أين أنت أيها السودان؟!

> «والواحد بقى زي الشوال..
شوال الفحم الفاضي..
رامينو على عود الراكوبة..
وساكت وراضي».
> والبيت نكتبه عند مدخل قاعة لقاء المؤتمر الأخير.
> ومعذرة للحزن الشخصي.
«2»
> والحديث عند مدخل المؤتمر يذهب إلى أن القطاع السياسي الآن.. عجز وكذب.
> والحديث عند مدخل القضاء أيام قضية عوضية يذهب الى أن القطاع هذا.. عجز وكذب.
> والقطاع الأمني والاجتماعي.. و... و...
> والحديث يذهب إلى أنه لا بد الآن من الحديث.
> الحديث عن الراكوبة والخريف.
> خريف الأحداث.. وراكوبة الدولة.
«3»
> وحديث عقار يصبح الآن شيئاً متجدداً ابتداء من ظهيرة أمس.
> وظهر أمس مشار يدخل الوحدة وفاريانق.. أحد مقرات الحركة الثورية ويهرب أهلها إلى عقار.
> وسلفا لا يبقى له من الجنوب إلا جوبا.
> والخرطوم التي تتمهل في دعوة سلفا كانت تعرف ما تريد.
> وزحام الأحداث يتدفق.
«4»
> وقراءة الأحداث تعيد الطرفة القديمة.
> والطرفة المكررة تقول إنه ــ أيام كان سائقو العربات يشيرون بأيديهم من النوافذ ــ كان ضابط المرور يسأل من يجلس لامتحان الترخيص.
> العربة التي تنطلق أمامك.. حين يخرج سائقها يده ويشير.. ماذا يعني هذا لك؟!
> قال: إن كان من يقود العربية أمامي رجل فهو يعني أنه سوف ينعطف يساراً.. أما إن كان من يقودها امرأة فهي بالإشارة تعني أنها سوف تنعطف يساراً أو يميناً أو تقف أو هي تشير إلى فترينة أو هي تحيي صديقة لها.. أو هي تريد أن تعرف برودة الجو.. أو أي شيء آخر.
> الدولة التي تقود عربتها خلف الأحداث يستحيل عليها أن تعرف إشارات الأحداث أمامها.
> ومن لا يعرف.. يعجز.. طبيعي.
> لكن الدولة تزعم أنها تعرف.
> والآن.. وبعد سنوات من الخراب الدولة تعلن أنه لا بد من إعادة النظر في قانون الولاة.. وأنها تعرف ما أصاب المجتمع وأنها تعرف ما صنعته القبلية و...
«5»
> أسلوب ادعاء المعرفة.. هو ما يظل يهدم السودان.
> وما يهدم السودان هو التمرد المصنوع عبر السنوات.
> والجهات التي تقود كل شيء من الخارج تصمم الأمر بحيث يتسلل دون أن ينتبه أحد.
> وحرب وأسماء.. عبد الواحد.. مناوي.. خليل.. خميس.. و... و... أسماء.. وخراب.. ثم لا أحد يخطر له أن يسأل سؤالاً صغيراً يقول
: عبد الواحد.. مثلاً.. أين كان قبل أن يخرج من بيته ذات صباح وهو يفرك عينيه من النوم ليجد أمامه جيشاً ينتظر قيادته.. وأسلحة وأموالاً و...
> كل شيء يمضي بأسلوب دخان الحشيش.. ودخان الحشيش يتلوى ويجعل من يغطيه يتلوى.
> والدولة تتلوى تحت دخان حشيش القبلية.. وحشيش الولاة.. وحشيش رقصة الذئاب من خلف الحدود.
«6»
> وحكاية كل واحد من قادة التمرد.. وكيف صنعوا.. نحكيها.
> لكن حكاية السودان الآن.. وحكاية السوداني.. يعيدها مشهد الخراب للذاكرة.
> والأستاذ علي عثمان عام 1992 يدعو العمد «الإدارة الأهلية» إلى الخرطوم.. علي عثمان كان يكره مشروع الحكم الإقليمي ويبحث عن بديل له.
> يومها نحدث عن «السوداني» ونكتب عن النموذج الأعظم للرجل السوداني
: الهمباتي!!.
> ونكتب عن أنه «كل لص في الأرض يستحي من سرقته ويخفيها.. بينما السوداني.. حين ينهب ما ينهب.. يرفع عقيرته يحدث الدنيا بها».
«عقب الدندر الغيبه.. ومنوي شروق
وناوي العودة ليهن.. ود جنا البرقوق
يا الخليت وراك سافي الوطا.. ومحروق
كب آخر إيدك.. آ.. الحوري
الجلب مسروق»
> الهمباتي الذي يسوق الإبل يحدث جمله ويحدث الدنيا عن أن صاحب الإبل هذه سوف يلحق بهم حتماً.
> فالعادة هي أنه لم يترك أحد إبله لمن ينهبها.
> والعادة هي أن صاحب الإبل والهمباتي يتواجهان.
> والعادة هي أن واحداً منهما هو من يعود إلى أهله.
> والعادة هي أن من يقتل الآخر لا يتجه إلى بيته..
> الرجل يتجه.. ابتداءً .. إلى قبيلة القتيل.. وهناك يقف عند حافة الفريق ويرفع صوته ينادي الناس.
> بعدها يعرف الناس اسمه وقبيلته ليقول إن
: فلان ود فلان «القتيل» أدى الرجالة حقها.. وهو هسع مدفون في المكان الفلاني.
> ثم ينصرف.
> والعادة هي أن أهل القتيل هم الذين «يؤمنون» القاتل هذا حتى يبلغ أهله.
> بعدها يطلب ثأره من شاء.
> حتى الفساد.. عند السوداني حكايته تجعلنا نفتتن بالشيخ ود البدوي ــ جد سعاد الفاتح ــ الذي حين يفتح الإنجليز باراً في أم درمان يذهب إلى «الإنداية» ويقود صعاليكها لتحطيم البار.
> ويفعلونها.
> الفقه هنا يقول إن العرقي السوداني حرام ــ مرة ــ والشري الإنجليزي حرام عشرين مرة.
> فالعرقي هنا معصية.
> والشري الإنجليزي هناك «ذلة» للكافر.
> والذلة للكافر.. كفر.
> نكتب عام 1992 عن السوداني هذا وعن عمده وعن أن المجتمع السوداني فيه كل ما يقيم مجتمعاً ذهبياً صلباً.
> و... و...
> خراب السودان وخراب دارفور يبدأ بتخريب المجتمع هذا بخطة دقيقة.
> فنحن جيل رأى السودان والمرأة فيه لا تعرف الزنا قط.
> والمجتمع حين ترغمه الطبيعة يومئذ يستورد لها سجم رماد من بلد مجاور.
> ثم المجتمع يحصر الخراب هذا في زقاق ضيق.
> و... و...
> خراب السودان يبدأ بتخريب المجتمع.
> والوطني لا يشعر.
> لا يشعر.