بين تجربة الشورى وانتخاب الولاة وقيع الله حمودة شطة

الشورى هي الإذعان لسماع رأي الآخر وتقبله واحترامه والأخذ به إن كان به صواب وحكمة ورجاحة عقل وبعد نظر وعدالة تراعي الحقوق والواجبات وتحمي المصلحة العامة.
مصطلح الشورى في فقه الدولة الإسلامية وعند فقهاء وصناع التشريعات والأحكام وقرارات سياسة الدولة يتبوأ ركناً مهماً، ويعد واحداً من أهم أركان الحكم لتحقيق العدل وبسط الحريات العامة وتنمية العقول، وتقوية الصلة بين الحاكم والمحكوم من جهة وبين الدولة بصفة عامة والشعب من جهة أخرى، لذلك راعت الشريعة الإسلامية بسط  الشورى وإعمالها في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وتأخذ أهمية أعظم في ناحية السياسة والحكم والإدارة لأهمية الشورى في هذا الجانب الحيوي من حياة الناس.
وحول وجوب إقامة مبدأ الشورى ذهب الفقهاء فيه إلى فريقين، فريق يرى أن التزام الحاكم والوالي بالشورى واجب ديني وأخلاقي قامت عليه أدلة من الكتاب والسنة كقوله تعالى «وأمرهم شورى بينهم»، وبالتالي هي عليه واجبة وملزمة والتعدي عليها يعتبر مخالفة شرعية وتعطيلاً لمبدأ من مبادئ الحكم والعدل. ويرى فريق آخر أن الشورى مبدأ عظيم ينبغي للحاكم أو الوالي الأخذ به بقوة، ولكن طالما هو حاكم وقيم على الأمة كلها رأيه وعزمه معتبر، فيحق له أن يأخذ برأيه بعد سماع رؤية الشورى، ولذلك بهذا تعتبر الشورى عنده معلمة وليست ملزمة، ولهذاالرأي ما يؤيده في كتاب الله كقوله تعالى «وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله».. غير أني أعتقد أن بين لزوم مخرجات الشورى وإعلامها يتقضي أن ننظر إلى فقه الزمان والمكان والأوضاع فيه من أحوال الناس وسطوة الدولة ووحدة الأمة وقدرات ومؤهلات الحاكم والوالي أو من يسوس أمر الناس، ويبدو لي من خلال هذه المقاربة التاريخية والفقهية أن مبدأ الشورى وصور إعماله يمكن له أن يأخذ رأي من يرى أن الشورى «معلمة» إذا كانت للدولة سطوة وقوة ردع، ووحدة الأمة مأمون جانبها، والوالي أو الإمام الذي يسوس الناس ويتولى أمرهم في الحكم والإدارة على درجة عالية من الفقه والعلم ورجاحة العقل والورع والتقوى والحكمة التي تجعل قراره صائباً في أغلب أحواله عندما يعزم ويتخذ القرار بمفرده.
أما وقد رأينا في هذا الزمان من ضعف الدولة وتمزق الأمة وذهاب قوة ردعها، وصعود كثير من ولاة هذا الزمان وحكامه إلى سدة الحكم والإمامة العظمى في البلدان عبر معايير فيها كثير من النظر وقصور التطبيق وفرض الأمر الواقع كحالات تولي الحكم عبر القوة «الانقلاب العسكري» أو تولي الحكم عبر ديمقراطية معلولة مزيفة مزورة وسائلها وطرقها، أو عبر تجمع جهوي وقبلي وإثني غير راشد، كل هذه الصور تفرز في الغالب حكاماً ضعافاً غير فقهاء وغير عادلين بعيدين عن الدين والتقوى والورع وخشية الله وخوف عقاب الآخرة، وانتقام ملك الملوك وقاهر الجبابرة، الأمر الذي ذهب بالأمة إلى درك الهوان الحضاري والتخلف العلمي، لأن الناس على دين ملوكهم والرائد لا يكذب أهله.. فكيف يكون حال هذا القائد وهذا الرائد يكون حال دولته وشعبه وقومه بين القوة والضعف، ومن هنا لا أرى في هذا الزمان سوى تغليب رأي الفريق الأول الذي يرى بوجوب وإلزامية الحاكم بأمر الشورى ومخرجات الشورى الصادرة عن مجلس الشورى يتقيد بها الحاكم أو الرئيس ولا يعدل عنها لأنها ضمان لتحقيق العدالة، وهناك معضلة أخرى تواجه ما نسميه مجالس الشورى في أي مؤسسة من مؤسسات المجتمع والدولة والمعايير الخاطئة التي يتم عن طريقها اختيار أعضاء مجالس الشورى، حيث تجد نتيجة هذه المعايير الخاطئة السفهاء وبادئي الرأي والعاجزين عن عصف الذهن لإخراج الرأي السديد داخل هذه المجالس، الأمر الذي يفسد خروج القرار الصائب من داخل مجالس الشورى نفسها، وهذا هو الذي يكرس الدكتاتورية والاستبداد والتملق والتزلف ويعطل مشروع النهضة والإصلاح والتجديد وإصلاح الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع في البلاد الإسلامية، حيث يخرج من الشورى نفسها الرأي المعلول الذي لا يعين الحاكم أو الوالي أو الرئيس على سلك الطريق الأسلم لإخراج الأمة من الوهن الحضاري.
إن التزام مبدأ الشورى الواجبة واختيار القوي الأمين الورع من الولاة والحكام لتولي أمر الأمة والدولة والشعب من صفات الحاكم العادل في هذا الزمان الذي كثر فيه الظلم والغش وضيق المعيشة والفقر المدقع والحرمان الذي يولد اليوم في قلب المجتمعات الأحقاد والكراهية والشعور بمرارة الظلم والتضييق وقطع الأرزاق ـ الذي هو أشد من قطع الرقاب ـ بوسائل مختلفة وأساليب متنوعة يجمعها جميعاً «الفساد» وهذا هو الذي جعل الشعوب والمجتمعات تتقاتل وتتصارع ويهلك بعضها بعضاً.
إن هزيمة جهالات الجهوية والقبلية لا يكون بتركيز السلطات والصلاحيات في المركز أو يد الرئيس، وإنما يكون بالاختيار الصواب لعناصر الشورى التي تقدم الرأي الصواب الملزم، واختيار القوي الأمين الورع مأمون الجانب في المجتمع، وعدالة توزيع الثروة والسلطة وليس تقسيمها، وقيام ميزان العدالة في اختيار الكفاءات للوظيفة العامة، وقطع دابر الوساطة والشفاعة والتكتل الجهوي، وإصلاح حال القضاء وضمان حرية التعبير والرأي.. وتطوير وسائل الدعوة لتزكية المجتمع، وفي مقدمة المجتمع تزكية وتوعية وإصلاح منظومة التجمع الحزبي وربط الفرد داخل الحزب بالله وتقوية صلته بما بعد الدار الآخرة، لإدراك خطورة الظلم والفساد في أرض  الدنيا والذي هو خزي وندامة وحسرة يوم القيامة..
إن عنصر قوة الدولة وتعافيها سياسياً واقتصادياً يكمن من ناحية أخرى في وجود معارضة قوية راشدة من الإسلاميين خارج الحكومة لتقوية جانب الرقابة وسد الثغور، لأن معارضة القوى العلمانية تصطدم دائماً بهوية الشعب وثقافته التي لا تركن إلى الهوان والذل والوصاية والتدخل السافر في شؤون البلاد من الخارج، ومعارضة القوى العلمانية مرهونة دائماً بمواقف الخارج والعمالة والارتزاق ومخابرات السفارات.. ولكن بطبيعة الحال ليس كل القوى العلمانية كذلك، فهناك منهم الوطنيون الخلص.
ويبقى هنا مطلوب الإجابة عن التساؤل حول الاتجاه نحو تعيين الولاة من السيد رئيس الجمهورية، وهذا في الأصل الشرعي حق للإمام، لكن هل يُضمَّن هذا في الدستور أم في لوائح ونظم المؤتمر الوطني؟ وهل يشمل التعيين جميع الولاة أم فقط الولاة المرشحين من قبل الحزب الحاكم؟ لأن القوى السياسية الأخرى تتطلع إلى أن تشارك بولاة في الانتخابات القادمة!!