ما لم تقله الإستقالة!!..فضل الله رابح

على خلفية تأجيل موعد افتتاح مصنع سكر النيل الأبيض لعدم توفر نظام التشغيل (software) تقدم المهندس عبد الوهاب محمد عثمان وزير الصناعة باستقالته إلى رئيس الجمهورية متحملاً مسؤولية الحرج الذي سببه للدولة والشعب السوداني!!.
استقالة «عبد الوهاب» يمكن قراءتها من زوايا ومرجعيات عديدة بخلاف ما هو بائن، «الشعور بالإخفاق في التكليف»، واعتبار التأجيل تقصيرًا لم يتحمله ضميره ففضل أن يفسح المجال لخلف آخر ربما يستطيع أن يدفع بالأمر.. هذه «الاستقالة» صدرت عن رجل هو من أكثر «عناصر» الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني التزاماً وتحملاً للمسؤولية وهو ليس من النوع الذي يقفز من السفينة أو يعمد إلى إحراج حزبه ونظامه الذي يؤمن بفكره، «عبد الوهاب» يدرك أن بلادنا ما عادت تحتمل الحرج أو الجرح لذا ربما قصد بالاستقالة لفت النظر لقضايا ومهددات قادمة ولربما فشل في أن يبلغ محاذيره بتلك الأساليب الروتينية خاصة إذا نظرنا إلى أنه يشغل أهم وزارة تمثل وزارة البترول الحقيقي بعد الانفصال!!.
منهج الاستقالة في حد ذاته خطوة طبيعية ظل العالم يمارسها بلا حرج لكن في السودان عندنا غريبة لا يُقدم عليها الشخص إلا وهو مكره «إقالة»، لكن الحسرة إذا فقدنا وزيرًا زاهدًا ومتجردًا مثل «عبد الوهاب»، رجل مفخرة بخلاف الكنكشة والتكالب على المنصب الذي أصبح سمة للبعض من دون الالتزام بمستحقات هذا الموقع!!.
«عبد الوهاب» أحسب أنه لفت النظر لما هو أخطر، أن يؤسس مصنعًا للسكر يعتبر الأكبر عالمياً من حيث المساحة بكلفة مالية بلغت «مليار ومئة مليون دولار» ويتم التعاقد مع شركة هندية لشراء طواحين ومستلزمات المصنع وفجأة يكتشف الجميع أن تتعاقد الشركة الهندية بالباطن مع شركة كونفردين الإسكتلندية لتقوم بشراء وترحيل الطواحين الـ «6» وبعد شهرين من شحن الطواحين يكتشف الجميع أيضاً المفاجأة الكبرى أن شركة كونفردين تم بيعها وأصبحت مملوكة إلى شركة جنرال موتورس الأمريكية وهي التي قامت بشحن «الماكينات» واحتفظت بنظام التشغيل، وكان المأمول أنه بمجرد وصول الطواحين يأتي معها الـ (soft ware).. هذا الأمر فيه تخريب واضح للاقتصاد الوطني ويتحتم على لجنة التحقيق كشف عناصره ولا بد من وجود مهندسين كبار ضالعين في الكارثة كما أن شركة سكر كنانة وهي الجهة الاستشارية يجب أن يشملها التحقيق لمعرفة دواعي وأسباب هذه الكارثة التي لا يمكن أن توصف بأنها حرج فقط، ثم ما هي الخطوة المقبلة؟ هل سننتظر الشركة الأمريكية لتأتي بنظام التشغيل الجديد الذي يتوقع أن يكون مضروباً بفايرس يقضي على كل الجهود!!.لا أعتقد أن هناك حاجة للنظام الأمريكي المتآمر على بلادنا بعد اليوم.. على الدولة أن تقوم بتدمير كل هذا النظام وعمل نظام تشغيل جديد يحمي بلادنا واقتصادنا!!.
رب ضارة نافعة فإن التباطؤ الذي صاحب وصول نظام التشغيل ربما أنقذ بلادنا من كارثة أمريكية تحل على اقتصادنا وقد أتاحت الفرصة إلى استقالة «عبد الوهاب» التي كانت سانحة يرسل عبرها مؤشرات مهمة خاصة أن الرجل عرف بالرأي السديد والقراءة المستقبلية للأوضاع وهو من حراس النظام والمؤمنين بفكره ومرجعياته، فقد جاءت رسائل عبد الوهاب للدولة في اتجاه أن الفترة المقبلة ستشهد توقف مصانع السكر بغرض الصيانة وكل التوقعات تشير إلى فجوة قادمة في السكر وهو الأمر الذي إذا حدث سوف تترتب عليه مشكلات، ومن هنا لا بد لوزارة المالية وبنك السودان من فتح عينهما ووضع معالجات مبكرة وفتح اعتمادات مالية لاستيراد سكر يغطي الحاجة، ومعروف عندنا في السودان التباطؤ في المعالجات ولم يعرف عنّا العمل الاستباقي الحذر!!.
الحكومة اختطت نظامًا ومعالجات سمّتها البرنامج الثلاثي لمعالجة الأوضاع الاقتصادية، وقد كونت له لجنة التكامل الزراعي الحيواني والصناعي، هذه اللجنة اليوم نائمة ومسترخية وبحاجة إلى تنشيط لتفعيل التكامل بين هذه الآليات، ولا بد من تعاون بنك السودان ووزارة المالية من خلال الاستعداد لهذه الفجوات التي لا تقف عند السكر فربما تشمل القمح والزيوت والأدوية ولكل من هذه ضرورة وأهمية، وإذا حدث فسيكون مشكلة.. لا بد من واردات تعلي من هذه السلع وتعمل قيمة مضافة إلى الصناعات المحلية وميزان الدولة الاقتصادي..
انظر عزيزي القارئ كيف يكون المجال إذا دخلت «150» ألف طن ضمن إنتاج مصنع سكر النيل الأبيض وهو حجم الإنتاجية السنوية المتوقعة للمصنع الذي هو مكان الاستقالة، التي صدرت عن رجل خرج بولاية الخرطوم إلى مصاف العواصم العالمية، كان المنتظر منه أن يخرج بهذه الصناعة إلى مصاف العالمية لكن بمثل هذه المعضلات والعثرات ستعطل مواردنا وتعرقل اقتصادنا، شكراً «عبد الوهاب» وأنت تستقيل لتلفت نظر الجميع إلى المخاطر، وشكراً عميقاً لرئيس الجمهورية الذي رفض الاستقالة، وشكراً ثانياً «عبد الوهاب» وأنت تنفذ قرار وتوجيه «الرئيس» بسحب الاستقالة وحضور جلسة مجلس الوزراء الطارئة التي عُقدت يوم الأربعاء بدلاً من اليوم الراتب لها «الخميس»، لكن الأهم من هذا كله كشف وضبط الشخصيات وراء صفقات وتضليل الشركات التي نعتبرها متلاعبة باقتصادنا وأمننا القومي لأن الصمت على كل هذه التجاوزات وعدم كشفها إلا بعد الاستقالة هذه مكان استفهامات لا سيما أن هناك استعجالاً مستمرًا من شركة سكر النيل الأبيض بإعلان موعد الافتتاح والإعلام والإعلان المصاحب رغم إدراكهم بالعقبات الفنية، لا أدري ما هي مؤشرات هذا الاستعجال رغم أن التسريبات تؤكد أن مهندساً مرموقاً على علم تام بهذه النتيجة المخيبة والصفقة المريبة.. أخيراً نقول إن هذه الفوضى وراءها عمل مخابراتي يعد اختراقًا للنظام الاقتصادي في السودان!!.

ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
أحكام وشروط.