مع رجل حاول إطاحة والي القضارف

> حاوره: أسامة عبد الماجد

على الرغم من أن احتلال هجليج غطّى على كل الأحداث بالمشهد السياسي إلا أن حالة والي القضارف كرم الله عباس تستحق الوقوف عندها وتشريحها.. ولعل عضو تشريعي القضارف والقيادي بوطني الولاية أبوبكر دُج هو أنسب شخص نتناول معه شأن القضارف لجهة كونه طرح مسألة حجب الثقة عن كرم الله.. دُج قال الكثير المثير في هذا الحوار، والرجل من المجاهدين ومن القيادات السياسية بالقضارف، شغل عدة مناصب تنظيمية وتنفيذية بالقضارف منها أمين سياسي للوطني، أمين التنظيم، معتمد رئاسة، مفوض الإحصاء بدرجة معتمد، معتمد محلية الفشقة، رئيس لجنة بتشريعي القضارف، والآن عضو بالمجلس التشريعي بالولاية.

> من أين نبعت فكرة سحب الثقة عن والي القضارف؟
< سحب الثقة حق بالنسبة لعضو المجلس وحق دستوري وارد في دستور السودان ودستور ولاية القضارف، والحيثيات عديدة، دارت في الولاية، وممارسات سياسية وتنفيذية خاطئة يقودها والي الولاية قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، جاءت هذه الفكرة للتقدم بمذكرة للمجلس التشريعي كفيلة بسحب الثقة عن الوالي احتوت على «18» مسألة تعتبره غير مؤهل لقيادة الولاية في المرحلة القادمة.
> ما هي أهم دوافعك؟
< أبرزها الشريط الحدودي مع إثيوبيا، ومحاولة إذكاء نار الفتنة بيننا والجارة إثيوبيا بحجة الدفاع عن المواطنين والرعاة، وجاءت كخطوة غير مدروسة أدت لتبادل إطلاق النار في المنطقة وحرق بعض القرى، وكذلك اختلافه الواضح مع القيادة العسكرية الموجودة هناك والتي رفضت الدخول في هذه المشكلة وأبانت أن هذا الأمر يقع في دائرة اختصاصها، مثل هذه التصرفات قد تؤدي لإشعال نار الفتنة بيننا والجارة إثيوبيا، والمعروف أن هناك اتفاقيات دولية وأعرافًا ولجانًا اتحادية تعمل في ترسيم الحدود بين البلدين وإزالة المشكلات العالقة، ونعلم أن هذه المنطقة كانت منطقة انفتاح لحركات مسلحة استغلتنا للهجوم على أراضينا، والحمد لله الآن تشهد العلاقات مع إثيوبيا تطوراً كبيراً في كافة المناحي ولا نريد لهذه العلاقة أن تتراجع بفعل هذه الممارسات غير المحسوبة وغير المدروسة.
ثانياً: قرار تحويل أمانة الحكومة إلى مستشفى وإنشاء مكاتب جديدة عبارة عن «قطاطي» في بيت الوالي، هذا القرار قد يؤدي إلى المساس بالمستندات الحكومية الهامة التي تخص الوالي والتي هي الآن في غير مأمن إذ قد تُحرق بالنار أو الاستيلاء عليها بكل يسر وقد يؤدي ضياعها وعدم وضعها في حرز أمين.
ثالثاً: اعتراف الوالي بفشله في أداء مهمته أكثر من مرة وعبّر عن عدم قدرته على تقديم أي خدمة للمواطن، وأراد تحميل ذلك للحكومة الاتحادية ممثلة في وزير المالية بهجوم لا يليق برجل دولة ووصفه بالجهوي والعنصري وأخيراً بتبديد أموال الدولة وهذا لا يتسق مع المبادئ الأساسية التي تحكم العلاقات ما بين الأفراد والمؤسسات.
أضف إلى ذلك تصريحه بعدم الاعتراف بالقيادة الاتحادية ممثلة في رئيس الجمهورية ومساعد رئيس الجمهورية وأنه لا فرق بينهما وبينه. في حين أن آخر ميزانية للولاية أشارت إلى أن الحكومة الاتحادية دفعت مستحقات ولاية القضارف بأكثر من «100%» مما حدا بنا نحن في المجلس التشريعي أن نشيد بأداء وزير المالية السابق بالولاية لجهوده الكبيرة لجلب كل مستحقات الولاية من المركز.
وكذلك دعم المركز الآن للولاية بمائتي مليون دولار للزراعة من أجل الصادر وكذلك «15» مليون دولار لحصاد المياه مع تواصل المشروعات الكبيرة وفق خطة الولاية من صندوق إعمار وتنمية شرق السودان.
وكذلك العمل الكبير الذي يجري في سدي أعالي نهر عطبرة وستيت والمطار في منطقة الشوك هذه كلها مشروعات اتحادية يجري تنفيذها مما يدر على الولاية خيراً كثيراً.
> لكن الوالي تحدث عن حجب المركز لأموال خاصة بولايته؟
< أما الدعم المخصص وغير المخصص بالولايات هذا تقدره وزارة المالية نسبة للظرف الراهن ولخروج البترول من دائرة المنظومة الاقتصادية وهذا معلوم للجميع.
> ما رأيك في دعوة الوالي للتطبيع مع إسرائيل؟
< اعترافه بإسرائيل يتعارض مع القضية المركزية للأمة الإسلامية في تحرير المقدسات الإسلامية وعلى رأسها القدس الشريف.
> لكن كرم الله قال إن القضية قضية فكرية؟
< هي ليست قضية فكرية بل محورية، بل تتعارض مع التوجه القومي مع الأمة الإسلامية وما أنزل في القرآن وهم الضالون والمغضوب عليهم وهم الذين لا عهد لهم ولا ميثاق وهم الذين يدعمون الآن دولة الجنوب بالأسلحة والمعدات والهجوم على مناطق البترول في هجليج لتخريب الاقتصاد السوداني ومحاولة تقسيم السودان إلى دويلات الله سبحانه وتعالى يقول «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم» والواو تفيد الاستمرارية.. ويقول «ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن إستطاعوا» هي قضية دينية فكرية تتطلب اليقظة والحذر في صراع الحضارات الماثل أمامنا الآن.
> أين مؤسسات المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من كل ما ذكرته عن الوالي؟
< هذا سؤال مهم جداً، نحن نعاني في الولاية من ضعف لمؤسسات المؤتمر الوطني خاصة في المكتب القيادي للحزب وأماناته، وهذا الذي أدى إلى انفراط عقد العضوية، ولا توجد سياسات وموجهات واضحة، ولهذا لا بد من ثورة حقيقية داخل الحزب تعيد له ما فقده من جراء السياسات الخاطئة التي انتهجها رئيسه في فترة العامين المنصرمين.
ولو كان الحزب متابعاً ومراقباً ومحيطاً بعضويته، ولو كانت مؤسساته تدار بعلم وشفافية وقوة لما حدث ما يحدث الآن في ولاية القضارف من الانفلات بدءًا برئيسه ونهاية بأصغر عضويته.
> لماذا لم تُسد له النصح؟
< نعم، كرم الله لا يقبل النصح ولا يقبل الشورى ويضيق ذرعاً بالمؤسسات.
> ما دليلك على ما ذكرت؟
< الدليل على ذلك هجومه السافر الأخير على الصحافة والصحافيين، وهذا ينم عن اعتداد بالرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر ومحاولة تكميم أفواه الصحافيين والصحافة مع العلم أنها السلطة الرابعة ومن حقهم وفق الدستور أن يمارسوا عملهم المهني بكل صدق وتجرد كعين للحكومة والمواطن.
> يقال إن دُج يصفي حساباته مع كرم الله؟
< ليست لدي تصفية حسابات مع الوالي، أنا الآن عضو مجلس تشريعي أديت القسم على أن أقوم بواجبي خير قيام، هذا منطلقي الذي أحاسب به أمام الله، وكذلك ما نحمله من هم لوحدة الحزب ومؤسساته وعدم تراجعه في الولاية.
هذا هو الدافع الأساسي بالنسبة لي كي أقول ما أراه مناسباً من أجل إنسان ولاية القضارف ومن أجل المؤتمر الوطني الذي أنتمي إليه فكرياً وسياسياً.
> يتردد أن سبب مهاجمتك له كونك محسوباً على تيار الوالي الأسبق الضو؟
< أما الحديث عن وجود أي تيارات أخرى أعمل لمصلحتها فهذا محض هراء وهذه ظنون نابعة من حسد الرجل للدكتور عبد الرحمن الخضر والي الولاية السابق.. وهذا الحسد وهذه الغيرة التي تتملك والي الولاية ظلت ملازمة له كظله حتى الآن.
محبة عبد الرحمن الخضر من أهل الولاية ناتجة عن تعامله الحضاري واحترامه لأهل الولاية كبيرهم وصغيرهم ويعتبر هو رائد التغيير الحقيقي في الولاية مما أحدثه من تنمية في كافة المحاور الخدمية والسياسية وظهر ذلك جلياً في أن الحزب في عهده كان قوياً ومتماسكاً وفاعلاً ومترابطاً وعملاقاً.
كذلك غيرته حتى من الفترة القصيرة التي قضاها الأخ الضو الذي قدم انجازات في مجال المياه والخرطة الموجهة في الولاية وغيرها من البنيات الأساسية، كذلك الرجل عنده عقدة عدم التعليم، وهذا هاجس كبير بالنسبة له ويصف نفسه تارة بالتربال وتارة بالبروف الصيني والمزارع وسابقوه كانت لهم من المعارف والإمكانات والدرجات العلمية ما يؤهلهم لقيادة الولاية قيادة ناضجة بعلم وتخطيط إستراتيجي، فنحن نعلم أن لا هؤلاء الذين ذهبوا ولا هو باقٍ في كرسي الحكم، أن نعمل لمصلحة هذا أو ذاك إنما لمصلحة أهلنا في الولاية وحزبنا وننفذ سياساته.
> أنت شخصياً متهم بأنك من المعوقين لمسيرة الحزب بالقضارف من خلال ما عُرف بتيار تصحيح المسار؟
< كان هناك تيار وكنت على رأسه، وكان معنيًا بتصحيح مسار الحزب وانضوى تحته كثيرون إيماناً منهم بحتمية إصلاح الحزب ولكن شُكلت لجنة برئاسة الأخ الحاج آدم رئيس القطاع السياسي ووضعت اتفاقاً بين الجانبين للإصلاح المؤسسي في الحزب وأمرتنا بالعمل داخل مؤسسات الحزب وهذا أمر تنظيمي قمنا بتنفيذه على الوجه الأكمل ومن ذلك اليوم لم يجتمع تيار أو غيره.
والمعلوم في المؤتمر الوطني أن المستوى الأعلى يسود على المستوى الأدنى وهذا ما نحترمه ونقدره، والكرة الآن في إصلاح الحزب بالولاية في ملعب الحزب على المستوى الاتحادي.
> لماذا لم تقدم النصح للوالي شفاهة وبشكل خاص؟
< استطاع الوالي إقصاءنا من المكتب القيادي دون وجه حق، وهذه مؤسسة يمكن التعبير من خلالها، مع العلم أننا منتخبون من داخل الشورى.
ولكن نقدم النصح ما أمكن في اجتماعات شورى الحزب وداخل المجلس التشريعي وفي اللقاءات العابرة التي تجمع بيننا أحياناً وأنا زرته في بيته ونصحته بخطورة قراره.
> أي قرار تحديداً؟
< قرار تحويل أمانة الحكومة إلى مستشفى.
> بماذا أجابك؟
< قال لي هذا قراري ولن أتراجع عنه أبداً.
> هل كان كرم الله على علم بخطوتك بشأن سحب الثقة؟
< بالنسبة لجلسة سحب الثقة وردت كثير من الأخطاء في الصحف وأجهزة الإعلام، أنا دخلت الجلسة الساعة الثانية ظهراً وفوجئت بطرح هذا الأمر وكان من المتفق عليه بيني وبين الرئيس في الجلسة السابقة أن أتقدم إليه بمذكرة ومن بعد تُعرض على المجلس، وعندما طلب مني أن أتقدم بهذا الأمر قلت له إنك تفاجئني بذلك، وكانت أمامي مذكرة غير منقحة تلوتها على الإخوة النواب.
وأريد أن ألفت أن المجلس في هذه الجلسة غيابه كان أكثر من «18» عضوًا وهذه علامة استفهام وهذه رسالة قوية للوالي لأننا لم نتحدث إليهم ولم يكونوا على علم بالإجراءات التي ستتم. أضف إلى ذلك الستة الذين امتنعوا قال بعضهم فيها شيء من الاستعجال وكان رجاؤهم أن يُدار حوار حولها وحتى تدخل أجندة المجلس لأنها قرار كبير.. الذين صوتوا للقرار عشرون فقط.
> وهل كانت الخطوة ستنجح؟
< توجد كل الاحتمالات وكل شيء وارد.. لكنها رسالة قوية بغياب «18» و«6» امتنعوا واثنين صوتوا لصالح القرار.
> هل ستعيد الكرة مرة أخرى؟
< في المرة القادمة ستكون بدراسة وبثقة في أعضاء المجلس إذا استمر الوالي على ما هو عليه.
قبل طرح الثقة.. طلبت من الأخ رئيس المجلس أن تكون هناك جلسة استماع من قائد المنطقة ومديرى الأمن والشرطة حتى يتبين الإعفاء إن كان هناك خطورة في الأمر وهذه كعادة البرلمانات في كل العالم ولكني لم أوفق مع الأخ الرئيس في هذا الأمر حيث رفض مقترحي رغم أني لاحقته ثلاثة مرات.
> ألا تخشى الفصل من الحزب؟
< لا يستطيع الوالي أو غيره فصلي عن الحزب، أنا عضو أصيل فيه وأمينه التنظيمي لدورتين وأمينه السياسي لدورة وأمينه المالي لدورة وعضو في كل مؤسساته، وأنا ألتزم بنصوص النظام الأساسي وأعرفه جيداً وأدرسه في محاضرات، فالعضو في الوطني لا يُفصل إلا بموته أو استقالته أو انتمائه لحزب آخر أو فقدانه للأهلية.
> ما تعليقك على اتهامات كرم الله لقيادات بالوطني بممارسة الفاحشة؟
< المرء مخبوء تحت لسانه، هذه واحدة من خطاباته السالبة، ومن المسائل غير الجيدة.. الله سبحانه وتعالى نهى عن هذا الأمر وهو مرفوض شرعاً وعقلاً لكن أهل الولاية ترفعوا عن مثل هذه الأحاديث والأقاويل.
المؤتمر الوطني معافى في قياداته ورموزه نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم عفيفي اللسان وكريمي الأخلاق..
الأمر لله واضح تبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة وتصبحوا على ما فعلتم نادمين ونحن حزب تربى على هذه العقيدة ولا يمكن أن يجارى.
> ألا تعتقد بأنك فتحت الباب لآخرين بالولايات ليحذو حذوك.. أقلها التقليل من هيبة الوالي إن لم يكن إطاحته؟
< أنا متابع كسياسي هناك ولاة على مستوى من الكفاءة والاقتدار ولا يوجب ولا يستدعى المجال أن تدخل مثل ما دخلنا فيه لأن الوضعية لدينا وضعية نشاز.. نسأل الله أن يوفق الولاة الآخرين في عملهم وأن يلتزموا الشورى والمؤسسات وهذا ما نشاهده ونلمسه.
> بماذا تفسر صمت المركز تجاه أقوال وأفعال كرم الله؟
< نسبة للفشل الذريع الذي انتاب الولاية في إحداث أي تغيير على مستوى البنيات التحتية أو دفع عجلة التنمية إلى الأمام، وضع كرم الله هذا الأمر كذريعة أو «شماعة فشل» والمركز واعٍ لهذه المصيدة.
> بمعنى أن كرم الله يريد المركز؟
< يريد أن يجره إلى اتخاذ إجراءات ضده حتى يوصل رسالة لأهل الولاية أن المركز سبب فشلهم ليس لعدم مقدرته لكن هيهات هيهات.
> لكن صمت المركز ألا يُضعف هيبته؟
< هذه المسألة في اعتقادي الآن أهل الولاية جميعهم توصلوا إلى نتيجة مفادها بأن الرجل أصبح عاجزاً عن القيام بدوره.. وأصبحوا غير عابئين بما يقوله عن المركز لأنه معوق أساسي لهم، وأصبحت هذه الدعوة مردودة عليه. وبالتالي على المركز بعد ذلك أن يتخذ من الإجراءات الكفيلة بحفظ هيبة الدولة ورموزها وقيادتها وهم قادرون على ذلك.
> ما هي الإجراءات التي يمكن اتخاذها؟
< المركز قادر عبر مؤسساته التنظيمية ـ الحزب عبر المكتب القيادي عبر المجلس التشريعي بالولاية، ولكن إن اتخذ قرارًا تنظيميًا أوكد التزام عضويتنا بكل ما يرد إليها من قرارات وموجهات مركزية.
> ألم تسع للقاء قيادات المركز بشأن كرم الله؟
ـ أنا سأسعى إن شاء الله للعب دور كبير داخل المؤسسة السياسية والتشريعية والتنظيمية على مستوى الولاية.. المستوى الاتحادي هذا شأن يخصهم لا دخل لي فيه.
> ألا تخشى على حياتك؟
< لا.
> لماذا؟
< طبع الشعب السوداني نحن مختلفون سياسياً، والحمد لله ما زلنا معافين من مثل هذه الأشياء، ونختلف داخل قبة البرلمان ونخرج إخوانًا متواصلين اجتماعياً وإنسانياً، وما يربطنا اجتماعياً وإنسانياً أكبر من أي اختلاف. وأهل الولاية معروفون بهذا التواصل الأسري الحميم فيما بينهم.

ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
أحكام وشروط.