السلام الجمهوري التمبولي..د. كمال أبوسن

توقفت قبل عبور الطريق لأفسح المجال للعربة القادمة، التفت نحوي قائد العربة الذي توقف فجأة ورجع بسيارته إلى الخلف وسألني ـ الأخ دكتور أبو سن؟ كان يرتدي جلابية ناصعة البياض وعمامة أقرب إلى عمامة ترباس منها إلى عمة عامة الشعب، كان مربوع القامة فاتح اللون وبهي الطلعة، لم تفارق الابتسامة وجهه طيلة لقائي به، كانت تبدو عليه آثار النعمة والثراء، اسمه بهاء الدين ويلقب «بالدكتور» لديه محل تجارة عامة اسمه «محلات الدكتور» كنت حينها في طريقي لزيارة الأخ «أسامة داود عبد اللطيف» وطيلة زياراتي المتكررة للسودان خلال  السنوات العشر الأخيرة لم أحظ بلقائه.. «أسامة داود» أعطاه الله نعمة العقل الراجح قبل المال وأسس امبراطورية ذكية بوجه وتوجُّه معاصر لإدارة المال والأعمال امتدت من قاعات الدرس والمدارس العصرية مروراً بمطاحن الغلال ومشتقاتها والمياه الغازية.. شملت امبراطوريته الجانب الرياضي فأنشأ ميادين القولف بمواصفات أوربية.
وكان مصدر دهشتي وإعجابي امتداد هذه الامبراطورية إلى استيراد الدواء السويسري الخاص بزراعة الكلى كبديل للدواء الهندي سيء السمعة.. وكان مصدر زيارتي لأسامة هي إمبراطورية «دال» لاستيراد وبيع السيارات عساه يشفع لي بامتلاك سيارة بالتقسيط المريح إذ لم يفتح الله لي بامتلاك سيارة خاصة طيلة عقد من الزمان. لم أجد الأستاذ أسامة في مكتبه ولكن سكرتيرته فتحت لي قلبها كما فتحت لي جدول أعماله المزدحم بالزيارات والاجتماعات الميدانية لامبراطوريته الغنية وحينها تيقنت أن لقائي به أقرب للمستحيل وعليه، امتلاكي لسيارة هو المستحيل بعينه.
أخبرت الدكتور بهاء الدين بالقصة آنفة الذكر وتفاعل الرجل معي بكرم أخلاق فُطر عليه، وأخذني إلى وكيل سيارات الهوندا على الفور؛ لأن مديرها صديق شخصي له، وللأسف لم نلتقه فقد كان مسافراً خارج الوطن ولكن كنت محظوظاً في التعرف على بهاء الدين وأخبرته أنني مسافر غداً إلى مهجري فلم يرضَ بوداعي من غير إعطاء وعد له بتناول الغداء في بيته العامر عند عودتي للوطن، وكان الوعد بيننا مؤكداً.. لم تكن عزومة مراكبية لأن «بهاء الدين» كان يتابع تحركاتي واتصل بي عند عودتي مباشرة، وحللت ضيفاً على مائدة عامرة دعا لها إخوة أفاضل وأغرقني بكرمه الفياض، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل حلف بالطلاق أن أحضر له ثانية وثالثة في خلال أسبوع، ورب أخ لك لم تلده أمك، تسرب حب هذا الرجل إلى داخلي وقام بترتيب زيارة إلى مسقط رأسه مدينة تمبول بأرض البطانة بعد مبادرة وتأكيد وإصرار من جانبي بإقامة عيادة مجانية لأهله بمستشفى تمبول، وتواصلت بعد ذلك مع الدكتور عباس مدير المستشفى للترتيب للعيادة وإقامة ندوة عن مرض الكلى.
وصل الركب إلى مدينة تمبول وغمروا وفادتنا بكرمهم الحاتمي منذ أن حللنا بديارهم العامرة.. والمدهش والمثير أنه تم تزيين فناء المستشفى وكانت في استقبالنا هنالك فرقة الفنون الشعبية التي تحمل السيوف وتلعب الصقرية على أنغام الطمبور الحالمة، وكان ذلك أشبه بالسلام الجمهوري على الطريقة التمبولية عاينت خلال الزيارة أكثر من «75» مريضاً ثم تلت العيادة المحاضرة وتوالت كلمات الشكر وأهدوني سيفاً كعنوان للمحبة وتعبيراً عن العرفان.. عدت إلى الخرطوم مزهواً بالهدية القيمة والتقتني ابنتي الصغيرة «لينا» وقالت لي بالحرف والدهشة بادية على وجهها.
Dad why did they give you such abig Knife
أي «لماذا أعطوك سكيناً كبيرة يا أبي» وقلت في نفسي وقتها «لعن الله الغربة والاغتراب».

ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
أحكام وشروط.