وقفات مع حال الأمة العربية: محمد التجاني عمر قش- الرياض

وصلت رسائل كثيرة إلى بريد «ومضات» في الأيام الماضية، تشيد في مجملها بهذا الجهد المتواضع وتشكر صحيفة «الإنتباهة» ـ صوت الأغلبية الصامتة ـ  على إتاحتها الفرصة لنا لطرح قضايا كردفان وتناولها على صفحاتها. وقد اخترت هذه الرسالة التي وصلتني من الابن غسان عيسى التجاني عن حال الأمة العربية في الوقت الراهن وهأنذا أضعها بين يدي القارئ الكريم و كلي ثقة بأنها ستجد الاستحسان لأنها قد خرجت «بومضات» ليس من حدود كردفان فحسب بل تعدت الشأن السوداني لتتناول هم الأمة العربية بأجمعها.
أستاذي الجليل/ محمد التجاني
لك التحية والاحترام وبعد:
 يطيب لي أن أبعث لعمودكم الأغر «ومضات» الذي ظل يبعث الومضة تلو الأخرى في نفوس أهالي كردفان خاصة شمالها لما يتناوله من قضايا تهم مواطني تلك المنطقة التي طالها النسيان وأصابتهم وعثاء العيش والعنت لأنهم حُرموا من معظم الحقوق التي يكفلها لهم الشرع والدستور وصاروا فريسة للجوع والمرض والجهل ومع ذلك ظلوا صابرين لكبريائهم وعزة نفوسهم حتى صار الوضع فوق ما يتحملون.
    إن بعض اللحظات تترك في النفس أثراً عميقاً؛ ومن تلك أحداث فيلم شاهدته عن حياة الزعيمين عبد الناصر والسادات وكلاهما يعد بطلاً من أبطال الأمة العربية. فقد كان همهما هو توحيد الأمة حتى تصبح كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقد بذلا جهداً مقدراً في سبيل النهوض بها ورفعتها وتقدمها وعدم رضوخها لدول الظلم والعدوان وإنّ كل ما نراه اليوم من تشرذم الأمة العربية وتفرقها إنما هو ناتج عن عدم وجود زعامة مثلهما ولذلك أصبحت الأمة تعاني من الظلم والتعدي على حرماتها.
     لقد شدت انتباهي قصة حياة البطلين منذ اجتماعهما معاً من خلال حركة الضباط الأحرار الذين لم يكن لهم همّ سوى همّ الشعب والأمة. وقد مروا بكثير من المضايقات في سبيل قضيتهم الوطنية حيث فصل السادات من الخدمة العسكرية بسبب اهتمامه بالعمل السياسي ليس من أجل جاه أو منصب وإنما من أجل قضية كانت تشغل كل الأمة ولم يستسلم لليأس بل ظل يعمل بكل جد ومثابرة ليكسب قوة أسرته ومن خلال ذلك يخدم شعبه وأمته. وفي المقابل كان عبد الناصر يواصل إقناع الضباط حتى تحقق لهم ما يريدون. ولكنهم واجهوا صنوفاً من العداء والتحدي من دولة الكيان الصهيوني ومن حالفها من أعداء الأمة؛ وأكثر ما نال إعجابي الموقف الشجاع للرئيس عبد الناصر الذي قدم استقالته وأقر بمسؤوليته عن كل ما حدث في نكسة 1967 ولكن كانت الكلمة العليا في ذلك الموقف للشعب الذي رفض الاستقاله لعلمه بما قدمه ذلك البطل من تضحيات خدمةً للأمة وقضيتها. وشتان ما بين الأمس واليوم حيث فقدت الأمة العربية الزعامة التي من شأنها أن توحد الأمة في هذا الزمن المملوخ؟
و لقد استوقفني مشهد يحكي عن عبور الجيش المصري لقناة السويس ودحره للأعداء في بداية حرب 1973 مروراً بسيرة الرئيس السادات حتى مرحلة السلام الذي طلبه الأعداء بكل انكسار، إلى ذهابه إلى دولة الكيان الصهيوني وما سبق تلك المرحلة من توقيع لاتفاقية كامب ديفيد؛ وقد كان الزعماء العرب ما بين مصدق ومكذب ولكن بطولة السادات جعلته يسير في الدرب حتى نهايته، فخاطب أعضاء الكنيست الإسرائيلي في عقر دارهم وهو في تلك الحال لم يكن يخشى إلا الله فهددهم وتوعدهم إن هم نكصوا بوعدهم وأن روحه ستكون فداءً للأمة العربية التي لن يدخر شيئاً في سبيل رفعتها ودفع الذل والظلم عنها.
    تركت تلك المشاهد أثراً في نفسي خاصة خطاب الرئيس عبد الناصر الذي قال فيه مخاطباً شعبه «إن السلطة هي للشعب وحياتنا كلها للشعب ومن أجل الشعب ونحن ذاهبون والباقي هو الشعب». ولعمري إنها لكلمات و مواقف صرنا نفتقدها اليوم في كل أنحاء البلاد العربية بسبب ما آل إليه حالها من تفتت  وشقاق وعدم اعتصام بحبل الله المتين حيث أصبح هم الزعماء الأول والأخير هو السلطة والمحافظة على الكراسي دون التفات لمشكلات الشعب ومعاناته ولذلك أصبحت الشعوب تعاني الأمرين وكانت نتيجة ذلك كله ما بات يعرف بثورات الربيع العربي التي أطاحت أعتى الرؤساء العرب الذين عاثوا في بلدانهم فساداً ونهبوا خيراتها وأذلوا الشعوب. إن الأمة العربية اليوم بحاجة لبطل مثل صلاح الدين الأيوبي وغيره من الأبطال والزعماء الذين كرسوا كل حياتهم ليعيدوا للأمة سالف مجدها وعزتها التي سلبها الأعداء الذين تكالبوا عليها من كل حدب وصوب فصار حالها لا يسر إلا عدواً بعد أن كان لها القدح المعلى في كثير من الميادين.
   الآن أمنّي نفسي بأن تجتمع كلمة الأمة العربية بعد هذا التفرق والشتات وتنهض بشعوبها آخذة بأسباب الحضارة والمدنية، وأنا وجيلي وكل من له غيره نتمنى النهضة والوحدة لهذه الأمة مهيضة الجناح حتى يستقيم أمرها ويستتب أمنها وتستقر أحوالها سعياً نحو الوحدة الكاملة حتى تقف أمام التحديات و ما يحاك ضدها من مكائد ومؤامرات، وتكون يداً واحدة على من سواها.. يعلم الله كم يعتصرني الألم وأنا أخط هذه الكلمات نظراً لما آل إليه حال هذه الأمة العظيمة وهانت على الناس حيث لا يوجد كيان واحد يجمع العرب سوى الجامعة العربية التي أتمنى أن تكون جامعة بمعنى الكلمة حتى تخدم الأغراض القومية التي أُنشئت من أجلها وتعمل على لمّ شمل الأمة لتحافظ على مكتسباتها التي ضحّى من أجلها كثير من الأبطال بحياتهم.
أ/غسان عيسى التجاني عمر قش- الخرطوم

ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
أحكام وشروط.