ومن يحتسب على هؤلاء

أما الإنقاذ فلا شأن لها بالحسبة ولا بالاحتساب.. لا من قريب أو من بعيد.. ولعلك لو سألت عشرة منهم عن مصطلح الحسبة والاحتساب وما معناه اللغوي وما معناه الإصطلاحي فلربما لم يجبك منهم أحد.
والاحتساب هو عموماً فعل الخير وطلب الثواب والأجر من اللَّه.. قال صلى اللَّه عليه وسلم: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له من ذنبه ما تقدم».
والحسبة من الاحتساب وأطلقت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنها لا أمر لها إلا من عند الله.. إلا أن يكون محتسباً سلطانياً يأخذ أجره على وقته الذي ينفقه في الوظيفة. أما أجر الاحتساب نفسه فليس من عند أحد إلا من عند اللَّه.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الركن السادس فيما قاله أهل العلم أو كاد أن يكون الركن السادس وذلك لأنه لا تستقيم حياة الفرد ولا حياة المجتمع ولا يستقيم أمر الحاكم إذا لم يكن هناك من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.. ولا غنى لأي من هؤلاء الثلاثة عن آمرٍ وناهٍ.
ومع التشديد على تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أهل الإنقاذ لا يشغلون لهم بالاً به ولا يحملون له هماً.. وعندما نقول أهل الإنقاذ، لا يقتصر قولنا على أهل الحكم، بل يشمل ذلك أهل العلم، ويشمل المجتمع بمكوناته كلها الطبيعية والمستحدثة. كما أنه يشمل الفرد أياً كان ولا يعذر في ذلك إلا من عذره الله. وهذا ينكر في قلبه وحسبه أن يقول: «اللهم إن هذا منكر لا يرضيك». أما هؤلاء الذين لا يجدون من يحتسب عليهم فهم الذين ينقضون عروة الصلاة جهاراً نهاراً، عياناً بياناً، وعلى مرأى ومسمع من الحكومة، ومن الدولة، ومن أهل العلم، ومن المجتمع. أما أننا نعلم كما علّمنا نبيّنا الكريم أن أول عروة تنقض من الإسلام الخلافة وآخر عروة تنقض منه الصلاة. وهؤلاء لا ينقضونها في بيوتهم، ولا وهم خالون لا يراهم أحد أنهم ينقضونها في المساجد، في حين تكون المساجد عامرة بالمصلين. وقد أذن الوقت وأقيمت الصلاة وشرع الإمام في الصلاة، عندها تتبدى لك ثلاثة أنواع من المجاهدين بنقض عروة الصلاة.
أولهم شباب لاهـٍ عابث يجلس أمام باب المسجد وقد يجلس على كرسي تابع للمسجد (خاصة من مساجد الأحياء) مع رفيق له أو رفقة يتضاحكون ويتمايلون ولا يحسون بأي حرج ولا أي مسئولية ولا يخشون بأس أحد أعني أحداً من الناس.. أما خالقهم فلا يخطر لهم على بال.. وثاني هؤلاء نساء يجلسن على أبواب المساجد ينتظرن البر والمعروف والصدقة من المصلين، يجلسن ينتظرن انتهاء الصلاة وخروج المصلين، وكأن أمر الصلاة نفسها لا يعنيهن ولا يشغلهن وكأنهن لسنا مخاطبات بها والأمر العجيب المدهش أنك ترى بينهن أحياناً امرأة منقبة. والأدهى والأمر من كل ذلك أن جموع المصلين تمر عليهم في الدخول والخروج فلا يحركون ساكناً ولا ينطقون بكلمة وكأن الأمة قد تواطأت على أن الفقر والمسكنة والعوز من مسقطات الصلاة.
والنوع الثالث شباب يشغلون أنفسهم بخدمة الذين يؤمون بيت اللَّه وأخص منهم ماسحي الأحذية (أولاد الورنيش) وهم قد تجاوزوا العمر الذي يضربون فيه على الصلاة يجلسون أمام الباب قبل الصلاة وأثناءها وبعدها لا يأبهون برب البيت ولا بالبيت إلا إذا أراد أحدهم أن يقضي حاجته فإنه يدخل إلى الحمامات!!
وتتكرر المأساة عندما ترى أحد المصلين يخلع حذاءه ويسلمه لأحد هؤلاء ليس لمسحه ولا تنظيفه في الحقيقة بل لحفظه وحراسته أثناء الصلاة. فكأنه يصدر فتوى لهذا المسكين الذي ينتظر من يوجهه بأن مسح الأحذية وخدمة أحذية المصلين أولى من أداء الصلاة وإقامتها.
والفوضى ضاربة أطنابها في مساجد الأحياء ولكنها عارمة في مساجد الأسواق. بل وأشد عراماً في كبرى مساجد الولاية مثل مسجد أرباب العقائد ومسجد أم درمان العتيق ومسجد الخرطوم الكبير. فالباعة وذوو الإعاقة والمارة لا تشعر بأنهم يدركون أنهم يمرون من أمام مسجد تقام فيه الصلاة. إن هذا الأمر يطعن بشكل كبير في كثير من القيم ولا يكاد يدع أحداً من المدينة دون أن يلسعه طرف السوط. وأكثر الناس استحقاقاً للوم والعتاب بل والتوبيخ فهم قادة الوزارات الدعوية «الاجتماع يدخل في صلب الدعوة والإرشاد من باب أولى». وبكل «إنتهازية» واعية يسرني أن أنوه للمرة الكذا بعد الألف «مبالغة مني» أن الوزارات الدعوية لا تصلح أن تقودها النساء الحرائر والقوارير لأنها تستلزم كثيراً من الطوارئ. بل وحتى كثيراً من الظروف العادية التي تستلزم قوامة الرجل والمرأة أصلاً لا قوامة لها، فلو أن امرأة صلت في مسجد فيه مصلى للنساء فهي تدخل من باب النساء حتى لو كانت وزيرة. وحتى لو كانت رئيسة الإمام الذي يؤم الناس في الصلاة. فكيف يتسنى لها أن تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. اللهم إلا أن تحتسب على واحدة من بنات جنسها.
يا أهل الإنقاذ.. حكومة وشعب وعلماء وأفراد.. لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليخالفن الله بين قلوبكم.