الأربعاء، 20 أيلول/سبتمبر 2017

board

نبض المجالس ..المخاض العسير..هاشم عبد الفتاح

المخاض العسير
بعد مخاض عسير استمر لأكثر من 60 يوما من عمليات الحذف والإضافة والتوازنات لاقتسام الكيكة التي تأبى ان تتوزع على أفواه جائعة إلا بالقدر اليسير,

فجاءت حكومة القصر وهي مثقلة بالأعباء والتحديات الجسام حكومة متضخمة ومترهلة وعريضة المنكبين مما يجعل حركتها وتواصلها مع قضايا الناس وأشواقهم فيه قدر من الصعوبة والعسر.  وقبل ان يتمهل هؤلاء القادة الجدد أو القدامى المتجددين في كراسيهم ويصدروا أوامرهم وأفكارهم يجب عليهم  اولاً أن يتحلوا بقدر وافر من الرشد والتعاطي الموجب مع أمهات القضايا والمشكلات التي تؤرق كل أسرة سودانية في معاشها وصحتها وتعليمها . أما الحكومة التي جاءت بكل هؤلاء الجيوش الجرارة من الطاقم الدستوري والتشريعي والتنفيذي هي مسؤولة أمام الله قبل المواطنين بممارسة فضيلة الرقابة  وإعلاء قيم العدل والإشراف المباشر لكل ما توافق عليه شركاء الحوار  بحكم أن هذه الحكومة معنية بالدرجة الأولى بإنفاذ مخرجات الحوار.
نجوم آفلة
من الحقائق الجديرة بالتوقف والتأمل ان الحركة الإسلامية التي ملأت المشهد السوداني يوما وشكلت وجدانه الديني والسياسي, باتت الآن وكأنها تتوارى رويدا رويدا خلف ظلال السلطة. حيث لم يعد لها بريق ولا تأثير  مثل ذي قبل, وان كل الاعتقادات والتبريرات  التي كانت قد تحدثت في مراحل سابقة عن أفول المشروع الإسلامي في السودان لم تكن هذه الاعتقادات مبنية على شواهد حقيقية أو ملموسة لكن يبدو ان المحطة التي تقف عندها الدولة السودانية الآن وتحديدا بعد إعلان ملامح حكومة الحوار الوطني, تؤكد بجلاء ان الحركة الإسلامية توارت تماما عن دائرة الفعل وعن المشهد الكلي, في  الوقت الذي تتحدث فيه بعض التسريبات في مجالس الإسلاميين الخاصة عن حل منظومة الحركة الإسلامية وتفكيك دولتها العميقة والاكتفاء ببعض رموزها وممثليها لاداء مهام ومسؤوليات خاصة بعيدا عن اي مسميات لها علاقة بالحركة الإسلامية، وقد تكون هذه المحاولات سبقتها إجراءات اخرى  لم تكن معلنة او منظورة في المشهد السياسي السوداني آنذاك  حينما أشيع بان الحكومة استغنت عن جهاز الأمن الشعبي , كما لم تعد الحكومة علي قناعة  تامة بكل تنظيماتها العسكرية والشعبية  والأمنية ذات المرجعية الإسلامية والتي طالما زجت بالحكومة  في منصات المواجهة والمعاداة مع المجتمع الدولي وبالأخص الدوائر الغربية، ولم تتوقف خطوات التراجع للحركة الإسلامية بخروجها فقط من دائرة صنع القرار, وإنما تراجعها شمل ايضا برنامجها الروحي والديني وتخليها كذلك عن قيمها ومفاهيمها القديمة وبالتالي لم تعد هناك حاجة لقادتها ورموزها الإسلامية للتواجد في هرم السلطة الحاكمة ، وبهذا الفهم تتحدث الحكومة  وربما بعقلها الباطني ان المرحلة الحالية ليست هي مرحلة الحركة الإسلامية وان التقارب بين الخرطوم وواشنطون يتطلب تفاهمات جديدة فيها قدر كبير من الاستجابة للاشتراطات والمطالب الدولية حتى اذا لم يكن ذلك مصرحا به عبر الدبلوماسية الرسمية بين الدولتين , البعض وصف صعود الجنرال بكري حسن صالح الى  قمة هرم الحكومة بانه صعود على أنقاض الحركة الاسلامية والعودة مجددا الى " العسكرة ." وبات مؤكدا انه كلما اقتربت الحكومة باعاً من الإدارة الأمريكية, ازدادت الحكومة بعدا  بمقدار باعين من مشروعها الإسلامي بنسخته القديمة.
معركة البرلمان
ربما تتهيأ قبة البرلمان لدخول مرحلة جديدة ومفصلية لقبول "كوتات" من النواب الجدد الذي جاءوا الى هذه القبة عبر شرعية الحوار وليس الانتخاب الجغرافي, ولكنهم يحملون عشما جديدا لحراسة مخرجات الحوار حتى لا تتوه او تتبدد الى لا شيء. صحيح أن القادمين الجدد من النواب وبالرغم من شرعيتهم النيابية هذه غير مكتملة الأطوار فهي  شرعية بلا قواعد أو ناخبين ولكنهم بالطبع سوف يشكلون قيمة اضافية للبرلمان الذي طالما ظلت تتسيده الأغلبية الميكانيكية لحزب المؤتمر الوطني طيلة سنوات الإنقاذ لكن من الأرجح ان تشهد قبة البرلمان في مداولاتها المقبلة سجالا عنيفا وساخنا خصوصا من جماعة المؤتمر الشعبي والتي تتخذ من  الحريات قضية أساسية ومحورية في مشاركتها في الحكومة ولكنها في نظر الآخرين من جماعة المعارضة تعتبر نوعاً من التكتيك السياسي والمناورة , فقضية الحريات ليست وليدة اليوم ولكنها جاءت مع الإنقاذ واستمرت الى ما قبل مفاصلة الرابع من رمضان الشهيرة، ومازالت ذات القضية تشكل هاجسا وخلافا كبيرا بين الإسلاميين ونظرائهم في القوى السياسة الاخرى, ولهذا فانه من المتوقع أن تنتعش الممارسة البرلمانية لمناقشة العديد من الملفات الحساسة والكبرى خصوصا أن القبة البرلمانية استوعبت بداخلها الى جانب"الشعبيين" مجموعات ليبرالية  وعقائدية أخرى اضافة للمجموعات المسلحة التي لم تنل حظها في الجهاز التنفيذي.
دبلوماسية غندور
رغم الجهود المقدرة التي قامت بها دبلوماسية البروف ابراهيم غندور وزير الخارجية  لتنقية الفضاء والأجواء الدبلوماسية في علاقات السودان مع محيطه الدولي والاقليمي, إلا ان بعض الحادبين والمراقبين لهذا الحراك الدبلوماسي يلحظون أن هذا الحراك  تتنازعه أكثر من جبهة , وتديره أكثر من رؤية أو فكرة مما يشي  أن هناك إرادة أخرى تتحكم أو تدير الملفات الدبلوماسية خارج أسوار وزارة الخارجية. لكن يبدو أن غندور وضع بصمات واضحة في ملف العلاقات الخرجية  , فما الذي يريده المؤتمر الوطني كونه يدفع بأحد كوادره السياسية الناشطة لموقع الرجل الثاني في وزارة الخارجية , قد توحي هذه الخطوة للبعض  أن المؤتمر الوطني يريد الإمساك بهذه الوزارة بكلتا يديه، غير ان  الخطوة التي يمكن اعتبارها ذات دلالات أخرى هي ترفيع الفريق طه عثمان لموقعه داخل القصر من مدير لمكتب رئيس الجمهورية، الى وزير دولة برئاسة الجمهورية ومسؤول مباشر لكل مكاتب رئيس الجمهورية , وبهذا التوصيف الجديد للفريق طه فإن بعض الملفات الدبلوماسية والخارجية يمكن ان تدار من هناك وبشكل مباشر خصوصا أن طه عرف عنه بأنه غالبا ما يمارس دور المبعوث الخاص لرئيس الجمهورية في عدد من الملفات الخارجية ذات الخصوصية في علاقات السودان الخارجية, وليس بعيدا عن ذلك فان الدكتور عوض الجاز يتولى ايضا  الآن وعبر "توظيف" جديد ، رئاسة اللجنة العليا للإشراف على ملف العلاقات السودانية ودول روسيا والصين والهند ، فأي عبقرية إذن تلك التي جعلت من وزارة سيادية كالخارجية تتجزأ الى ملفات وجزر صغيرة  ، ربما ان  للحكومة مبرراتها التي دعتها لهذا التفكير أو التعدد لمهام دبلوماسية هي في الاساس مسؤوليات مباشرة لوزارة الخارجية ؟
الولاية اللاهثة
ولأن الماء عصب الحياة، بها تتجمل الحياة وبعدمها وضنينها  تنبعث ثوارت النفس وغضبها واحتجاجاتها, ولانها كذلك كان من الأوجب لولاة أمرنا  او المسؤولين عن توفيرها وتأمينها ان يضعوا نصب أعينهم حاجة الناس في بلادي  لهذه المياه . لكن يبدو أن ذلك ليس كذلك وبالأخص في الخرطوم الولاية القارة حيث تتجذر الأزمة.  فالخرطوم بمعطيات الواقع والتجارب مقبلة على صيف ساخن بلا مياه. فالعطش الآن يتمدد في كثير من مناطق ولاية الخرطوم بحضرها وريفها وبالأخص في مناطق ام درمان، فالمواطنون هناك تتكرر مآسيهم ومعاناتهم مع كل صيف جديد, حيث لا حلول ولا أفكار ولا ميزانيات ترصد لاي طارئ أو لاية مشكلة تجعل الحصول على جرعة ماء أمرا عسيرا في ولاية تنام وتصحو في أحضان النيلين . وهكذا تستعصي الأزمة على الحلول لأن الذين يديرون شأنها تنقصهم الكثير من مقومات الوظيفة والمنصب والمسؤولية, وأسوأ ما في بلادنا ان أزماتنا واشكالياتنا الكبرى دائما ما نواجهها بإرادة واهنة وحلول عجلى وفطيرة وبلا رؤية أو استراتيجية .