اللعب على المكشوف..فهمي هويدي

قل ما شئت في مهرجان الترشح لرئاسة مصر، لكنك لا تستطيع أن تنكر أمرين:
الأول أن الرئاسة لم تعد قدرًا مكتوباً لصالح أحد بذاته أو أسرة بعينها. وإنما صار بوسع أي أحد يتوسّم في نفسه جدارة أو استعدادًا لتبؤ المنصب أن يتقدّم إلى الحلبة ويجرب حظه.
كما أن بوسع أي جماعة من الناس لديها رسالة أو مشروع أياً كان أن تشكل حزباً وتدفع بمرشح لها ليخوض غمار المنافسة.
الأمر الثاني: أننا لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن لم يعد بمقدورنا أن نعرف من يكون الرئيس القادم، الأمر الذي فتح الأبواب واسعة لمناقشات وتخمينات لا حدود لها حول حظوظ ومناقب وخلفيات كل مرشح.
ولأن التجربة جديدة علينا، ومن ثم ليست لدينا معرفة كافية بخرائط التصويت وحظوظ وأوزان التيارات والقوى السياسية المختلفة في المجتمع المصري، فإن باب الاجتهاد في الموضوع يظل مفتوحاً على مصراعيه.
صحيح أن نتائج الانتخابات التشريعية أعطت بعض المؤشرات الأولية إلا أن وضع الانتخابات الرئاسية مختلف، لأن التصويت سيكون لشخص واحد، الأمر الذي يحتمل اختلاف الموقف إزاءه داخل التيار الواحد، حيث بدا حتى الآن أن هناك تبايناً في الرأي داخل جماعة الإخوان المسلمين ولدى السلفيين والليبراليين،
 ثم إنه ليس بمقدورنا أن نعرف شيئاً عن مواقف الأغلبية الصامتة التي هي خارج تلك التصنيفات.
لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن أجواء المهرجان المفتوح سمحت بإثارة لغط ليس مألوفاً عندنا بخصوص مواقف بعض الدول الخليجية، التي لم ترحب أغلبها بثورة 25 يناير، وانحياز أولئك البعض لصالح هذا المرشح أو ذاك.
الأمر الذي فسّر به نفر من أهل النميمة قوة الحملات الدعائية لدى البعض، حتى إن أحدهم تعاقد على حملة تلفزيونية لصالحه بما قيمته عشرة ملايين جنيه،
 حدث ذلك في حين اتصل بي مدير حملة مرشح آخر شاكياً من نفاد مواردهم ومستفسرًا عما إذا كانت لدى أي مقترحات لتنظيم حملة تبرعات أهلية لصالحه.
من المفارقات أن حركة الإخوان التي ظل يقال طوال السنوات الماضية أنها تتلقى دعماً خليجياً، أصبحت تحارب في الانتخابات من جانب بعض دوله، عن طريق دعم المنافسين المناوئين لمرشحيها.
حتى إن الجماعة حين أرادت أن تبعث بوفد باسمها لتقديم واجب العزاء في وفاة واحد من أركان إحدى الأسر الخليجية الحاكمة، فإن الطلب الذي قدمته للحصول على تأشيرة الدخول قوبل بالرفض، حيث أرادت الدولة المعنية أن تبعد عن نفسها «شبهة» مساندة الإخوان أو مجاملتهم حتى في مناسبة من هذا القبيل.
هذه الأجواء في مجملها، الإيجابي فيها والسلبي، ما كنا لنشهدها لولا أجواء الحرية ونسمات الديمقراطية التي هبّت على مصر بعد الثورة.
وقد ظهر عنصر جديد في المشهد الديمقراطي خلال الأسابيع الأخيرة، حيث وجدنا اللعب في الساحة السياسية من جانب القوى الداخلية على الأقل يمارس «على المكشوف» كما يقولون،إذ لم يتردد أحد المرشحين للرئاسة في أن يقول إن مبارك مثله الأعلى، وبعد ذلك بأيام قليلة وجدنا نائب مبارك يقفز إلى الواجهة وفوجئنا به يترشح لرئاسة الجمهورية، وبعدما لاحظنا أن الرجل تمنع في البداية ثم أقدم على الترشح في النهاية، ووجدنا أن وراءه من جمع لصالحه آلاف التوكيلات ومن رتب له حملة الدعاية وأغرق البلد بالملصقات، أدركنا أن «الفلول» رتبوا صفوفهم وأسقطوا الأقنعة من على وجوههم، ولم يجدوا غضاضة من دخول الحلبة ومقارعة الجميع في انتخابات رئاسة الجمهورية.
الإخوان بدورهم دخلوا الساحة «بالعرض» كما يقولون، ورأينا في أدائهم وحرصهم على الحضور ما لم نره من قبل، الأمر الذي سلّط الأضواء على أولوياتهم ورؤيتهم الإستراتيجية، كذلك فعل السلفيون الذين علا صوتهم في الساحة ورأينا ملصقات بعضهم تتحدث عن حلم الخلافة الإسلامية، الليبراليون والعلمانيون رأيناهم أيضاً وهم يحشدون الصفوف ويصطفون مع الأزهر والكنيسة للتصدي للإخوان والسلفيين، بل إن الفوضويين الذين ارتأوا أنه من الضروري أن يقلب كل شيء رأساً على عقب، علا صوتهم أيضاً ولم يخفوا شيئاً في صدورهم.
في هذه الأجواء رأينا المجلس العسكري وقد تراجع إلى الظل بصورة نسبية، وأعطى انطباعاً بأنه على مسافة واحدة من الجميع.
وإن كنت أظن أن الأمر ليس كذلك بالضبط، ولست واثقاً من صحة الشائعات التي تتحدث عن تباينات في مواقف أعضائه، لكن المؤكد أن المجلس مسرور لما يشاهد،
على الأقل لأن المتعاركين انصرفوا عنه وحولوا مسار التراشق نحو بعضهم البعض، الأمر الذي سمح له بالتحرك في هدوء دون أن يلحظه أحد.
أن نمارس فنخطئ ونصيب، لكي نتعلم وننضج سياسياً، أفضل ألف مرة من أن نقف متفرجين طول الوقت، ونتحول إلى قطيع في عالم الأمم وأطفال رضع في عالم السياسة.

ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
أحكام وشروط.