل بان المرأة ظلت تناضل رغم عدم دخولها الاجهزة التشريعية وبعد ذلك دخل عدد كبير من النساء في عهد مايو البرلمان لجهة ان شعار مايو كان انذاك (قوى التحالف الخمس) والتي هي (المزارعون والعمال والجنود والرأسمالية والمثقفون) بالاضافة الى المنظمات الجماهيرية مثل الشباب والمرأة خصصت لهم مقاعد .واعتبر محدثي بان الانقاذ يحمد لها بانها اعطت المرأة مثلاً الدستور 2005 ينص على التمييز الايجابي للمرأة، حيث إنها استفادت من هذا النص سياسياً وخصصت لها مقاعد بالهيئة التشريعية القومية بمجلسيها المجلس الوطني ومجلس الولايات والمجالس التشريعية الولائية، بنسبة بلغت 25% وتمت زيادتها مؤخراً الى 30% ويضيف ": تميز المرأة يبرز بانها بجانب 30% للمجالس التشريعية تستطيع ان تترشح في الدوائر الجغرافية"، بالاضافة الى ان عدد النساء العاملات بكل مؤسسات الدولة بالوقت الراهن اكثر من الرجال، وذلك لانه في الشهادة السودانية مدارس البنات متفوقة ويحرزن نتائج ايجابية .
واعتبر بان هنالك نماذج نسائية كثيرة لفتت نظره ومنهن الكاتبة الصحفية امال عباس ونفيسة احمد الامين والتي جاءت كاول وزيرة بتاريخ البلاد وفاطمة عبد المحمود التي ترشحت لرئاسة الجمهورية مرتين والنماذج كثيرة لا تكفي المساحة لذكرها .
ويواصل اسماعيل حاج موسى ويقول بان والي الخرطوم الراحل مجذوب الخليفة اصدر قانوناً يمنع النساء من العمل بعدد كبير من المهن وانا رفعت ضده قضية دستورية وكسبتها .
العمل القضائي
الكاتبة الصحفية سمية السيد بدورها علقت لـــ(الانتباهة) وقالت بان المرأة السودانية سبقت نظيرتها العربية فيما يتعلق بالعمل السياسي، حيث شاركت من قبل الاستقلال بالاعمال الوطنية ووقفت ضد الظلم والقهر امام المستعمر ولا زال دورها كبيراً.
وتضيف محدثتي سمية وتقول بانه رغم التحديات التي واجهتها بتركيبة المجتمع السوداني الا انها اسهمت بصورة ايجابية في كل النواحي، حيث إن المرأة السودانية يحسب لها انها سبقت كل الدول بالعمل القضائي وارساء العدالة الاجتماعية، وكانت ناشطة اجتماعياً وسياسياً بتاريخ البلاد الطويل.
واعتبرت سمية بان تجربة الانقاذ رغم انها اعطت مساحات اكبر للمرأة السودانية بالمشاركة ولكن قابلهتا اخفاقات من الوجوه التي شاركت بالتنظيمات السياسية المعارضة للحكومة على عكس النماذج النسائية التي تمثل الحزب الحاكم وزادت : هنالك تمييز ظهر جلياً بالتعامل في معظم المواقع بين نساء الاحزاب الاخرى ونساء المؤتمر الوطني.
واشارت سمية الى ان المشاركات بالعمل السياسي بالوقت الراهن قدمن عطاءً غير انها عادت وقالت بان الوجوه النسائية الحالية بالمواقع السياسية المختلفة سواء أكان الجهاز التنفيذي او التشريعي وجدن فرصاً اذا وجدتها اخريات كان بالامكان ان يقدمن اداءً افضل.
سمية اعتبرت بان النساء المستقلات غير المنتميات لاي حزب سياسي وقع عليهن ظلم كبير، سواء كن قياديات بالعمل العام او التوظيف العادي.
أول نائبة برلمانية
الباحث صلاح عبد الحفيظ افاد لــ(الانتباهة) بان عزيزة مكي عثمان ازرق حشدت النساء لتأسيس الاتحاد النسائي السوداني في منتصف الخمسينات، وكانت صاحبة اداء سياسي مميز ومن ثم جاءت الراحلة فاطمة احمد ابراهيم التي برزت بقوة ووصلت لتكون اول نائبة في المجلس الوطني، واستطاعت ان تنتزع حق الاجر المتساوي للعمل المتساوي للنساء .واضاف صلاح بان ابرز النساء اللاتي برزن في سبعينات القرن الماضي هن نفيسة احمد الامين وام سلمة سعيد وفاطمة عبد المحمود واللائي حشدن النساء لعضوية الاتحاد الاشتراكي السوداني، الذي كان انذاك حزباً حاكما. ً
ويواصل محدثي ويشير الى انه في ثمانينات القرن الماضي طرأ تقدم كبير في عمل المرأة على المستوى السياسي فبرزت في تلك فترة الاستاذة محاسن جيلاني والتي كانت عضواً في برلمانات حكومات نميري (مجالس الشعب) الاول وحتى السادس ، فيما ظهرت القانونية ونائبة رئيس المجلس الوطني الحالي بدرية سليمان التي ارتبط وجودها السياسي بالتشريعات القانونية ووضع اللوائح المنظمة للعمل السياسي والتنظيمي، ويضيف صلاح بان فترة حكم نميري التي بلغت 16 عاماً فتحت شهية الكثير من النساء لولوج العمل السياسي وهو ما ظهر واضحاً بفترة الديمقراطية، وبذلك ظهرت الاستاذة رشيدة عبد الكريم كاول وزيرة تقلدت منصب وزارة الرعاية الاجتماعية وقدمت خلال تواجدها اداءً مميزاً وهي من ناشطات العمل السياسي بحزب الامة ، واشار صلاح الى ان كل التنظيمات السياسية كانت لها ناشطات سياسيات ما عدا الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي ظهرت فيه حركة النساء السياسية مؤخراً.
ويرى محدثي بان فترة الانقاذ شهدت ميلاد حركة سياسية مختلفة للنساء، حيث برزت السياسية عابدة المهدي والتي اصبحت فيما بعد وزيرة للتعاون الدولي رغم انتمائها لحزب الامة القومي، فيما كان اول ظهور لامرأة بالحركة الاسلامية هي سعاد الفاتح حينما قادت في السادس عشر من نوفمبر 65 مظاهرة داوية تندد بالحزب الشيوعي والطالب الذي اساء لبيت النبوة، وكان اول ظهور لامرأة من الاتجاه الاسلامي في مظاهرة. ويضيف عبد الحفيظ بان رجاء حسن خليفة هي اشهرهن واستمدت ظهورها السياسي عبر بوابة العمل الطلابي .
القراءات اليسارية
واعتبر صلاح بان اشراقة سيد محمود هي من السياسيات اللاتي استطعن خدمة تجربتهن السياسية وبدا واضحاً تأثير القراءات اليسارية على شخصيتها السياسية وتحديداً افكار حزب البعث العربي الاشتراكي، كما ان تجربتها السياسية اتسمت بالنضج الكبير وبرز ذلك بنجاحها على مستوى العمل التنظيمي والعمل التنفيذي كوزيرة ومنذ ان كانت طالبة بعطبرة الثانوية بنات ، فيما استمدت ميادة سوار الدهب شخصيتها بحسب محدثي من عدد كبير من اصدقائها بالمرحلة الجامعية خاصة اهل اليسار وحزب المؤتمر السوداني وبرزت بقوة بمشاركتها الفاعلة بكتابة الجداريات الحائطية بالجامعة،
صلاح كشف بان ميادة كانت مشروع شاعرة واديبة اكثر من كونها سياسية وهو ما يعبر عن شخصيتها التي تميل دائماً الى استخدامها لمفردات غاية التنميق والنظام اللغوي وما يفسر قراءاتها المتعددة في صنوف الادب .ويشير محدثي الى ان المرأة السودانية ظهورها على منابر السياسة، كان سابقاً لعدد كبير من الدول العربية وفي سنة 65 كانت لدينا نائبة برلمانية وايضاً في ذات العام كانت هنالك امرأة تقود مظاهرة (سعاد الفاتح) فيما اول سياسية برزت على مستوى المشهد السياسي كانت الراحلة العازة محمد عبد الله زوجة البطل الراحل علي عبد اللطيف والتي قادت مظاهرة مع طلاب المدرسة الحربية حينما خرجوا لمظاهرة في يونيو من العام 1924. غير ان صلاح يرى بان المرأة سودانية لا زالت تفتقد لمقومات الديمقراطية وتوزيع الادوار والوظائف وفقاً للعمل الجاد والمثمر للاعضاء رغم ان النساء بالاحزاب السياسية فاعلات اكثر من الرجال لسبب واحد لان قضايا البلاد اجمعها اقتصادية والمرأة اكثر التصاقاً بهذا الجانب من الرجل لجهة انها ربة منزل وملمة بخبايا العيش اليومي، سواء أكان على مستوى منزلها او السوق.وارجع صلاح بروز اغلب السياسيات بمؤسسات وزارة الرعاية الاجتماعية سواء كانت الوزارة نفسها او المؤسسات التابعة لها لجهة ان المرأة اكثر اهتماماً بهذا الجانب، وبدا ذلك واضحاً بنجاح نماذج نسائية مثل اميرة الفاضل ثم لاحقاً مشاعر الدولب وامل البيلي.
ويواصل عبد الحفيظ في افاداته بمعرض الطرح ويقول بان اكثر دولتين لديهما اداء برلماني جيد بخصوص وجود المرأة فيه الكويت ومصر رغم ان السودان كان سباقاً باتاحة الفرصة للمرأة بالعمل في المنابر السياسية، واضاف بان الضغط النسائي الذي حدث من قبل التيارات المتصارعة تحديداً قطاع النساء بالحزب الشيوعي وبقية الاحزاب السياسية ضغطوا على احزابهم بضرورة وجود التمثيل النسائي بالبرلمان السوداني وقد كان، ولكن الكويت ومصر تقدما بابراز المرأة بالمجالس البرلمانية لعدة اسباب منها الفاعلية الادائية للبرلمانين المصري والكويتي مع ملاحظة ان هنالك 16 عاماً غابت فيها الديمقراطية عن البلاد من 69 وحتى 85 ورغم ذلك في هذه الفترة تحديداً برزت نماذج نسائية مشرفة، حيث ضغطوا انذاك على حزبهم الحاكم الاتحاد الاشتراكي لمزيد من ظهور المرأة وفاعليتها وقد كان رغم ان عدم وجود ديمقراطية برلمانية حقيقية.
ويرى محدثي بان المقارنة بين النساء اليساريات والاسلاميات تبدو غير عادلة، لجهة ان ظروف كل مرحلة مختلفة بجانب ان تجربة الانقاذ اكبر من التجربة الديمقراطية التي قادها اليسار على مستوى النضج السياسي وعدد سنين الحكم ويضيف قائلاً : هنالك شيء معلوم للمراقبين وحتى نساء الحركة الاسلامية يعترفن بذلك بان فاعلية نساء اليسار وتمثيلهن الحقيقي داخل احزابهن دون محاصصة ومجاملة، الامر الذي خلق اداءً وفاعلية اكبر واكثر تميزاً من نساء التيار الاسلامي.