عودة للبُعد الفكري في الحوار الحالي بين واشنطن والخرطوم عبر قراءة لرؤية أمريكية عنوانها «تعلَّم التعايش مع الإسلام الراديكالي»

مواصلة لما شرعنا في التطرُّق له أمس بشأن الأهمية البالغة والضرورة الملحة والفائدة المؤكدة والمرجوة والمرغوبة والمطلوبة كما نرى في الدعوة للاعتناء بالاستفادة من الحوار الرسمي والشعبي الجاري في الوقت الحالي بين واشنطن والخرطوم في سبيل العمل من أجل المزيد من التوضيح والتصحيح للمفهوم الحضاري للإسلام السياسي في نموذجه السوداني وما ينطوي عليه في أبعاده ذات الطابع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.. الخ. حيث أشرنا إلى ما ورد في مقالة مهمة، كتبها مدير تحرير مجلة «فورين أفريز» الأمريكية عام 2007، حول ما جرى من الجانب الأمريكي في هذا الصد، وبهذا الخصوص أثناء إدارة الرئيس الجمهوري الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، وهي المقالة التي نُشرت مجلة «نيوزويك» ترجمة لها في عددها الصادر باللغة العربية حينها، فقد نشرت ذات المجلة «نيوزويك» في عددها المترجم الى اللغة العربية بتاريخ 10 مارس 2009م مقالة مهمة أخرى في هذا الصدد كتبها الكاتب الصحافي الأمريكي البارز فريد زكريا - وهو من أصل هندي - تحت عنوان: «كيف نتعايش مع الإسلام الراديكالي كحقيقة من حقائق الحياة»؟.
وكما ورد في ذلك المقال تحت عنوان فرعي هو: «تعلَّم العيش مع الإسلام الراديكالي»، فقد ذكر فريد زكريا:«لسنا مضطرين الى الموافقة  على رجم المجرمين بالحجارة. غير أن الوقت حال للتوقُّف عن معاملة كل الإسلاميين وكأنهم مشاريع إرهابيين». وفي إشارة لما جرى أثناء فترتيْ إدارة بوش الجمهورية في الرئاسة الأمريكية، ذكر فريد زكريا: «لدينا ردة فعل فورية وعنيفة حيال كل ما يبدو بأنه متعصب إسلامي، وهذا مفهوم، فعدد كبير من الإسلاميين متعصبون ومتطرفون، وهناك آخرون دجالون وانتهازيون، لكن ذلك يمكن أن يعمينا عن الأساليب التي تثبت إنها مفيدة في المعركة الأوسع ضد الإرهاب الإسلامي».
ويشير فريد زكريا الى أن «إدارة بوش أمضت ولايتها الأولى في خوض حديث نظري وتجريدي الى حد كبير عن الإسلام الراديكالي وشروره، ولا يزال المفكرون المحافظون ينطقون بهذا الخطاب المتشبِّث بآرائه. لكن بحلول الولاية الثانية كانت الإدارة قد بدأت تتخبَّط مع تعقيدات الإسلام على الأرض. وتحوُّل بوش نحو اتباع سياسة أكثر تطوراً ومراعاة للتفاصيل الدقيقة حيال الإسلام السياسي في البلد الوحيد الذي يستحيل فيه تجنب الحقيقة وهو العراق بعد الغزو الأمريكي، وهذا مؤشر معبِّر».
ويضيف فريد زكريا: بعد اجتياح العراق بحث الأمريكيون عن حلفاء محليين، ولا سيما مجموعات سياسية يمكن أن تصبح الوجه العراقي للاحتلال. وقد تبين للإدارة أن ثلاثين عاماً من حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين - وهو علماني مستبد - لم تترك في المعارضة سوى الإسلاميين المتشددين فأنشأت شراكة مع هذه المجموعات التي كان معظمها أحزاباً شيعية تستند الى نموذج التنظيمات الدينية المتشددة في إيران. وفيما يبقى جنوب العراق مكاناً مظلماً فإنه ليس بؤرة للجهاد. وربما يمكننا أن نأمل بأن تتكرر هناك نسخة ما من الرواية النيجيرية بينما تنضج العملية الديمقراطية. وكما يقول المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «رويل مارك غيريشت» فمن الصعب تسليم السلطة الى أشخاص ليبراليين، ويجب أن ندرك أن الهدف هو هزم «البنلادنية»، والحل يكمن لدى المسلمين المعتدلين، فرجال الدين الشيعة والأصوليين السنة هم الذين سينقذوننا من تكرار أحداث 11 سبتمبر أخرى في المستقبل ويجب تحقيق تقدم.
ويتساءل فريد زكريا: هل يمكن أن تنجح إستراتيجية مماثلة في أفغانستان؟ ويشير في معرض الإجابة الى أن خبيراً في مكافحة الإرهاب هو ديفيد كيلكولن قال «إن زعماء قبائل ومسؤولين حكوميون أفغان في المحافظات والأقاليم قد قالوا لي إن تسعين بالمائة من الأشخاص الذين نصنفهم في خانة طالبان هم في الواقع مقاتلون قبليون أو قوميون من الباشتون، أو أشخاص ينفذون أجندتهم الخاصة». ويضيف فريد زكريا: «وأبعد من أفغانستان فمن الضروري أن نعتمد إستراتيجية أكثر تطوراً في التعاطي مع الإسلام الراديكالي. ويجب أن يكون هذا بديهياً بالنسبة الى الرئيس أوباما الذي غالباً ما تحدث خلال الحملة عن الحاجة الى مقاربة متمايزة حيال البلدان الإسلامية. وحتى معهد واشنطن للأبحاث والدراسات، التي تعبر غالباً عن آراء المحافظين، يبدو مؤيداً للفكرة التي تدعو الى أن تستخدم الولايات المتحدة خطاباً أقل قتالياً وأكثر مراعاة للتفاصيل الدقيقة، ويتفادى العبارات الشاملة مثل الحرب على الإرهاب والتمرد العالمي أو العالم الإسلامي.
ويضيف فريد زكريا إن كل ما يسلّط الضوء على تنوع المجموعات والتيارات والدوافع لذلك في العالم يعزز الحجة التي تقول إنها ليست معركة بين الإسلام والغرب. ويجب ألاّ ننساق لـ (بن لادن) الذي - كان - يردد باستمرار إن كل المجموعات الإسلامية المختلفة هي جزء من الحركة العالمية نفسها، فهذه هي لعبته، وبدلاً عن ذلك يجب أن نشدد على أن عدداً كبيراً من هذه القوى ذات طابع محلي ولديه مظالم خاصة به وليست هناك الكثير من القواسم المشتركة بينها.
ويشير فريد زكريا الى أن «الحجاب ليس مثل الحزام الناسف». ويضيف: يمكننا أ ن نحقق قيمنا بطريقة أفضل اذا أدركنا السياق المحلي والثقافي، وعرفنا أن الناس يريدون إيجاد توازنهم الخاص بين الحرية والنظام، وبين الحرية والحصول على الترخيص. وفي نهاية المطاف فإن الوقت لمصلحتنا، فقد خسرت (البنلادنية) بعضاً من زخمها في البلدان الإسلامية، وهذا هو ما سيحل أيضاً بالإسلام الراديكالي، فسرعان ما سيسأم الناس سحره أينما يجرب.  والحقيقة هي أن الإسلاميين، سواء أكانوا عنيفين أم لا، لا يملكون أجوبة على مشاكل العالم الحديث، وليس لديهم نظرة عالمية تُرضي تطلعات الرجال والنساء العصريين. أما نحن فبلى، وهذا هو أقوى سلاح لدى أمريكا على الإطلاق!!
ونواصل بعد غدٍ الأحد إن شاء الله..