ضلالات العظمة.. وفساد تصور العقلانيين!!..وقيع الله حمودة شطة

توجد في مظان الدراسات النفسية والعصبية، ودراسات علم الاجتماع وخصائص الشخصية الإنسانية، ظاهرة تمثل خروجاً عن طبيعة الفطرة السوية، تسمى «ضلالات العظمة»، وهي صفة تجعل صاحبها يشعر دائماً أنه عالم بتفاصيل كل شيء، أو يعتقد أنه قد خُص بمهارة أو معرفة يتعذر وجودها لدى الآخرين من حوله!! ونمو هذا الشعور والتفاعل معه والاعتقاد بصحته مطلقاً يؤدي بصاحبه في نهاية المطاف إلى طائفة من الأوهام والخزعبلات المضحكة الخارجة عن طريق الجادة تصادم العقل السوي والفطرة السليمة ومسلمات في النظام الكوني، لذلك ضلالات العظمة والشعور والتوهم بملكة العبقرية، قد يعد انحرافاً ـ حسب نظرية علم النفس ـ في الطبيعة النفسية والعصبية والشخصية لدى الشخص الذي يعاني من هذه العلة التي يراها بعض الآخرين شيئاً إيجابياً!
فرعون مثلاً، كانت قد صدرت منه تصرفات وتوجهات فكرية يمكن أن نعدها اليوم من ضلالات العظمة، وفقاً لنظريات ودراسات الشخصية في إطار الدراسات النفسية والعصبية ودراسات علم الاجتماع، حيث أدعى فرعون الألوهية فقال «أنا ربكم الأعلى» وادعى العصمة والسداد المطلق في الرأي، فقال «ما أريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيل الرشاد»، وتوهم بقاء الملك وهو زائل وبدا له كأنه حقيقة ثابتة ومتلازمة لا تخضع لقانون الحركة والزوال، لذلك قال «لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي..»، وضلالات العظمة هي نفسها التي قادت فرعون إلى الدخول في تحدٍ مع نبي من أنبياء الله ورسله، وهو موسى ـ عليه السلام ـ حيث شكك في صدق موسى ـ نبي الله عليه السلام ـ وفي نبوته ودعوته ورسوليته، ومضى في تحديه تقوده أوهامه وتصوراته المنحرفة، حتى هلك بين يدي موسى ـ عليه السلام ـ غرقاً في قصة البحر الشهيرة ويومها حاول تكذيب «ضلالات العظمة» لديه والعودة إلى الرشد الفطري، حيث قال «آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل..» ولكن هيهات.. حيث أنه لم يوفق حتى إلى قول «آمنت بالله».. وإنما اتخذ واسطة في إيمانه المزعوم قال:«الذي آمنت به بنو إسرائيل»!!
ادعاء دكتور الترابي أن حواء أم البشر لم تخلق من آدم ولم تخلق من ضلعه الأعلى الأعوج يعد تشكيكاً واضحاً في الآية الأولى من سورة النساء، الجزء الرابع من القرآن الكريم، حيث تقول الآية الكريمة «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراًونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً».. أيها القارئ العزيز ـ دقق في هذا النظم القرآني الواضح الميسر فهمه لكل إنسان، حيث قال «ربُّنا» «يا أيّها الناس» خطاب موجه إلى كل الناس.. «اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسه واحدة» جاءت كلمة نفس مؤكدة بأنها واحدة، والمعلوم من الدّين بالضرورة بإجماع أهل العلم والمفسرين أن آدم أول بشر خلق، وأصل البشرية كلها يرجع إلى آدم، وأن الناس كلهم بنو آدم، وقد أكد ذلك حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ «كلكم لآدم وآدم  خلق من تراب»، وقول الله تعالى «وخلق منها زوجها» الضمير في زوجها يعود إلى النفس الواحدة، وهو آدم ـ عليه السلام ـ والزوج في اللغة الفصحى لغة القرآن يستخدم للذكر والأنثى معاً، فاللغة الفصحى في اللغة العربية أن يستخدم لفظ «زوج» مع الأنثى بدون «تاء» التأنيث كما في قوله تعالى يخاطب آدم ـ عليه السلام ـ «اسكن أنت وزوجك الجنة». ولم يقل «زوجتك»، وزوج الشيء مثناه، والأصل الغالب فيه أنه يكون دائماً من جنسه، لأن الله تعالى فطر الكون على الثنائيات والأزواج، فهناك الذكر والأنثى، السموات والأرض، الليل والنهار، الشمس والقمر، الموت والحياة، الضحك والبكاء، الحزن والفرح، والنوم  واليقظة وغيرها.
وقوله تعالى« وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً» الضمير في «منهما» يعود إلى آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ وأن البشر جميعاً قد خرجوا منهما، فكلهم بنو آدم وحواء.. ومعلوم أن حواء قد خلقت بعد خلق آدم، ولم تكن موجودة حين خلق آدم كما تواترت أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي جاءت في كتب السيرة الصحاح، وهناك كُتب وأشرطة ممتازة ومختصرة في هذا الباب منها كتاب «قصص الأنبياء» للداعية الدكتور طارق السويدان، فإنه عظيمٌ في بابه يمكن العودة إليه، وهو موجود في المكتبات وشبكة «النت» وجاء حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاطعاً كل شك ودواء لكل عقلاني يعاني من علة «ضلالات العظمة» وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصادق المصدوق ـ حيث قال ـ كما في الصحيح ـ «خُلقت المرأة من ضلع أعوج: إن ذهبت تقومه كسرته، وكسره طلاقها..» إلى آخر الحديث، وهذا الحديث يثبت أن حواء خلقت من آدم، وأنها خلقت من ضلعه الأعوج الذي في أعلى الصدر، وهذا تشريف لها وليس منقصة أن تكون المرأة من شطر الرجل ومن بعض نفسه كما دل حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الآخر «النساء شقائق الرجال» وهذه هي فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله تعالى، وهذا قضاء الله وقدره يحكم به لا معقب لحكمه، وهو الحكيم الخبير. ويظل موقف بعض الإسلاميين السودانيين يمثل حالة إحباط وانتكاسة تبلغ أحياناً حد الردة والانسلاخ عن مبادئ كانوا يؤمنون بها ويدافعون عنها على الأقل في صورة ظاهرية، فاليوم دكتور الترابي يقول ما أشرنا إليه، ومن قبل قال ما هو أشد من ذلك في قضايا لا تقبل التأويل وتعدد الوجوه، وبالأمس القريب كتب عثمان ميرغني في قضية محنة غزة وموقف اليهود الإرهابي ووقف موقفاً مخزياً خرج به عن موقف أمته الموحد تجاه القضية المركزية للأمة.. قضية فلسطين، ومن قبله قال حسين خوجلي من خلال برنامجه «ساعة مع حسين» ليس لدينا عداوة مع اليهود وينبغي ألاّ نغرق في «شبر موية»!! وقد رددت عليه من خلال هذا العمود، وسألته يومها كيف قرأت وفهمت يا الأخ حسين قول الله تعالى «لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا»، حتى أن أحد الإخوة الإسلاميين الكبار الذين نحسب أنهم لا يزالون على المبادئ لم يغيروا ولم يبدلوا قال: لي حين ذكرت له موقف الأخ حسين خوجلي هذا.. قال: حسين يغرق في شبر سراب خليك من شبر موية!! وهذا أمر يستدعي إعادة النظر في أصول التفكير والعقيدة والتربية العقدية لدينا حتى نقي أنفسنا هذا الانزلاق المفاجئ المدمر.