جامعة النيلين.. والدستور التوافقي!!

علمت قبل ساعات من انعقاده أن مؤتمراً تداولياً سوف تلتقي مكوناته بدعوة من جامعة النيلين ـ كلية القانون ـ للتداول حول مسودة حول مشروع الدستور.
وفي اليوم التالي قرأت الخبر في صحيفة أخبار اليوم حيث ذكرت الصحيفة أنه قد شارك عدد من المهتمين بالشأن القانوني وعدد من الأحزاب السياسية وقادة الرأي العام وممثلي منظمات المجتمع المدني في المؤتمر التداولي لمبادرة كلية القانون بجامعة النيلين حول مشروع دستور السودان. الذي أدهشني أن السياق يقول مباشرة بعد هذا التقديم «وأسدلت أمس كلية القانون الستار على مسودة مقترحة تداولية ساخنة في إطار المبادرة المطروحة حول إعداد الدستور المرتقب».
كيف أسدلت الكلية الستار؟ هل أوقفت التداول؟
هل تراجعت عن فكرة تقديم رؤية ومسودة؟ هل اختلف المتداولون أم اتفقوا؟ لماذا جرى ما جرى بهذه السرعة! لقد استنفدت الجبهة الإسلامية للدستور عامين كاملين في إعداد المسودة الخاصة بمشروع الدستور الإسلامي قبل أن تسلمها للسيد الرئيس.
إن عبارة «أسدلت الستار» فيها شيء من الإبهام. لذلك ظننت ـ  وبعض الظن إثم ـ أن الذي جرى أحد أمرين: إما أن تكون المبادرة قد أجهضت في مهدها.. أو أن المسودة صيغت وقدمت للمؤتمر التداولي وتم التداول حولها وأجيزت ووافق عليها المؤتمر التداولي واعتمدت بالأغلبية أو بالتراضي أو بأية وسيلة أخرى.
إذا حدث الأمر الثاني فلن أقول للأخ عميد الكلية ولا للأخ الدكتور أحمد الطيب مدير الجامعة إن هذا الأمر قضي بليل وتشاور فيه في غير هذا المكان!!
قلت: لن أقول هذا القول الذي جاء على لسان أبي جهل يوم نقض الصحيفة وهي حادثة مشهورة بلقاء.. وذلك كله من باب التفاؤل لا التشاؤم.. ومن باب حسن الظن لا سوء الظن.
ولكن  السودان هذه الأيام «الأيام هذه نعني خمسة وعشرين عاماً» يعاني من عدم الموضوعية.. فكل القضايا تعالج بغير موضوعية والسبب الأساسي في عدم الموضوعية هم المتداولون.
خذ مثلاً هذه الواقعة.. كيف يمكن بالله عليكم أن أتحدث فيها بموضوعية وأنا لم أسمع بها إلا قبل انعقادها بساعات؟ وكيف أتناولها بموضوعية وعدد كبير من المشاركين لم يكونوا موضوعيين في طرحهم ولا في استدلالاتهم؟ وكيف أتناولها أو يتناولها غيري بموضوعية وهي قد قضي فيها وربما تكون عند كتابة هذه الأسطر قد سلمت لجهة الاختصاص؟ الرئيس أو البرلمان!!
إن الذي أشير إليه وأحاول أن أكون موضوعياً حوله بقدر الإمكان وألا أكون لاذعاً ولا ساخراً هو أربعة أمور الأول هو أن الشأن المتداول حوله هو شأن كلي لا فرعي وهو الدستور أبو القوانين وجد اللوائح والجد الأكبر للسياسات التنفيذية.
إذاً فالذي كان واجباً على المؤتمر التداولي تقريره هو الجوانب الكلية التي لا يجوز لأي أحد إغفالها أو تخطيها أو القفز فوقها.
 وهذا يدفعني إلى الأمر الثاني.. وهو السؤال عن كيف يكون الحل توافقياً في شأن كلي؟
التوافق يكون على الفروع لا على الأصول.
إن الأصول التي ينبني عليها الدستور معروفة ومتفق عليها لا أقول سودانياً.. ولا أقول عربياً.. ولا أقول عالمياً ولا أقول إنسانياً .. بل أقول  كونياً.. الإنس والجن والدواب والزرع والصخر وكل مخلوقات الله متوافقة على الكليات.. وكلها تضار من أي تقصير أو تظالم في هذ الكليات.
إن الإجابة سهلة وميسرة.. وهي أننا لو كنا مختلفين على فرعية من الفروع لما قامت الحاجة أصلاً إلى عقد مؤتمر تداولي.. إذاً فنحن مختلفون حول كلية من الكليات.. وحتى أوضّح العبارة أقول إن هناك مكوناً من المجتمع السوداني ـ مقدراً أو غير مقدر يعترض على كلية الشريعة الإسلامية!!
أقول مكون مقدر بما يمثله من تطاول وقدرات وإسناد لوجستي يتنزل عليه ليعطيه القدرة على التحرك والتمدد، وغير مقدر بضآلته العددية والفكرية.
أما  الأمر الثالث فهو أن الموضوعية دائماً تكون غائبة عن مثل هذه المؤتمرات بسبب أن الاختلاف المتداول حوله يكون شأناً كلياً لا يجوز الاختلاف حوله وأيضاً بسبب البون والشقة الواسعة بين المتداولين حول الشأن العام الحاضرين والغائبين على السواء «الغائبين مثلي ومثل آخرين».. هذا التباعد هو الذي جرأ امرأة مثل أسماء محمود محمد طه أن تطعن في دين الله وتقول إنه من الخطأ أن يستهل الدستور بآية قرآنية وحجتها في ذلك ـ وهي حجة داحضة ـ أن ذلك فيه إقصاء للمجموعات غير المسلمة.. متهمة ربها بالحيف والظلم والعياذ بالله.. وتزيد أسماء على ذلك .. وأنا أحاول أن أكون موضوعياً وغير لاذع ولا سافر.. «إذا قلنا إن الدستور قائم على الشريعة الإسلامية هل في ديننا نص يعطي المرأة حقها الكامل وحتى ترشحها لكرسي الرئاسة؟!
إذاً يا سعادة الأخ دكتور أحمد الطيب والأخ د. عز الدين.. المؤتمرون مختلفون حول كلية من الكليات.. والنص الموجود في الشريعة يحرم على الأنثى تولي منصب الرئاسة العامة.. ولا تداول حول هذه الحقيقة لا في جامعة النيلين ولا في المجلس الوطني، والاعتراض عليها يحكمه نص محكم قال تعالى «وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ  وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ  أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»
ويعلم المؤتمرون والمتداولون داخل مؤتمر النيلين وخارجه أن طلب تجاوز الشريعة مهما تضاءل يعتبر خرقاً للموضوعية وظلماً فادحاً لأن ذلك يعني افتئات «5%» أو قل حقوق «95%» من المواطنين، وجاءها الرد من داخل المؤتمر التداولي على لسان المدعي العام الأسبق لجمهورية السودان وهو وفق ما قدمنا أعلاه.. وهو موثق لمن أراد الاطلاع عليه.
أما الأمر الرابع الذي أختتم به هو أن هذا الشأن الكلي ما كان ينبغي أن تتركه الجهات المختصة ليتداول حوله الحزب الجمهوري والحزب الشيوعي ومن باب أولى الأقليات الدينية لأن التداول لا يكون حول الكليات، وكون أن دين الأغلبية المطلقة في السودان هو الإسلام فهذا أمر كلي غير خاضع للتداول.. وبما أن الأمر كذلك فإن القاعدة الكلية عقلياً ونقلياً وديمقراطياً ودكتاتورياً وبشرياً وجنياً وإسلامياً وعلمانياً وفيزيقياً وميتافيزيقياً وأخلاقياً وغير أخلاقي «الأجهزة كلها واحدة» فلماذا لا نوفر جهود أهل السودان ووقتهم وننفقه فيما يعود بالنفع.
ولا بد أن الجميع يعلم كون أن هناك «2%» من غير المسلمين وحاجة Negligable «يعني غير مذكورة»% من العلمانيين لا يمثل مدعاة حقيقية للبحث عن التوافق والتراضي ولو أن هذه الطلبات غير الموضوعية استمرت فسوف تفرض علينا أن نرد بغير موضوعية وذلك لأن الرد غير الموضوعي على الطلب غير الموضوعي هو عين الموضوعية.
والرد على لص جاءك في الثلث الأخير من الليل ليسرق مالك وأشياءك فالموضوعية أن ترد عليه بالمسدس والعكاز والصفع والركل وأفعل.. وأفعل!! إلا إذا كانت الممثلتان للجمهوريين والشيوعيين أسماء وهنادي تظنان أن السرقة أمر موضوعي يجب أن يعامل بموضوعية.