(وما بدلوا تبديلا) الصدّيق إن شاء الله حسن السماني

قابلته قبل نحو عشر سنين بمدينة جدة التي كنتُ قد زرتُها في طريقي لأداء العمرة.. كان يجلس على كرسي متحرِّك فحكى لي والحسرة تملأ قلبه عن أشواقه للشهادة التي قال إنها قد تجاوزته بينما اصطفت ثلة من رفاق الجهاد في متحرك وعد المتقين بشرق الاستوائية من بينهم الشهيد الطبيب عوض عمر السماني والشهيدان مصطفى ميرغني مزمل وصلاح كبير.
تحسر أنه أُصيب بطلقات هشَّمت عظام الحوض وأقعدته عن الحركة ومنحته حياة قال إنها منقوصة لا تُتيح له مواصلة الجهاد الذي عشقه بينما حرمته من أمنيته الدائمة المتمثلة في شهادة يلقى بها ربَّه وينعم بصحبة رسوله الكريم وصحبه الأبرار وتذكَّر مجموعة من صحبه الذين سبقتهم بعض أجزاء جسمهم إلى الجنة وواصلوا ملحمة الجهاد حتى نالوا الشهادة منهم الشهيد الأمة معز عبادي ذلك الصحابي الذي يشبه شهداء أُحد.
قلتُ له مطمئناً: لكني أخالفك الرأي يا بني فإن كانت الشهادة قد تجاوزتك فإن هناك درجة أعظم من الشهادة هي مقام الصديقين الذي يعقب الرسل والأنبياء ويتقدم على الشهداء فو الله إني لا أراك وأنت تتقلب في رمضاء الصبر الجميل والبلاء العظيم بعد ذلك الجهاد الكبير.. لا أراك إلا صدِّيقاً. وأوصيتُه بالصبر حتى يبلغ تلك الدرجة التي تمنيتُها له.
بعد لقاء جدة تابعتُ من بعيد ابتلاءاته العظيمة والتي تذكِّر ببعض ما أصاب نبي الله أيوب وهو يقدِّم المثال الأعظم للصبر خاصة ما يتعلق بحياة حسن الاجتماعية المترعة بمعاني الثبات مما زاده يقيناً على يقين وأحدث نقلات أخرى في حياته الملأى بالدروس والعبر في الطريق الأحب نحو درجة الصديقية وأحسب أننا تداولنا مقولة الإمام ابن القيم وهو يستشف عبارته الذكية: (إن الصبر واليقين هما عمادا الإمامة في الدين) وذلك استنطاقًا للآية الكريمة: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون).
أخيراً ظفر بها وارتاح من معاناة السنين الطويلة التي بلغت 16 عاماً قضاها في كرب من الصبر الجميل عز أن يتصف به من هو في سنه.
رحم الله شهيدنا بل صدّيقنا إن شاء الله حسن السماني فقد رحل عن دنيانا وتركنا نتقلب في مستنقع السياسة الآسن بعجرها وبجرها وأخشى ما أخشاه أن يكون رحيلُه نذير شؤم على هذه البلاد التي تشهد فتناً كقطع الليل المظلم وهل تُحفظ البلاد إلا بدعاء الصالحين وبرحمة الله لهم وباستغفارهم؟.

سلفا كير وعودة الأمل

أحسستُ بسعادة غامرة حين قرأتُ عن تشكيل لجنة مشتركة بين السُّودان ودولة جنوب السُّودان لاسترداد أملاك السُّودانيين بالجنوب.. ذلك الحُلم الذي طال انتظارُه وبدأت بشائرُه الآن بعد القفزات الكبرى في العلاقة بين الدولتين جرّاء التحوُّل الكبير في المشهد السياسي الجنوبي عقب الإطاحة بخمائر العكننة من أولاد قرنق وأولاد أبيي الذين كانوا ولا يزالون ينطلقون من نظرة عدائية استعمارية تجاه السُّودان.
لطالما كتبنا وصرخنا أنَّ مشكلة العلاقة المأزومة بين الدولتين تتمثل وتتجسَّد في باقان ودينق ألور من جانب الجنوب ورفاقهم الشيوعيين من أنصار نظريَّة مشروع السُّودان الجديد في الشمال وأعني بهم عرمان وعبد العزيز الحلو وتابعَهم مالك عقار وكنا نعلم الخلاف الكبير بين أنصار ذلك المشروع الاستعماري من لدن قرنق وأولاده في الحركة الشعبيَّة وبين سلفا كير وغيره من الوطنيين الجنوبيين لكن سلفا كير لم يحسم أمرَه إلا مؤخراً بعد أن استيقن من حقيقة أنَّه لن يتمكَّن من حكم الجنوب والسير به في طريق النهضة والتقدم ما لم يُحسِّن أو يطبِّع العلاقة مع السُّودان الذي يمر من خلاله المورد الاقتصادي الأول والوحيد المتمثل في البترول، فكان أن اتَّخذ سلفا كير قراراته الجريئة التي مكَّنت من إحداث التحوُّل الكبير في العلاقة بين الدولتين.
لعلَّ القراء الكرام لاحظوا كم كنا صائبين ونحن نتحدَّث بصورة شبه يومية عن حجر العثرة والعقبة الكؤود التي تحُول دون انفراج العلاقة بين الدولتين ولعل سلفا كير نفسه أحس بعظمة الإنجاز الذي أحدثه بإقصاء باقان ومجموعة شياطين الإنس، ولا نملك إلا أن نُعبِّر عن تقديرنا للخُطُوات التي اتخذها حتى الآن آملين أن يواصل مسيرة هدم الجُدُر السميكة والألغام الكبرى التي تحُول دون التواصل بين الدولتين الجارتين بما يحيل حالة العداء التي كانت تعوق انطلاقهما في مسار التنمية والتقدم إلى تعاون مُثمر يعود بالخير على شعبَي البلدَين.
لا أظنُّ أنَّ سلفا كير يخفى عليه أنَّ أهم تلك الجُدُر والألغام هو شبيه باقان في السُّودان وأعني به عرمان ورفاقَه الذين يعبثون، من حدود دولة الجنوب، بأمن السُّودان القومي في جنوب كردفان والنيل الأزرق ويشمل ذلك حلفاء عرمان والحلو وعقار في الجبهة الثورية وعلى الدولتين أن تضعا إستراتيجية (صادقة) تقوم على قاعدة أنَّ أمنهما لا يتجزأ وأنَّ ما يهدِّد أياً منهما ينبغي أن يُعتبر مهدِّداً للأخرى بما يمكِّن من صياغة اتفاقية دفاع مشترك أكثر قوة من العلاقة التي نشأت بين السُّودان وتشاد خلال السنوات الأخيرة.
على أنَّ ما ينبغي أن أحذِّر سلفا كير منه حرصاً على سلامته وربِّ الكعبة وهو يمضي نحو تطبيع العلاقة مع السُّودان أن يحذر الغدّار موسيفيني فليس من مصلحة أوغندا البتَّة على الأقل من الناحية الاقتصاديَّة تحسين العلاقة بين السُّودان ودولة جنوب السُّودان ذلك أنَّ أوغندا كانت هي المستفيد الأكبر من تأزُّم وتوتُّر العلاقة بين السُّودان وجنوب السُّودان خاصَّة عندما أُغلقت الحدود وتوقفت حركة التجارة بين الدولتين وأضحت أوغندا هي المعبَر الأكبر للحركة التجاريَّة مع الجنوب محققة فوائد جمة للاقتصاد الأوغندي.
أعود لما بدأتُ به فأقول إنَّ التجار الشماليين أو قل السُّودانيين لحقت بهم خسائر فادحة جراء توتر العلاقة خاصَّة بعد أحداث الإثنين الأسود التي أعقبت مصرع قرنق وأدَّت إلى نزوح أعداد كبيرة من التجار الشماليين تاركين خلفهم حصاد سنوات عمرهم وكم أشعر بالحزن عندما أرى جاري أحمد كالو يومياً في المسجد المجاور وهو يتحدَّث بحسرة عن أمواله وممتلكاته التي فقدها ولعلَّ أكثر ما يؤلم أنَّه يتوق في عمره الثمانيني أن يحصل على بعض ما فقده بعد أن أفنى زهرة شبابه في تلك الربوع بعيداً عن أهله وعشيرته فكم يا تُرى هم أمثال أحمد كالو وكم منهم من قضى نحبه والحسرة تملأ قلبه؟.
الأخبار التي رشحت على لسان بدر الدين عبد الله مدير إدارة الجنوب بوزارة الخارجية مطمئنة خاصة حديثه عن أنَّ الاتفاقيات التي وُقِّعت مؤخراً أشارت إلى ممتلكات المواطنين السُّودانيين بجنوب السُّودان بل إن نائب سفير دولة الجنوب كاونك كير تحدَّث عن استرداد فعلي لبعض الممتلكات.
على قيادة التجار السُّودانيين وأخصُّ الناشطين منهم مثل صديق كوراك ومحمد جابر المدير عقد لقاءات عامَّة يُعلَن عنها في الصحف للتجار حتى يتم التحرك بصورة منظَّمة عبر لجان تعمل مع الجهات المختصَّة وسندعم أيَّ مسعى في هذا الاتجاه، وبالله التوفيق.

أدركوا أبيي قبل فوات الأوان

بالرغم من أنَّ دولة جنوب السودان لم تتجاوز عامها الأول إلا بقليل وبالرغم من أنها  سنة أولى سياسة مقارنة بدولتنا المفترض أنَّها هرمت في دروب السياسة ومنعرجاتها فإنَّ دولة الجنوب الوليدة ظلت تُلقي علينا الدروس المرة تلو الأخرى في كيفيَّة كسب معاركها الدبلوماسيَّة.
الدرس هذه المرَّة جاء من أبيي فقد أجرى دينكا نقوك استفتاء ظن الواهمون أنَّه مضروب ولا قيمة له لكنه كان ضربة معلم تناقلتها الفضائيَّات العالميَّة بشهيَّة مفتوحة..
حكومة إطفاء الحرائق «النائمة في العسل» عوَّلت على عدم اعتراف ما يُسمَّى بالمجتمع الدولي والإقليمي بما في ذلك الاتحاد الإفريقي بل وحكومة الجنوب بذلك الاستفتاء الأحادي ولكنها نسيت أنَّ مجرد إقامته يُعتبر مكسباً ونقطة لصالحها فقد ظلت وظل دينكا نقوك هم المبادرون والمهاجمون بينما ظللنا نحن على الدوام في خانة الدفاع فبالله عليكم متى منذ فجر التاريخ أحرز مدافع متمرِّس بمرماه هدفاً في مرمى خصمه؟
لا أتردَّد البتَّة في القول بملء فيَّ إن حكومة الجنوب أو بعضَ مكوِّناتها تمارس لعبة ذكيَّة في إطار معركة الفوز بالنقاط ففي حين تزعم أنها ليست طرفاً في ذلك الاستفتاء فإنها لم تقل البتَّة إنها ضده بل إن وزير إعلامها حرَّض «عديل كده» على اعتماده دليلاً على صحة مزاعم الدينكا حين قال للفضائيَّات إن دينكا نقوك يمكنهم أن يذهبوا به إلى الاتحاد الإفريقي ليُثبتوا أن أكثر من 99% من سكان أبيي جنوبيون!!
لا نريد أن ننكأ جراح التفريط في هذه القطعة الغالية من أرضنا والتي كانت إحدى الأخطاء الكارثيَّة لاتفاقيَّة نيفاشا وللقرارات المشؤومة التالية خلال الفترة الانتقالية ولنتحزم ونتلزم ونُجري استفتاء يقوم به المسيرية ولا ينبغي لأي مسؤول حكومي أن يتدخل ويصرِّح إنما يدعم «من تحت» كما ظلَّت تفعل حكومة الجنوب التي لن يصدقها عاقل أنها لم تموِّل إجراء الاستفتاء.
أقول ذلك بين يدي تصريحات غير موفقة للخير الفهيم رئيس اللجنة المشتركة لإدارية أبيي التي قال فيها إنَّ المسيرية لن يُجروا استفتاء!!
وأتساءل: لماذا يتدخل الفهيم فيما لا يعنيه وينصِّب نفسه ناطقاً باسم القبيلة؟! من حق الفهيم أن يتحدَّث معبِّراً عن الحكومة لكن ليس من حقه أن يقرِّر في شأن قبلي ذلك أنَّ حكومة الجنوب لم تتدخل وتمنع الدينكا من إجراء الاستفتاء بقدرما دعمتهم.
إنَّ ذلك يدعونا لأن نطلب من قبيلة المسيرية أن تتولى الأمر بنفسها بعيداً عن المحاور السياسية أو الحزبية وأن تكوِّن آلية أو آليات مستقلة تماماً عن الحكومة أو الأحزاب السياسية التي قد تُخضع قضية أبيي للمساومات وتجعلها محل تفاوض وتنازلات في الإطار الكلي لقضايا السودان.
لا أعني بقولي هذا أن يقتصر الأمر على المسيريَّة وكأنَّ أبيي ليست قضيَّة قوميَّة تهم أو ينبغي أن تهم الشعب السوداني كلَّه لكني أعني أن يكون المسيرية هم رأس الحربة في التصدي لقضية أبيي تماماً كما هو الحال بالنسبة للجانب الآخر فمن غير نخب دينكا نقوك يتولى كبر دعم  قضيتهم في المحافل الإقليميَّة والدوليَّة والمحليَّة ومن غير دينق ألور ولوكا بيونق وفرانسيس دينق يحمل همّ تبعية أبيي لدولة جنوب السُّودان؟
إنَّ الآليَّة المستقلة التي ننادي بها ينبغي أن تضم تمثيلاً لكل أطياف الشعب السُّوداني على أن تقودها شخصيات بارزة تُعبِّر عن المسيريَّة ويقع على رأس مهام تلك الآليَّة أو قل اللجنة وضع إسراتيجيَّة شاملة ذات أهداف محدَّدة أهمها الهدف الإستراتيجي المتمثل في أيلولة أبيي للسودان ويجب أن تتضمن مهام تلك الآليَّة جعل قضية أبيي هماً قومياً وطنياً يجتمع حوله الشعبُ السوداني بكامله مع الاهتمام بالبُعد الدولي والإقليمي ذلك أنَّ الجنوب يفوقنا كثيراً في هذا الجانب مستغلاً تعاطفاً دولياً وإقليمياً تسنده أمريكا وبعضُ الدول الأوربية ووجود شخصيات جنوبية نافذة مثل فرانسيس دينق.