الإمام الخميني.. شاعراً!!:

قرأتُ باهتمام بالغ ما خطه «قلم الأخ الأستاذ عبد المحمود نور الدائم الكرنكي حول الخميني بعنوان: «إمام الثائرين.. لفراقه.. يبكي البلبل وتنتحب الوردة».. ولعلي أختلف معه في بعض ما جاء في مقاله.. قلّ أو كثر ذلك الاختلاف..
ولكنه وجّه اهتمامي إلى الخميني الشاعر.. وهي مساحة يجوز أن يجد المختلفون فكرياً فيها بعض الأشياء المشتركة.. وهأنذا أحاول أن أعرض بعض إنتاج الخميني الشعري للقراء للفائدة والاطّلاع..
وأُرجيء الرد على ما جاء في مقال الأخ الكرنكي مما أختلف معه حوله في شخصية «الإمام» إلى مقال آخر:
وأقول إن للخميني ديوان شعر واحداً مطبوعاً لا أعرف له غيره وهو بدون عنوان ويُعرف فقط بأنه «ديوان الإمام الخميني» وهو من 272 صفحة وطُبع في مصر عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2003م والديوان مترجم من الفارسية.. وقام بالترجمة السيد محمد علاء الدين منصور.. أستاذ اللغات الشرقية كلية الآداب بجامعة القاهرة.. ولا يُعرف تاريخ كتابة أية قصيدة منه.. ولا في أي مرحلة من حياته. قال عنه مترجمه: «إن شعر الخميني كان «مجرد أداة لجلاء أفكاره العرفانية والصوفية بعد خلوته لشهود الله وذكره والتفكر في أسرار الكون التي شغلت وتشغل المفكرين من الفلاسفة» وذكر المترجم أن الخميني تأثر بالشعراء المتصوفين مثل حافظ الشيرازي «1326 ـ 1389» وذكر من مصطلحاتهم الخمر التي زعم أنها يراد بها «غليان الشوق فحين يغلب الشوق والوجد والحال سبب تجلي المحبوب الحقيقي أو «الله» وقد غلبت المحبة على قلب السالك فيفنى السالك ويغيب عنه الوعي.. قلت وهذه حجة قديمة قال بها كثير من أنصار التصوف لرفع الملام عن شعراء الصوفية ولنفي التهمة عنهم لبعدهم عن الأجواء القدسية التي يدعونها واعتبروا أن هذه العبارات المستنكرة من كثير من أهل الإيمان عبارة عن رموز وعلامات واصطلاحات صوفية يعرفونها ويتداولونها وأنها بعيدة كل البعد عن الماديات.
وهاكم بعضًا من نماذج شعره ليعلم صحة ما يقوله هؤلاء من عدم صحته.
يقول الإمام الشاعر:
أقبل رمضان.. هوى الخمرُ وتداعى المشروب..
حلّ العشق والطرب والخمر لأذان السحر..
أفطرني الدرويش نبيذاً..
قلت قد أورق صيامك وأثمر..
بالشراب توضأ..
ففي مذهب العابثين .. وفي حضرة الحق..
سينال عملك الحسنى..
والله.. إن لم أكن مريدك ماذا سأفعل؟
الكون.. يا روح.. رهين خصلة من شعرك ..
إن من أشد ما يلفت الأنظار والأسماع والانتباه مجموعة المفردات التي يستخدمها الإمام الشاعر في قصائده
ففي الخمر يستخدم هذه المفردات:
الحانة ـ الخمار ـ الخمر ـ الساقي ـ القدح ـ الكاس ـ الشراب والنبيذ
وفي مجال المرأة يستخدم مفردات:
الخصلة.. والشامة..  والشفة.. والوجه.. والجمال.. والهوى
يتعب الباحث في أشعار الخميني ليجد مقابلاً للمفردات التي وردت في قصائده على منهج الرمزية المزعوم.. مثلاً:
رمضان .. هوى الخمر.. وتداعى المشروب.. والعشق والطرب.. وآذان الفجر.. أفطرني الدرويش نبيذاً..
أورق صيامك وأثمر.. العابثين.. الوضوء بالشراب. حضرة الحق.. خصلة الشعر..
صعب جداً الابتعاد بهذه العبارات من سياقها المادي إلى سياق صوفي أو إلهي.. إن التكرار والإلحاح على النمط الشعري الواحد.. ليس في قصيدة بعينها.. بل في جملة كثيرة من القصائد.. لا يوحي ولا يدل على المنحى الرمزي بأي حال من الأحوال..
ومن أمثلة ذلك استخدام مفردة العشق والحب في أشعار الخميني
يقول الإمام العاشق الشاعر..
قلبي المجنون أسطورة العالم..
حول شمعة العشق احترقت فراشتي..
صغيرة المعشوق فخ لقلوب عشاقه..
شامته السوداء على الشفة بذرتي
صخب العشاق هو روحهم في بيتي..
زقاق الحانة البهي .. بيت صفاء العشق..
طاق ورواق وجهك مأواي ومنزلي..
صراخ الرعد نواح لاهب لقلبي..
بحر العشق قطرة سكرى..
حينما تآلف المشط مع زلف المعشوق..
غدا كتفي مسجدًا للقديسين كلهم..
كيف تجد الدلالة الرمزية في شامة الخد السوداء واللحن الإلهي أَوَللذات الإلهية شامة سوداء؟
وأي رمزية في الشفة؟
وهب أن كل ذلك كان رمزياً.. ما هو الداعي لكل هذا الإغراق في الرمزية حتى تجد نفسك مضطراً اضطراراً للعودة للواقع وإنزال هذه الإشارات والرموز على ما يقابلها من حقائق الذات والكون.. إن كان ثمة حقائق لها أصلاً؟ ثم لا تجد إلى ذلك سبيلا.
إن الإغراق في الرمزية إن صح ليس له حد في شعر الإمام العاشق.. فهو لا يكاد تخلومنه قصيدة.. بل ولا بيت من الشعر في أي قصيدة..
فمثلاً من مفرداته الرائجة.. كوز الحب .. لقاء الحبيب.. شفة الحبيب.. لحظة العطف.. محرم السر.. هوى الوصال.. محفل المحترقة قلوبهم. والذي نود أن نشير إليه أن شاعرية الشاعر لا يمكن أن تظهر في شعره المترجم.. ونقده لا يكون كاملاً إلا إذا انبنى على أصله الشعري الذي نطق به لسانه..
وأورد بعض محبيه تعليقاً على قصيدته مسك الختام وفيها يقول:
ألا ايها الساقي املأنْ  بالخمر كاسي..
فإنه يخلِّص من الخير والشر روحي..
إذا كانت هذه الخمر إلهية أو قدسية أو عشقية أو رمزية كما يقول أنصار هذا الشعر فكيف تخلص صاحبها من الخير والشر معاً؟ كيف تخلصه من الخير؟ وعن أي شيء يبحث إذا كانت تخلصه من الخير مثل الشر سواءً بسواء؟
وقال شارحوه إن الحانة هي مكان المناجاة والحب الإلهي.. والخمار هو الشيخ الكامل والمرشد الأول.. والساقي هو مصدر الفيض المطلق والفيض الأول.. والقدح والكاس هو قلب العارف الذي تتجلى فيه الأنوار.. والشراب هو الفيض الإلهي الذي يعين السالك في طريقه..
بقي عليهم أن يشرحوا لنا الشامة.. والشفة.. و الزلف والمشط.. وخصل الشعر.. والوجه الغماز.. وما هو رمضان وما هو وقت السحر ووقت الأذان..
على أن هناك أشعارًا للخميني تتعلق بأحوال غير الخمر والحب والعشق والنساء.. عنده شعر في السياسة وفي الجمهورية الإسلامية.. وهو خلو من الرمزية.. يقول:
جمهوريتنا الإسلامية خالدة..
والعدو يئس من حياته..
اليوم الذي يخلو فيه العالم من الظلم..
لنا ولكافة المظلومين عيد..
وفي قصيدة أخرى يقول:
جمهوريتنا دليل على الإسلام..
وأفكار طلاب الفتنة النجسة صبيانية
والشعب يتقدم في طريقه..
وصدّام قد ارتد كيده في نحره..
ويقول من قدم لها.. «وهي كما تبدو تشبه رباعيات الشاعر العظيم عمر الخيام..»
لا أظن الأمر كذلك رغم أن رباعيات الخيام ورباعيات الإمام كلاهما مترجمة.
ولنا عودة إلى مقال الأخ الكرنكي «تنتحب الوردة» بعد إذنه.

ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
أحكام وشروط.