مفوض مفوضية العدالة والحقيقة والمصالحات بالسلطة الإقليمية دكتور. عبد الحميد أحمد أمين لـ «الإنتباهة»

حوار: فتحية موسى:

عاشت دارفور منذ اندلاع التمرد عام 2003م إفرازات سالبة خلفتها الحروب والصراعات ألقت بظلالها على كل الجوانب داخل المجتمع المدني الدارفوري، وأحدثت خللاً كبيراً في تركيبته، كما أثرت على مستوى تماسكه حتى أصبحت مسألة رتق النسيج الاجتماعي وإبراز الحقائق وإشاعة العدالة واحدة من التحديات الماثلة أمام السلطة الإقليمية التي أُنشئت إنفاذاً لاتفاقية الدوحة الموقعة بين الحكومة وحركة التحرير والعدالة، وأعطت الوثيقة مكانة خاصة لإصلاح الجانب الاجتماعي والقبلي بدارفور، حيث أنشئت له مفوضية خاصة تعنى بذلك تحت مسمى مفوضية العدالة والحقيقة والمصالحة، الأهداف التي يجب أن تسعى إليها المفوضية داخل السلطة الإقليمية من خلال وثيقة الدوحة والقوانين السارية بجانب البحث عن حلول ما إذا كانت المفوضية هي الآلية الأساسية التي تسعى إلى إشاعة الطمأنينة والعدل في دارفور. ولتوضيح طبيعة عمل المفوضية ومهامها أجرت «الإنتباهة» تلك المقابلة مع الدكتور عبد الحميد أحمد أمين رئيس المفوضية فخرجت بالإفادات الآتية:

< بداية د. عبد الحميد حدثنا عن دور وأهمية المفوضية في الوقت الراهن؟
> هي مفوضية تنفيذية داخل السلطة التنفيذية لإقليم دارفور تابعة للسلطة الإقليمية لدارفور برئاسة د. تجاني سيسي المقر الرئيس بالفاشر، ومن المفترض أن يكون لدينا مقرات أخرى فرعية من داخل الولايات بموجب القانون الدستوري رقم «46» الذي أنشأ المفوضية نفسها ومن بعده صدر مرسوم آخر جمهوري لتنظيم عمل واسم ومكان وصلاحيات وهيكلية مكونات المفوضية لتأكيد أن المفوضية مستقلة تماماً بما تؤديه من أعمال، من أجل تلك المهام تقيم المفوضية في المركز مع مراعاة بعض الأعمال الضرورية التي تتم بالتكامل مع الجهات الأخرى في الحكومة مع السلطة نفسها.
< إذاً ما هو الغرض من تأسيس المفوضية؟
> تأسيس المفوضية أتى كإحدى آليات السلطة لتنفيذ وثيقة الدوحة ومُكلفة الجهات المعنية في دارفور لتأسيسها وتنظيم مهامها في مارس 2013م.
< حدثنا عن مهام واختصاصات المفوضية؟
> اختصاصات مفوضية العدالة والحقيقة والمصالحة كثيرة، منها حماية وتعزيز حقوق مواطني دارفور والتعرف عليها وتستند إلى مبادئ العدالة والمصالحة الواردة في المادة (55) من وثيقة الدوحة للسلام في دارفور، هذه المادة تقوم عليه استناداً إلى المبادئ واحترام القانون الدولي للحقوق الإنسان لأنهما عنصران أساسيان لتحقيق السلام الدائم في دارفور لتعزيز سيادة القانون إضافة إلى اعتماد آليات العدالة من أجل الإنصاف، وكذلك المساءلة القانونية لمرتكبي أعمال العنف المتصلة بالنزاع المسلح بالمنطقة، وتتمثل المبادئ التوجيهية في إعادة وبناء وإصلاح العلاقات الاجتماعية وتعزيز قيم التعايش السلمي واحترام العادات القائمة والتعاون والتضامن الاجتماعيين، إضافة إلى حق الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف خاصة حقهم في الوصول إلى تعويض مناسب وفعال وعادل، لذلك تكون العدالة وآليات الانتظام الأخرى بما في ذلك آليات العدالة الانتقالية مستقلة ومحايدة، وينبغي أن تكون متوافقة مع القوانين والمعايير الدولية، وأيضاً إدانة الانتهاكات والفظائع لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني الذي ارتكب في دارفور خلال النزاع، والحاجة المُلحة لاتخاذ جميع الخطوات اللازمة لمنع تكرارها، التسجيل والتوثيق على نحو ملائم لكل الجرائم وأنواع الانتهاكات وهناك نقطة مهمة لا بد من الإشارة إليها والاعتراف بالوضع الخاص للنساء والأطفال والشباب، وفي عملية العدالة الانتقالية وبناء السلام وضرورة مشاركتهم على قدم المساواة، وبانخراط كامل في جميع الجهود الرامية إلى السلم والأمن بما في ذلك العدالة المصالحة، والأطفال المتورطون في النزاع الذين يمكن ان يكونوا قد انخرطوا في ارتكاب جرائم بموجب القانون الدولي يجب اعتبارهم ضحايا، ويعاملوا وفق اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الدائم لاتفاقية جنيف والميثاق الإفريقي لحقوق وواجبات الطفل، الاختصاصات والمهام آنفة الذكر للمفوضية، ورد نصاً في وثيقة الدوحة، ومن رئاسة الجمهورية وبهذه الكيفية.
< د. عبد الحميد، من خلال الاختصاصات آنفة الذكر اتضح لنا مدى أهمية تلك المفوضية، لكن ما نود معرفته ما تم تنفيذه حتى الآن على أرض الواقع، وما هي المعوقات؟
> المعوقات الأساسية هي نقص الكوادر واللوجستيات إضافة إلى تنفيذ الميزانية المطلوبة وهي لا تفي، وتنفذ بواسطة وزارة المالية الإقليمية والوزارة تتحجج بعدم توافر الموارد من قبل الدولة طالما أُجيزت هذه الميزانية يجب أن تمول، والتمويل يجب أن يكون على حسب القرار الذي وضع بطلب الميزانية نفسها وعلى حسب الحاجة.
< إذاً المعوق الأساس الذي حال دون التنفيذ هو إشكالية التمويل تحديداً؟
> نعم التمويل أصبح هو العائق الأساس وأيضا عدم هيكلة المراكز الفرعية التي لا تعمل لعدم وجود المكاتب المؤهلة التي تفتقر لأبسط المعينات لاستقبال التوجهات الخاصة بالسلطة المكلفة بالمفوضية من قبل الدولة. هناك شق ثانٍ ومهم هو اللجان، هناك لجنتان أساسيتان هي لجنة العدالة والحقيقة والمصالحة، لكل منهما مهام منفصل عن الآخر وفق المادتين السادسة والسابعة بموجب ذلك يكون لهما المسؤولية عن تنفيذ العمل داخل أرض الواقع //وتكوين لجان أخرى لهذه المهام لا يمكن أن يؤديها غير المفوضية لكونها كيان شعبي داخل المجتمع المدني.
< نما إلى علمنا أن معظم شكاوى السلطة الإقليمية السابقة والحالية بسبب التمويل ألا تعتقد أن هذا الشيء هو المعوق الأساس لمسيرة السلام واالتنمية في دارفور؟
> بالطبع هو مُعوق أساسي إذا كانت السلطة لم تمكن ولايتها الفعالة تنفيذ ما يُناط بها بالضرورة يعطل عمل السلطة أولاً، والحد من إمكانية دعوة الناس بأي وسيلة لا للانضمام لوثيقة الدوحة، وحتى الدخول إلى أي مفاوضات أخرى، وماذا نفعل أكثر مما فعلته وثيقة الدوحة المشهود لها وهي جيدة إلى أقصى حدود الجودة إذا ما طُبقت بسلامة نية، ويجب أن تبرز للناس. السلطة الإقليمية والحكومة المركزية بتمسكهما بهذه ـ وثيقة الدوحة ـ وبذل كل الجهود من أجل أن تكون واقعاً ملموساً يحتذى به.
< البعض يخشى من تكرار تجربة فشل أبوجا بإنتقال العدوى لوثيقة الدوحة، بماذا ترد؟
> الدوحة تختلف عن أبوجا تماماً، فوثيقة الدوحة تحظى بإجماع وتأييد دولي ومحلي، وحركة التحرير والعدالة عندما وقعت هذا الاتفاق لم تحصر الأمر في زاوية محددة، بل أشركت المجتمع المدني الدارفوري وذلك عكس أبوجا التي كانت بين الحكومة وحركة من الحركات قويت أم ضعفت، وأهم ما يميز اتفاق الدوحة أنه ترك الباب مفتوحاً أمام بقية الحركات للالتحاق به إذا رغبت.
< برأيك، هل هذه الوثيقة تمثل الحل النهائي لقضية دارفور بالرغم من الانتقادات الموجهة لها؟
> الوثيقة قد تكون الحل الأمثل لا أستطيع أن أتنبأ بشيء نهائي لكن أراه الحل الأمثل الماثل أمامنا الآن واقع يقرب المسافات بين الناس سيما أهل دارفور وأهل الشمال لأن هناك اتهاماً من اهل دارفور للشمال بأنهم اخذوا «التركة» وحدهم، بمعنى أنهم لم ينالوا نصيبهم من التنمية والأشياء الأخرى المعلومة لدينا، ومن أجل إقناعهم بذلك يجب أن ننفذ الوثيقة بفهم وليس بالعاطفة في أن نقدم السلام الداخلي في دارفور على ما عداه ونقنع الآخرين بأداء السلطة الإقليمية الذي يحتاج إلى دعم داخلي وخارجي أيضاً.
< مقاطعة: بصدد الدعم ألا ترى أن مؤتمر المانحين الذين قدموا تبرعات كبيرة بالنسبة للتنمية في دارفور، هل جميعهم أوفوا بوعودهم من الدعم؟
> مؤتمر (d d s) للمانحين كان جيداً إلى أقصى حد الجودة، صحيح في البداية انتاب بعض المانحين شيء من التردد نسبة لتأخير الموعد مما أدى إلى خلق بعض العُقد والعراقيل من جانب المانحين في مسألة الدفع بسخاء شديد، وحقيقة وردت مبالغ كبيرة جداً كانت ستساعد في حل كل شيء أو جزء كبير منه، المؤتمر نفسه لفت نظر المؤتمرين والمتعاقدين للسودان ودارفور والاتفاق حول السلم المؤدي والمقدم إلى السلام بواسطة الوثيقة التي لا بد لها أن تنفذ لكن بشرط يجب أن يخترق الجميع كل العراقيل للوصول الى سلم اجتماعي ونوعي دائم في دارفور كيما تنشط عقليات التنمية، لأن التنمية لا تحسها الحروب وإنما السلم، لذلك أشار المؤتمرون بوضعهم في (d d s) لإقامة العدالة في دارفور أكثر من (900) مليون دولار.
< مقاطعة: لكن هل وصلت هذه المبالغ إلى دارفور  هناك أحاديث كثيرة تشاع حول عدم وصولها، ما مدى صحة هذا الأمر؟
> لست أدرى هل وصلت تلك المبالغ أم لم تصل حتى الآن، لكن ذُكر هذا الشيء في المؤتمر وأمام الملأ بوضع (900) مليون دولار والله أعلم. لو فرضنا جدلاً وصول المبلغ بالفعل لو فقط بذل في السلم أو تمت إعادة صياغة وانتفعت النيابة والشرطة منه مثلاً والمحاكم والقضاة أي قمنا بتأهيل مفوضية العدالة لتدير العدالة الانتقالية بوصفها الصحيح أمام الجميع وإقناعهم ان هناك شيئاً قد حدث بمحاكمة المجرمين وأنهم لم يفلتوا، وكذا هذا الأمر يؤدى إلى أن يدعو كل شخص المطالبة بحقه حتى المتمردين قد اقتنعوا بأن وثيقة الدوحة تلك ،وثيقة فاعلة ولها إقناعها، ولو حدث أي خطأ من جانبنا أو من الحكومة والمواطنين لهؤلاء المتفلتين وحدثت قبضة قوية من السهل جداً حضورهم والاستماع إلى حديث الغير والدخول في وثيقة الدوحة لأنها أصبحت فاعلة ولها قوتها وإقناعها صحيح قد نجد فيها بعض الأشياء لكن لو حصلت الأسبقيات بشكل غير مرتب، هذا الترتيب في نظري هو عمل كذا وكذا لا الحكومة بجيوشها ولا الجهات الأجنبية بما لديها تستطيع حراستها إلا من قبل أصحابها وإن كان الأخير لم يقتنع، ما الفائدة إذاً من الدوران في حلقة مفرغة، بجانب وثيقة الدوحة صدر حديث مهم جداً قاله الرئيس البشير في أم جرس وهو تقديم مصلحة السلام فوق المصالح الأخرى، ووجد في نفسي شيئاً كبيراً جداً إضافة للعمل الخاص في الادارات الأهلية من خلال المصالحات التي تمت والتي سوف تتم ايضاً.
< د. عبد الحميد هل تعتقد أن ملتقى أم جرس قد يكون منبراً تفاوضياً جديداً وبديلاً للدوحة، أم امتداداً له؟
> لا ليس بديلا أو امتدادا للدوحة بقدر ما هو دعم لوثيقة الدوحة، في اعتقادي أم جرس تمثل دعماً أساسيا وقيما ومختلفا، ومن يقوم عليه ايضاً رجل مختلف وهو مولانا دوسة، ونجده حادباً على هذا الشيء نسبة لمعرفته لأبعاد الملتقى من خلال المخرجات الطيبة من الملتقى الأول انحصاره على قبيلة الزغاوة نفسه كان بمثابة الإستراتيجية والنجاح.
< برأيك من خلال المعطيات الراهنة هل ام جرس تستطيع ان تحقق السلام الشامل لدارفور؟
> الشيء الوحيد الذي يستطيع تحقيق سلام وأمن واستقرار دارفور هي وثيقة الدوحة وأم جرس أحد الآليات التي ابتدعها الطرف الآخر وهي الحكومة المركزية ابتدعت أم جرس على أن تكون نوعا من أنواع الدعم، وما نقوم به نحن في السلطة الإقليمية ايضاً من أجل تعزيز واكتمال وثيقة الدوحة لهذا أم جرس لا يمكن أن يستعيض بها الناس عن الدوحة مهما كان.
< الكل أجمع على نجاح أم جرس، إذاً ما هي كيفية قياس نسبة النجاح أو الفشل في ظل الغياب التام للمتمردين؟
> غياب المتمردين هذا شيء آخر لأن اي إنسان له رأي ولا يمكن ان يكون رأي الطرف الآخر منزلا لغيره دون الاستماع الى حجته وفي الآخر «الغايب حجته معاه» وكما ذكرت مسبقاً عن وثيقة الدوحة فهي غير مغرية بشكلها الحالى للآخرين من أجل الإقدام عليها وبالتالي دعم أم جرس كشيء نابع من الدوحة من الأولى بألا تكون مغرية بالنسبة للآخرين وحتى تكون كذلك يجب التركيز على دعم وثيقة الدوحة وإعادة النظر الى الأسبقيات.
< د. عبد الحميد لماذا لم تُشارك مفوضية العدالة في الملتقى على الرغم من أن المشاركة ضمن اختصاصاتها؟
> نعم نحن كمفوضية لدينا الرغبة الأكيدة في المشاركة وهذا ضمن اختصاصاتنا لكن للأسف لم تتم دعوتنا كمفوضية أنا دعيت لشخصي في المساء قبل يوم لمغادرة الى أم جرس لكن ظروف العمل لم تمكنني من السفر ضمن الوفد.
< بوصفك المسؤول الرسمي عن هذه المفوضية هل أنت راضٍ عن سير عملها والواجبات التي تؤديها؟
> بالتأكيد راضي عن الواجبات تماما والدليل على ذلك ما هو مكتوب في هذه الورقة الصادرة من رئاسة الجمهورية، وعمل متكامل للمفوضية والمرسوم الجمهوري رقم (19) لعام 2013م ولم يحد من عمل المفوضية سوى التمويل كما أسلفت.
< ما هو العائق الرئيس للتمويل؟
>  أسباب لا نعلمها بما ان المفوضية منذ البداية ليس لها مصدر دخل من أي نوع ودون سابق إنذار أو حتى إخطار رسمي قامت وزارة المالية الاتحادية بقفل حساب المفوضية، ومن جانبي قمت بإخطار رئيس السلطة الانتقالية بواسطة خطاب موضحاً له ما حدث لكونه الجهة المنوط بها الأمر.
< د. عبد الحميد أخيراً كيف تنظر إلى الصراع الدائر الآن بدارفور وأخذه منحى آخر وما هي الحلول المناسبة له؟
> أولاً أود توضيح الآتي: الحرب الدائرة الآن في دارفور ليست السبب الذي انشأ السلطة الإقليمية بالتالي نجد أن الناس في دارفور استشعروا الظلم الاجتماعي والسلطوي الى آخره، بعضهم خرج يحارب السلطة من أجل الوصول لها، وكل الحركات التي تحارب الآن في دارفور فقط من أجل مصالحها وأجنداتها الخاصة وهي عبارة عن استقطابات قبائل وحروب فيما بينها للوصول للسلطة وأكل أموال الناس بالباطل. جميعهم متفلتون إضافة إلى تصفية الحسابات، فالسلطة الإقليمية جاءت من أجل الحد منه.