خوارم التطبيع وخوارم التفتيش

إن الدعوة إلى سن قانون يتيح لأمريكا أن تقوم بتفتيش المصارف السودانية.. هذه الدعوة تعتبر وتعدُّ من خوارم المروءة..
أما الدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل.. فليست فقط من خوارم المروءة.. بل هي  قطعاً من خوارم الدين.. وذلك لسبب واضح وجلي وبدهي.. وهو ارتباط الأرض بالعقيدة..
وأنا لا أقول هذا الكلام استعداءً لأحد على أحد بل أنا اعتبر الذين اعتدوا على الصحافي عثمان ميرغني ومحرريه وكتابه في دارهم بوسط الخرطوم.. قد ارتكبوا جرماً فاحشاً وجريمة نكراء.. يجب أن يعاقبوا عليها بما يستحقون..
لماذا كان ذلك كذلك؟
لأنه لو كان من حق كل أحد أن يصدر حكماً على من خالفه في الرأي أو حتى خالفه في المعلوم من الدين بالضرورة ثم ينفذ فيه العقوبة مباشرة.. لكان أولى الناس بذلك القاضي.. فكان يجب تسليح كل قاضي بسوط.. وسيف ومشنقة.
ولكن ليس من حق القاضي أن ينفذ عقوبة الجلد ولا عقوبة الإعدام ولا عقوبة القطع بنفسه مع أنه هو الذي أصدر وهو الذي يتحمل وزره يوم القيامة.. أو ثوابه وأجره.
لقد سكت المجلس الوطني من قبل على الذين نادوا بالتطبيع ولم يحرك ساكناً.. بل لم يخاطب مجلس الصحافة والمطبوعات حاثاً إياه على اتخاذ اللازم.. ولا استدعى رئيسه ولا أمينه العام لم يفعل ذلك لا مباشرة ولا عبر القنوات.
وكان حرياً بالمجلس أن ينأى بنفسه عن مثل هذه الأمور التي تجعله يبدو وكأنه متحيز لجانب دون جانب..
إن الناس لن ينسوا أن عثمان ميرغني قد فتح ملفات للفساد واتهم جهات وأشخاصاً.. وأورد المستندات.. والناس ربما ظنوا أن الجهات المتهمة بهذه الملفات ـ والتي ربما كانت جهات نافذة وذات سطوة ترد رداً غير عقلي وغير علمي على اتهامات عثمان ميرغني.. والرد العقلي والعلمي هو الاحتكام إلى ساحات القضاء.
الشاهد: نحن هنا لا للتحدث عن ملفات للفساد ولا المفسدين ولكن لنتكلم عن ملف التطبيع.. ونقارنه بملف التفتيش!!
إذا كان المجلس الوطني يغضب كل هذا الغضب من شخص دعا إلى التطبيع مع العدو الإسرئيلي.. فلماذا لا يسن المجلس الوطني قانوناً يحرم ويجرم الدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل؟!
إن الذي يدعو إلى التطبيع مع إسرائيل.. إما رجل جاهل بأمر دينه أو عميل.
والسنة إما سكوتية أو قولية.. والداعي إلى التطبيع والساكت على الدعوة إلى التطبيع سيان.. كلاهما واحد.. ولا فرق والداعي والساكت كلاهما يفعل ذلك بغير فقه وبغير علم وبغير بصر  إن الأمر قد لا يحتاج إلى كثير فقه.. ولا كثير علم.. ولكنه قطعاً يحتاج إلى كثير بصر..
فمنذ أن قال الله سبحانه وتعالى للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة.. وكان رد الملائكة «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء» علم أن الأرض خلقت ليقام عليها حكم الله وشرعه.. وتسرى فيها إرادته ومشيئته.
ومنذ أن قال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله مخاطباً عباده «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ  قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ  قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا  فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ  وَسَاءَتْ مَصِيرًا».
والهجرة كتبت على المؤمنين سعياً لإقامة حكم الله وشريعته والاحتكام إلى كتابه  وسنه نبيه».
وحكم الله وشريعته لا يقامان إلا على أرض.. لذلك أصبحت المحافظة على الأرض جزءاً من العقيدة.. وما لا تقوم ولا تصح العقيدة إلا به فهو جزء من العقيدة.
لذلك كان خير هذه الأمة المهاجرون.. وخير المهاجرين سيد المهاجرين رسول الله صلى الله عليه وسلم..
لذلك قدم المهاجرون في آيات سورة الحشر على الأنصار وعلى التابعين وتابعي التابعين. «لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ». فسماهم الصادقين وهي أعلى مرتبة في الإيمان.
وثنى بالأنصار، قال تعالى «والذين تبوأوا الدار  والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم..» وسماهم «المفلحون» قال «أولئك هم المفلحون»
والقتال دون هذه الأرض شهادة.. سواءً كانت ملكاً للأمة مثل فلسطين.. أو ملكاً خاصاً لفرد من الأفراد. لذلك فالتفريط في شبر من أرض الإسلام هو تفريط في العقيدة.. وهو الذي منع عمر بن الخطاب من تقسيم أرض السواد على الجيش والجنود المقاتلين.. لأنه يعلم أن هذه الأرض ملك للأمة ترثها جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن حتى «يغزو منها حبل الحبلة» أي حتى يتجهز ولد الولد منها للغزو والقتال في سبيل الله.
وعندما جاء اليهود إلى شيخ فلسطين ليساومونه في شراء أرضه بأغلى الأثمان اعتذر عن البيع.. قائلاً إن الأرض ليست ملكي لأبيعها لكم، مع انها مسجلة في الشهر العقاري باسمه.. فعجبوا وقالوا لمن إذن هي؟ قال هي للمسلمين جميعاً وأنا مستصطلح ومستغل ومستفيد.. ولذلك عندما جاء عتبة بن فرقد إلى عمر بن الخطاب وقال له إنني اشتريت أرضاً من أرض السواد، قال له عمر مستعجباً ممن اشتريتها؟ قال من أهلها.. فالتفت عمر إلى من كان في مجلسه من المهاجرين والأنصار وقال لعتبة «هؤلاء هم أهلها هل بعتموه شيئاً؟ قالوا.. لا.. قال عمر لعتبة: إما أنك لم تشتر شيئاً فاذهب وابحث عن مالك.
باختصار لا أحد يملك التطبيع مع إسرائيل.. والدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل جهل بالدين وعمالة للعدو وخيانة للأمة ومعصية لله ورسوله.
فليرتدع هؤلاء.. ولا نخوفهم إلا بالله.. وندعو الأخت نائبة رئيس المجلس وأعضاء المجلس إلى سن قانون يجرم ويحرم مجرد الدعوة إلى التطبيع مع العدو الإسرائيلي.. ونحذرهم ونخوفهم بالله من مجرد التفكير في سن قانون يسمح لأمريكا بتفتيش مصارفنا. ألا هل بلغت الله فأشهد.