الجمعة، 21 تموز/يوليو 2017

board

الخرطوم وواشنطن.. استمرار سياسة العصا والجزرة

أبو عبيدة عبد الله - لم يكن قرار تمديد الولايات المتحدة الأمريكية, مهلة رفع العقوبات من السودان ثلاثة أشهر قادمة, أمرا مستغربا لكثير من المراقبين, بل ويعتبر هو القرار الأنسب مقارنة بتاريخ أمريكا في التعامل مع السودان والذي يغلب عليه التنصل عند المواقف والعهود المشهودة دولياً.

ثلاثة أشهر قادمة مطلوب فيها تقديم شهادة حسن سير وسلوك تعترف بها الولايات المتحدة الأمريكية, شهادة تكون خالية من أي عيوب بعيون واشنطن, وذلك بعد أن أدرجت مواد إضافية تتطلب من الخرطوم مذاكرتها ومراجعتها جيداً حتى تضمن (الباص), هذه المواد تتمثل في حقوق الإنسان وعدم التعامل مع دولة كوريا, وهذه الشروط أو المواد الجديدة رغم إدراكي, أن الخرطوم كانت تتوقعها أو أسوأ منها, لكن ردة الفعل جاءت من الرئيس عمر البشير, تجميد لجنة التفاوض مع أمريكا, وهي رسالة لواشنطن بكل تأكيد مفادها ليس لدينا ما نقدمه أكثر مما قدمناه. ولكن هل يمكن أن نقول إن الحكومة تسرعت في اتخاذ قرار التجميد للجنة التفاوض مع واشنطن, أم أنه كان قراراً صائباً؟
يلحظ أي مراقب لتعامل واشنطن والخرطوم منذ فرض العقوبات على السودان, أن واشنطن لم تكن يوماً تسمح بمجرد النقاش أو التفاوض حول رفع العقوبات, إلا في الثلاث سنوات الأخيرة, وذلك بعد أن تعقدت كثير من الأوضاع الأمنية في العالم العربي, وانتشار ظواهر تجارة البشر, والتهديد الإرهابي الذي ضرب عدداً من الدول الأوروبية وأمريكا نفسها.
هذه التحولات, هي التي جعلت واشنطن تفكر بجدية في محاولة إيجاد تفاهمات مع الخرطوم, باعتبارها دولة مهمة عربياً وإفريقياً, والاعتبار أن سجلها خالياً من عمليات الإرهاب, فضلاً عن الجهود الكبيرة التي قامت بها في مكافحة تجارة البشر, باعتبار أن الأراضي السودانية والحدود الطويلة مكنت كثيرا من تجار البشر من استغلال تلك العوامل لينشطوا في تجارة البشر والتي أضحت مهدداً حقيقياً لاستقرار الشعوب الأوربية.
كل ذلك جانب, ومصالح واشنطن الاقتصادية جانب آخر, وهذا ظهر جلياً عقب توصية إدارة أوباما لرفع العقوبات في يوليو الحالي, حيث كثير من الشركات الأمريكية أبدت الرغبة في الاستثمار بالسودان, ولأنها تحاول أن تجد موطئ قدم لها, بعد أن سبقتها الصين وروسيا أكبر منافسي أمريكا, فضلاً عن الدول الأوربية, من كل تلك المعطيات يتضح جلياً أن قرار تجميد لجنة التفاوض الذي اتخذته الخرطوم جانبه الصواب, لأن ما خسرته الخرطوم جراء العقدين السابقين من العقوبات لن تخسر أكثر منه مجدداً, بل ونجدها تكيفت مع وضع العقوبات من خلال تدابير داخلية, صحيح أنها اعتمدت على موارد ذاتية أثقلت كاهل الشعب السوداني, ولكنها لم تحقق أماني أمريكا والمجتمع الدولي ب‘سقاط النظام.
فقرار التجميد الذي اتخذته الخرطوم رسالة واضحة لواشنطن بأن أي قرار تريد اتخاذه سواء برفع العقوبات أو تمديدها مجدداً أو الإبقاء عليها, يجب اتخاذه اليوم قبل الثلاثة أشهر القادمة, وهو ما يكشف نوايا واشنطن تجاه الخرطوم, فقرار التجميد منح واشنطن ألا تفكر أكثر وترهق نفسها بالبحث والتقصي وإرسال لجان للخرطوم لمعرفة التزامها بالاشتراطات من عدمه.
ما المطلوب داخلياً وخارجياً؟
على الخرطوم أن تعمل في المرحلة المقبلة على أسوأ الاحتمالات وهو الإبقاء على العقوبات, مما يتطلب منها أن تقوم بدور دبلوماسي كبير وذلك على الصعيد الخارجي, وتنشيط التحالفات السابقة مع روسيا والصين, وبلا شك الزيارة المتوقعة للرئيس البشير إلى روسيا الشهر المقبل رغم أنها كانت محددة منذ وقت مبكر, إلا أنها جاءت في وقت يمكن الخرطوم من الاستفادة منها أقصى استفادة, بتوقيع اتفاقيات اقتصادية بل وعسكرية, وربما نتائج تلك الزيارة والتي تسبق فترة الثلاثة أشهر يكون لها تأثير واضح في القرار الذي ستتخذه أمريكا في أكتوبر المقبل.
أما على الصعيد الداخلي, فواجب على الحكومة الاقتراب أكثر من قضايا المواطنين, بتسهيل سبل العيش الكريم, لأن الشعب السوداني ظل طيلة السنوات الماضية يدعم ويساند الحكومة في كل المواقف, وكان ينتظر لحظة رفع العقوبات, فبالتأكيد سيكون المواطن اليوم محبطاً جداً من قرار تمديد مهلة رفع العقوبات, فالحكومة يجب ألا تترك المواطن في إحباطاته, وبذات القدر يجب ألا تتحدث له أحاديث الأماني والأشواق والخيال الواسع كما حصل قبل انفصال الجنوب, حينما تحدثت الحكومة عن الواقع الاقتصادي.
أزمة الخليج
لم يكن السودان محظوظاً بعد أن انفجرت الأزمة الخليجية, والتي لم يستبعد كثير من المراقبين بأنها ألقت بظلال سالبة على قرار واشنطن الأخير, وأن عدداً من الدول التي دعمت وساندت من قبل رفع العقوبات عن السودان, باتت اليوم بعد تلك الأزمة تقف متفرجة.
صحيح أن السودان وقف موقف الحياد ودعم المبادرة الكويتية من أجل رأب الصدع بين الدول الخليجية, وهو الموقف الذي لم يرق لبعض الدول والتي كانت تتمنى موقفاً واضحاً للخرطوم.
على الحكومة الاستفادة من وجودها وعلاقاتها التي تشكلت وسط الدول الخليجية, بحثها على القيام بدور أكبر, لأن ما قدمته الحكومة في عاصفة الحزم لا يقدر بثمن, ويجب على الأقل أن تدعم تلك الدول موقف الحكومة الساعي لرفع العقوبات.
الموقف النهائي
على كل, يظل موقف الحكومة كما أعلن عنه الرئيس البشير من خلال قرار تجميد لجنة التفاوض, ولكن هناك قناعة لدى كثير من المراقبين, أن الأسباب التي أدت إلى فرض العقوبات ما زالت قائمة ومن الصعب رفع تلك العقوبات, صحيح تغيرت موازين اللعبة، لكن يظل الهدف هو الهدف وهو إسقاط النظام.
الخرطوم لن تلدغ من جحر مرتين, صحيح أنها لدغت أكثر من ذلك ولكنها لا بد أن تستفيد من الدروس السابقة, بعيداً عن سياسة العصا والجزرة.