نائب مدير مركز الراصد للدراسات الاستراتيجية في قراءة للوضع السياسي مع «الإنتباهة»:

حوار: منى النور

القضايا السياسية الشائكة التي تعج بها الساحة السياسية اليوم شغلت الرأي العام خاصة قضية الحوار الوطني، والذي تنظر إليه القوى السياسية كمخرج من الأزمات التي ضربت البلاد خاصة الاقتصاد السوداني، كل ذلك والانتخابات واتفاقية أديس وباريس وغيرها من التساؤلات قادت «الإنتباهة» للجلوس إلى د. الفاتح عثمان محجوب المحلل والمفكر السياسي ونائب مدير مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية والمستشار العلمي للمركز للحديث حول تلك القضايا فمعنا إلى نص الحوار..

> رؤيتك لما يدور في الساحة السياسية بصورة عامة؟
الساحة السياسة في حالة تهيب لمخرجات الحوار الوطني ومستحقاته المترتبة عليه مثل الانتخابات والدستور وحسم الصراع الأهلي في كل من دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان، وهي النقاط الثلاث التي تشغل الساحة والفعاليات السياسية والتي هي في حالة ترقب كبير لمعرفة مآلات الحوار الوطني خاصة اتفاق اديس أبابا بين آلية الحوار ومجموعة باريس والثورية، والسؤال الذي يشغل بال تلك الفعاليات المختلفة الى أي مدى يمكن الوثوق بان ما تم توقيعه من اتفاقيات يمكن أن يترجم الى اتفاقيات حقيقية بين الأطراف المختلفة تمهيداً لاتفاق حول كيفية التداول السلمي للسلطة والتراضي حول دستور متفق عليه وإنهاء النزاع الدائر في أطراف البلاد.
> وهل في اعتقادك أن الحوار الذي يتبناه الوطني يمكن أن يقود إلى نتيجة إذا وضعنا في الاعتبار أنه أخذ فترة طويلة للخروج برؤية واضحة؟
السودان اليوم في مفترق طرق فهو يعاني من ازمة اقتصادية طاحنة تأخذ بخناق البلاد واضحت الى حد ما تتحكم في مسار العملية السياسية، بمعنى أن مستحقات الازمة تجبر الاطراف المختلفة على تقديم تنازلات خاصة من الحكومة التي باتت موقنة بانها لن تستطيع تمويل الحرب الى ما لا نهاية، خاصة في ظل الازمة الاقتصادية الحالية المتمثلة في الايرادات وارتفاع مستوى المعيشة وزيادة حجم الاستيراد والاستهلاك مقارنة بالاصلاح، وهذا مؤشر على تحول السودان من دولة مستهلكة، وهذا اخطر مظاهر الازمة والشارع السوداني بات في حالة تضجر ووصل الى مرحلة قريبة من اليأس من مقدرة الدولة بوضعها الراهن، على تقديم اصلاحات في مجال الاقتصاد لذلك الكل ينظر للحوار كمخرج سلمي لان المطلوب التراضي على حكومة وفاقية أياً كان مسماها، تشرف على الانتخابات وتفتح آفاقاً جديدة للعلاقات الخارجية مع العالم الغربي ودول الخليج لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب، والحصار الاقتصادي والغاء الديون التي باتت اكبر من الناتج القومي، وبالتالي لا مخرج للاقتصاد السوداني الا بالغاء الحصار والخروج من دائرة المقاطعات الاقتصادية، وهذا يتطلب وجود حكومة يتراضى عليها الجميع وتحقق رضا مقبول لدى الدول النافذة في العالم.
> ولكن هناك من يرى أن الأحزاب السياسية الرافضة للحوار أصابتها زعزعة في موقفها بعد اتفاق المبادئ بأديس ووثيقة باريس؟
الأحزاب السودانية تنقسم اليوم الى ثلاث مجموعات، أحزاب من الطبقة الاولى وهي الاحزاب الكبرى وهي راغبة في الانتخابات لاعتقادها انها الوسيلة العادلة لتحديد الحجم الحقيقي لها وعلى رأسها الوطني، والأمة، والاتحادي الأصل، والشعبي، وأحزاب عالية الصوت ولكن لا وجود لها على ارض الواقع وترفض اي حديث حول الخوض في الانتخابات وترغب في فترة انتقالية طويلة الأمد لكي تشارك اطول فترة ممكنة في الحكم، والاحزاب الجهوية وهي من الاحزاب التي لها أنصار ومريدون وأتباع في أقاليم بعينها وهي لا ترفض الانتخابات ولكنها تطالب بان يتيح لها قانون الانتخابات تمثيلاً أكثر عدالة، وبالنسبة للفئة الاولى والثالثة يمكن للحوار أن يسهم في حل مشكلاتهم ويمكن عبره أيضاً الرد على توجسات تلك الاحزاب التي تخاف التزوير في الانتخابات اواستخدام الحكومة لسلطاتها، اضافة الى انها تعاني العوز المالي وهذه الفئة يمكن للحوار أن يلبي رغباتها، اما الفئة الثانية فهي لا مصلحة لها في الحوار ولا في قيام الانتخابات، واذا رغبوا في الحوار يشترطون حكومة انتقالية لفترة طويلة تمكنهم من التواجد على سدة الحكم، وعلى المجموعة الثاني والثالثة التي تعبر عن مناطق جهوية يجب على الحوار أن يجيب على هواجس هؤلاء، وان يقدم اجابات واضحة على كيفية دمجهم في الحياة السياسة لان استقرار البلاد يكمن في استقرار تلك الاحزاب.
> اتفاق باريس وإعلان باريس أيهما الأمثل ليكون إضافة للحوار الوطني؟
الحكومة في الأصل لم تدع الى اتفاق باريس عند التوقيع عليه، والجبهة الثورية كما هو معلوم لا تعترف بهذه الحكومة اوالتي قبلها والطرف الثاني جزء اصيل في آلية الحوار ورفض الحكومة له جاء بناءً على الكيفية التي تم بها الاتفاق ولكن ما ترتب عليه رحبت به الحكومة وتم اعلان موافقتها عبر التوقيع على اتفاقية اديس أبابا من لجنة آلية الحوار، واحد اطراف الاتفاقية الوزير احمد سعد وبالتالي ترحيب الحكومة باتفاق اديس هذا  يعني ضمنياً أن ليس لديها اعتراض على اعلان باريس. كذلك من الملاحظ ان الحكومة عند توقيعها على اتفاق اديس وقعت في صفحة منفصلة والثورية في صفحة منفصلة، وذلك يعني ان الحكومة لا تعترف بالثورية ولذلك انعكس رفضها على اتفاق باريس ولكن كل ذلك سيزول في حال تم الاتفاق على اهم ما يقلق الناس من وقف لاطلاق النار ومكان انعقاد الحوار.
>  ننتقل إلى ملف الانتخابات هل يمكن أن يدفع الوطني بالبشير للانتخابات مرة أخرى مع العلم أن الدستور ينص على عدم الترشح لأكثر من دورتين؟
بحسب الدستور الرئيس يحق له الترشيح مرة أخرى لان الدورة الاولى والتي كانت قبل انتخابات 2010 لم يكن قد تمت اجازة الدستور، لذلك دستورياً يحق للبشير الترشيح وحتى هذا الدستور قابل للتعديل ضمن نتائج الحوار الوطني وهذا يتوقع عنه دستور جديد والرئيس هو من نادى بالتغيير، وهو غير راغب في السلطة ويتمنى تركها لاخرين  ومن الواضح انه قد أعد الفريق بكري ليكون خليفته، ومن المتوقع ان يكون المرشح للوطني، ولكن هناك بعض التيارات التي تطالب ببقاء  البشير لمدة اخرى بدعوى ان البلاد لديها العديد من التحديات التي تتطلب وجوده، والراجح ان الرئيس اذا لم يتقبل مسألة اعادة ترشيحه قد يحتدم الصراع بين الاحزاب،  فالبشير بكاريزميته المعروفة وبساطته، من الصعوبة بمكان منافسته ولكن مع خليفته الامر يختلف وقد تصبح الفرصة سانحة لمنافسة الوطني بضراوة من الاحزاب الاخرى.
>  وكيف تفسر تصريحات المفوضية باعتزامها إجازة أبيي وحلايب دوائر انتخابية مع العلم أن الحكومة المصرية تحكم سيطرتها على حلايب؟
المفوضية ملزمة بالقانون الذي يحدد المناطق التي تقع ضمن حدود السودان، ابيي وفقاً لانتفاق نيفاشا يمكن اجراء انتخابات بها لانه لا خلاف بين الدولتين عليها في انها تتبع للشمال الى حين قيام الاستفتاء، اما حلايب فالنزاع الدائر بين الدولتين يفرض نفسه بقوة لكن يمكن في إطار التسويات السياسية، يمكن ان تسمح لهم بالاقتراع وقد تمنع كما فعلت في انتخابات 2010والمسألة برمتها تخضع للعلاقات السياسية.
> التقارب الواضح بين الوطني والشعبي خاصة في مسألة الحوار الوطني هناك من ينظر له بأنه محاولة ترميم الجسد للحركة الإسلامية كيف تراه أنت؟
اللقاء بين الوطني والشعبي الى الان يتم في إطار عملية الحوار الوطني الذي يتطلع الى اتفاق جامع حول كيفية التداول السلمي للسلطة وغيرها من القضايا، اما مسألة التقارب في ظل الحركة الاسلامية فهذا الحديث تجاوزه الزمن بمعنى ان الحركة الاسلامية تضاءل دورها في الحياة السياسية السودانية واصبح الوطني كحزب تجذر داخل المجتمع، واصبح الى حد كبير غير محتاج لرعايتها ووصايتها التي تقلصت وانحسرت واصبح وجودها محصوراً في اعلانات النعي في الصحف او بيانات التنديد بالغزو الاسرائيلي، وهذا الامر تبناه الترابي عندما حل الحركة الاسلامية واسس حزب المؤتمر الوطني وكان الخطة ان يصبح الوطني هو البديل في اطار حركة اسلامية اوسع من حركة اسلامية متقوقعة حول نفسها .
>  ولكن يقال إن المخطط هو أن يكون الشعبي مانعة صواعق فوق رأس الوطني ويقود المعارضة في ذات الوقت وهذا ما يحدث اليوم؟
 نظرية المؤامرة في السياسة السودانية متجذرة، والكثيرون يؤمنون بسيناريوهات هي اقرب الى الخيال من الواقع، والشعبي اكثر احتياجاً من الوطني لانهاء حالة القطيعة، لانه لم يجد فرصة حتى ينال حظه من الحكم والحرية والسياسة ولقناعته بان الوطني اصبح حزباً متجذراً وله قواعد واسعة ويمتلك نفوذاً يضمن له الاستمرار في الحكم، لذلك يريد سلمياً انهاء سيطرة الوطني على مقاليد السلطة وفتح الباب للتنافس وبالتالي يعتبر الشعبي هو الكاسب الاول من الحوار، ومن قبله راهن الامة الاصل  والاتحادي على الحوار فهذه الاحزاب تتطلع الى البقاء في الحكم اما الوطني فهو يسعى الى انهاء التوتر والاستفادة من وضعه الحالي بحكم انه الحزب الأكبر.
> كيف تنظر للتعاطي الأمريكي مع الشأن السوداني؟
التعاطي الامريكي للشأن السوداني محكوم باشياء عديدة اولها ضعف السودان اقتصادياً وهذا الضعف جعل من السودان دولة مجردة من لوبيات المصالح والنفوذ النشط في اروقة البيت الابيض، كما انه ليس لديه بواكي في حساب المصالح الامريكية لذلك من السهولة بمكان تطبيق اية عقوبات عليه دون اعتراض، ثانياً الشأن السوداني بات مرهوناً بجماعات الضعف السياسي مثل الجماعات الافريقية التي تنشط ضد اليهودية وهي التي تتخذ شعارات لمحاربة السودان مثل الابادة الجماعية وجماعات اليمين المسيحي وغيرها، بمعنى انه ليس هناك قضايا حقيقية بين البلدين لانعدام لغة المصالح وبالتالي من السهل ان يتبنى اي نائب برلماني قانوناً صارماً دون اعتراض من البيت الابيض.
> إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية هل يمكن أن يكون القشة التي قصمت ظهر البعير بين الدولتين؟وهل كان  خصماً على علاقتنا مع دول الخليج؟
العلاقات السودانية الايرانية لم تكن في احسن احوالها، كما انها لم تكن خصماً على علاقاتنا مع دول الخليج بل ظلت الى حد كبير محصورة في جوانب تنسيقية وعسكرية، ولكن مصالح السودان ظلت على الدوام متجهة نحو الخليج والاغلاق لم يكن قط ضمن صفقة مع الخليج وربما لا يجد الخليج غضاضة من وجود المراكز الثقافية الايرانية ولكن السبب الحقيقي وراء الاغلاق هو تفاقم دور تلك المراكز وخروجها عن ما هو مألوف ومطلوب وهو ما يخالف الاتفاقيات الدبلوماسية.