السبت، 25 مارس 2017

board

نبض المجالس..تصدعات المشروع الثوري

هاشم عبد الفتاح
تصدعات المشروع الثوري
 منذ ان اصدر البيت الابيض الامريكي قراره الشهير برفع العقوبات عن السودان قبيل ان (يلملم) الرئيس الامريكي السابق اوباما اشياءه ويرحل، وقتها تنفست الخرطوم الصعداء وانفتحت في وجهها ابواب من الامل،

واعتبرت ان هذا القرار بمثابة نقطة التحول الكبرى في تفكير العقل الامريكي تجاه السودان، بالرغم من ان القرار نفسه حدد سقفاً زمنياً قدره ستة شهور ليصبح قراراً فاعلاً تتبعه خطوات اخرى اكثر رشداً ومرونة تجاه الخرطوم. غير ان القوى السياسية الاخرى سواء المحلية او الاقليمية والدولية التي تقف على الضفة الاخرى في مقابلة حكومة الخرطوم، نظرت لهذا التحول الامريكي الموجب في علاقته بالخرطوم وكأنه الضربة القاضية في وجهها، او هو الكرت الدولي الاخير الذي مزقه اوباما على عتبة البيت الابيض قبل ان يغادره . وبهذه المعطيات والمشاهد الجديدة تبدلت الكثير من الاوضاع وساءت الظروف وتلوثت المناخات التي افلحت في اوقات ماضية في صناعة وانتاج امزجة وافكار القوى السياسية المعارضة، وبالاخص ما يسمى قطاع الشمال، وهي المجموعة التي وقفت ومازالت كخصم لدود ضد الانقاذ او بالاحرى ضد النظام الحاكم الآن في السودان، وبالضرورة هنا ان نشير الى حالة (الزلزلة) التي طالت عرش الحركة الشعبية (قطاع الشمال) وهي الحالة التي فجرتها استقالة الجنرال (عبد العزيز الحلو) قائد قطاع جبال النوبة بقطاع الشمال باعتباره احد الاضلاع الثلاثة القوية التي بنت عليها الحركة مشروعها الفكري والسياسي والعسكري. ومن البديهي هنا الربط بين ما تشهده الحركة الشعبية من اهتزازات وانقلابات داخلية وقرار رفع العقوبات ضد السودان، لما يمكن أن يحدثه من تداعيات وتحولات واسقاطات سالبة على كافة جبهات المعارضة السودانية. لكن يبدو أنه من غير المنطق الاعتقاد بأن الذي تعانيه الحركة الشعبية الآن هو مجرد اختلافات هامشية فقط او سحابة صيف عابرة، لكنها في الواقع كما اكدت التسريبات والتقارير الخاصة ان هذه الاختلافات والتباينات حقيقية ومبدئية طالت (اللحم الحي) وضربت المكون الفكري والعقدي الذي كانت تتواثق عليه هذه المجموعة في صياغة مشروعها السياسي، وهو مشروع ولد من رحم الحركة الشعبية (الأم) التي رحلت هي الاخرى (جنوبا) بمشروعها الفكري والسياسي عشماً في دولة (مستحيلة) تأويهم وتلبي أشواقهم ورغباتهم، لكنها كانت هكذا احلاماً واوهاماً تبددت وتناثرت كما الجثث في العراء، فباتت دولتهم هناك (معطوبة) ومحروقة.
ربما لم يتبين للعامة حتى الآن ماهية هذه الخلافات وطبيعتها التي احدثت كل هذه التفجرات بين الرفاق وباعدت بينهم المسافات.. صحيح أنها خلافات طالت الثوابت العليا للحركة، لكن لم يعرف بعد من هو الذي بقي على فكره القديم ومن الذي خرج؟ وما هو شكل وحجم الضغط الذي تعرضت له مكونات القيادة بالحركة ومدى استجابتها وتأثرها بذلك؟ ستبقى الحقيقة ان اي تحول فكري او تبدل في مبادئ وثوابت هذه الحركة يعني بالضرورة هزيمة وانهيار مشروعها الكلي، وبالتالي فإن هذه المجموعة ربما هي امام عاصفة قادمة حينما يدرك قادتها انهم فعلا بلا مشروع وبلا فكرة وبلا مواقف وبلا داعم، فكيف إذن تتبدى خيارات هؤلاء القادة في مستقبل الأيام؟ وهل بامكانهم البحث عن مشروع سياسي او حلفاء جدد؟ نحن الآن امام فرضية اساسية تنطلق من ان هذه التحولات والزلازل التي ضربت اوصال ومكونات الحركة الشعبية ستفرض على هؤلاء القادة (عقار والحلو وعرمان) واقعاً جديداً يجبرهم على ضرورة التفكير في تجاوز محطة (الممانعة) والعودة سريعاً الى خيار التفاوض واللحاق بالحكومة المرتقبة.. فهل تصدق هذه الفرضية؟ سننتظر كيف تجري الامور داخل الحركة الشعبية، وننتظر ايضاً مصير ياسر عرمان والوجهة التي سيتجه اليها خصوصاً بعد التقارير والاخبار التي تحدثت بالأمس عن اقالته من القطاع.
مع طلاب الشهادة السودانية
تتجه صباح اليوم انظار آلاف الأسر السودانية تجاه معركة امتحانات الشهادة السودانية التي يجلس لها هذا العام حوالى (500) الف طالب وطالبة، فهؤلاء الطلاب سيدخلون قاعات الامتحانات وخلفهم عشم الآباء والامهات ينتظرون موسم الحصاد الاكاديمي لفلذات اكبادهم الذين طالما بذلوا كل ما لديهم من جهد ووقت في سبيل توفير البيئة والمناخات الصالحة للتحصيل، فكم من الأسر السودانية التي استقطعت من ميزانياتها ورصيدها الخاص على حساب التزامات اخرى حتى تفي بكل المعينات والاحتياجات التي يجب توفرها لكل طالب يحلم بالمجد والنجاح، في وقت تراجعت فيه الدولة كثيراً عن مسؤولياتها الحقيقية تجاه هؤلاء الطلاب وتجاه العملية التعليمية عموماً. قضايا وموضوعات وإشكاليات عديدة دائماً ما تصاحب فترة الامتحانات كل عام، خصوصاً في الجوانب التي تتعلق بالأمن والتأمين لهذه العملية، فوزارة التربية والتعليم تتحدث عن سلامة ترتيباتها واستعدادها، وقالت انها قامت بكل ما يخرج هذه العملية الى بر الامان، لكن يبدو واضحا ان هذه الترتيبات ربما تنكشف حقيقتها وضعفها وهوانها حينما يجلس الطلاب على مقاعدهم ثم يحدقون في اوراقهم، فهناك من بين الاشكاليات مسألة الكنترول والرقابة واستحقاقاتها، ثم تأتي مرحلة التصحيح واستحقاقاتها ايضاً، ولكن تبقى القضية الاكثر خطراً وتأثيراً على هؤلاء الطلاب حينما تتناثر اوراق الامتحانات لتصبح في العراء، او ان تتسرب لدى مجموعة من الطلاب دون اخرى، وبهذا تفقد الشهادة (شرفها) وتنتهك سيادتها.
علي الحاج.. تداعيات العودة
يتجه المؤتمر الشعبي بكل ارادته وبخطوات عجلى لاختيار امين عام جديد (منتخب) لخلافة الشيخ الراحل حسن الترابي في مرحلة مفصلية بالغة التعقيد سواء على المستوى العام او المستوى الخاص بالمؤتمر الشعبي، فالحزب وكما هو مثار عبر مجالسه الخاصة تتنازعه الكثير من الرؤى والافكار والمواقف التي برزت الآن وبشكل واضح في مرحلة ما بعد الترابي، في وقت تتحدث فيه بعض المجموعات داخل الحزب عن عدم رضائها بالمنهج الذي يدير به الشيخ السنوسي الحزب، ولكن تظل قضية التقارب او الشراكة مع المؤتمر الوطني هي القضية الأبرز التي حركت الكثير من البرك الساكنة داخل مكونات المؤتمر الشعبي.
وبالأمس القريب وضع الدكتور علي الحاج (عصا الترحال) وانهى سنوات المنفى السياسي، وجاء بكامل اسرته للاستقرار النهائي بين الاهل واحضان الحزب الذي ارهقته مسيرة البحث عن حكومة (منزوعة) ومشروع اسلامي تنازعته الاهواء وتحاصره الضغوط والعاتيات محلياً وخارجياً.
ولعل هذه العودة للدكتور علي الحاج لا تفسير لها سوى ان الرجل طوى صفحة مليئة بالمرارات والخصومات القديمة التي لطالما (عكرت) صفو الاسلاميين وباعدت الشقة بينهم غداة فتنة الرابع من رمضان الشهيرة في عام 1999م التي شطرت الاسلاميين الى معسكرين (معسكر القصر ومعسكر المنشية)، فجرت مياه كثيرة تحت الجسر مرت عبرها الحركة الاسلامية بمراحل وتطورات عديدة صعوداً وهبوطاً في شكل هذه العلاقة، لكن يبدو أن العلاقة عادت الآن بين (الوطني والشعبي) الى اصولها القديمة مضموناً وليس شكلاً، لأن الشكل الجديد لحركة الإسلاميين الحاكمين والمعارضين هو الآن في مرحلة التخلق وصولاً الى صيغة (المنظومة الخالفة) التي اوصى بها الراحل الشيخ الترابي والتزمت بها جماعته.
وكل الشواهد والمعطيات تؤكد ان الدكتور علي الحاج سيكون هو الخليفة الانسب والاوفر حظاً لمنصب الامين العام، وربما اكتملت كافة الترتيبات لهذا التنصيب، لأن الحكومة نفسها تدفع بقوة في هذا الاتجاه، فهي تعتقد ان الدكتور علي الحاج يتمتع بعلاقات قوية على المستوى الاقليمي والدولي والاوروبي يمكن للحكومة استغلالها وتوظيفها بما يخدم مصالحها وملفاتها الدولية، علاوة على ان الدكتور علي الحاج يمكن ان يكون له دور فاعل في الاتصال بالحركات والمجموعات الدارفورية المسلحة وقياداتها، خاصة ان الحكومة مازالت تعتمد سياسة الابواب المشرعة للاتصال بالممانعين واقناعهم بقبول الوثيقة الوطنية، ولهذا كله فإن الحكومة تدعم وبشدة خطوة صعود الدكتور علي الحاج الى منصة الامانة العامة للمؤتمر الشعبي، ولكن تبقى القضية الاكثر قلقاً امام دعاة وحدة الاسلاميين، ان هناك تياراً قوياً ربما يتزعمه شباب المؤتمر الشعبي يقف سداً منيعاً ضد محاولات التقارب مع الوطني، وبالتالي ضد مشاركة حزبهم في الحكومة المرتقبة، فهل يمكن أن يكون لهذا التيار دور فاعل في اجهاض كل خطط ومساعي المؤتمر الشعبي في اتجاه عودة اللحمة بين الإسلاميين، او بالأحرى بين (الوطني والشعبي)؟