الحوار الوطني.. بشريات وأشواق نحو التوافق والسلام..وقيع الله حمودة شطة

منذ السابع والعشرين من يناير الماضي الذي شهد ميلاد مشروع الوثبة الذي أطلقه السيد رئيس الجمهورية انتهاءً إلى لقاء مؤتمر الحوار الوطني التشاوري الذي احتضنته قاعة الصداقة بالخرطوم ليلة الإثنين منتصف الأسبوع الماضي، لا تزال ردات الفعل الإيجابية تتوالى على المشهد السياسي والاجتماعي في بلادنا، ونأمل أن تستمر جهود الحوار السياسي الشامل بين القوى السياسية السودانية حكومة وموالاة ومعارضة، لتكتمل بشريات هذا التعافي السياسي المفاجئ الذي لو قدر له التوفيق، لا شك أنه سينتقل ببلادنا إلى مرحلة الأشواق والتصالح العام والسلام الحقيقي، الذي سوف ينزع عنا القيود والأغلال والقطيعة التي كبلتنا وهزمت مشروعات التنمية البشرية والموارد في بلادنا، وعادت بنا القهقري نحو التخلف والعوز والحرمان والتشاكس والحرب والدمار الذي خربنا به بلادنا بأيدينا فهل نعتبر؟
في الأسبوع الماضي ناقشنا قضية اللقاء التشاوري الذي جرى يوم الأحد الموافق 6 أبريل 2014 الذي مثل حديث الساعة ورفع سقوفات الأشواق والأمل ـ بعد يأس وأنين ـ في أوساط الشعب الذي يتعشم ـ كما ذكرنا من قبل ـ أن يرى قادته السياسيين والاجتماعيين والدعويين، قد نفضوا غبار السنين وعادوا بعزم متين، لنفي شوائب النزاع والشقاق وتجاوز الدوائر الضيقة التي ظلت مشغولة بأدواء الذاتية والجهة والقبيلة، حتى كادت البلاد من إفرازاتها السرطانية أن تمضي إلى هاوية الضياع، لتبقى في ذمة التاريخ أثراً وروايات بعد عين وريادة.
نعم عادت هذه الروح ونمت أشواق الشعب على صفحة الوطنية البيضاء التي روتها مُزنة من سحائب كلمة سواء التي تنادى لبروقها المحملة بالسّنا والنور «83» حزباً، بنية آن الأوان أن نهتف جميعاً وسوياً «السودان أولاً» لنطوي صفحة من الماضي المؤلم بكل ألوانه وأشجانه.
إن الحواجز والتروس التي منعت مياه التصالحات والتكامل والتعاون بين مختلف الأطياف السياسية في الحكومة وخارج الحكومة، آن أوانها في حضرة نداء الوطن العاجل، أن ترحل إلى الأبد، لنستشرف عهداً ومستقبلاً جديداً لبلادنا.. إن هذا الحوار وتلك اللقاءات التي انطلقت بين مكونات قادة الفكر والسياسة والحكم والدعوة في بلادنا، ينبغي أن تجد سنداً شعبياً من النخب والشباب والطلاب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني والرعاة والمزارعين والمهاجرين في بلاد المهجر.. سند يدفع القوى المتحاورة نحو غايات مشروع التوافق الوطني والوئام السياسي، لإنقاذ بلادنا وإيقاف نزيف الاقتتال القبلي والحرب التي دمرت الأطراف وطفق لهيبها ولسانها السام القاتل يلامس المركز والأوساط، الأمر الذي جعل كل أهل السودان الحبيب في كل مكان أن يقولوا نعم لنداء السودان.
إن الإعلام والصحافة ووسائط الاتصال بمختلف أدواتها ينبغي أن يدرك رجالها وروادها أنه لا صوت يعلو فوق صوت ملتقيات الحوار الوطني، لأجل مصالحة وطنية شاملة، وتلك غاية عظيمة لمثلها تسيل الأحبار الطاهرة، وتجري على صفحات الوطنية الأقلام الصادقة التي تعين الفرقاء وتقرب وجهات نظرهم، وتستمطر بروح الوطنية حنين القاصي المتوجس.. وتستحلب الضروع الشاردة، حتى تجود لأهل السودان لبنا سائغاً للشاربين، وتلك معركة الإعلام والصحافة، وأي الناس يحدثني عن أعظم منها شرفاً وواجباً؟!
إن المساجد، وخطباء منابرها، وقوى الدعوة من الدعاء والعلماء والشيوخ وسفراء الوعظ والإرشاد، حان لهم الوقت المناسب لتوحيد جهود الأمة أهل الاسلام أهل القبلة، وشعب السودان جزء من هذه المنظومة، فلهم أن يغتنموا نمو هذه المشاعر التصالحية، لهزيمة مشروع الشيطان التآمري.
إن الدولة والحكومة ينبغي أن تمشي بمزيد من الخطوات الصادقة والقرارات التي تجعل التاريخ يركع بين يديها مدوناً لها أسمى آيات الذكر والإطراء، وإن القوى السياسية في المعارضة ينبغي لها أن تنسى جراحات الماضي وتمد يدها بيضاء من غير سوء، لتسجل حروفاً جديدةً ونقاطاً من نور تمسح بها أحزان الزمن. أيها الفرقاء دعوا شعبكم الصابر تصير «رواكيبه» الصغيرة و«جروفه» المحدودة أكبر من  جزر خضراء ومدن.. وهنا ـ أيضاً ـ لا بد من الإشادة بحركة ونشاط القوى السياسية من خلال لقاءاتها الثنائية مع بعضها البعض، والتي من شأنها أن تزيد فرص التقارب والتفاهم والتنسيق، كلقاء حركة الإصلاح الآن بقيادة د. غازي صلاح الدين مع حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي، ولقاء حركة الإصلاح الآن مع المؤتمر الوطني، واللقاء المهم الذي جمع د. التجاني السيسي رئيس السلطة الانتقالية بدارفور رئيس حركة التحرير والعدالة مع مساعد الرئيس موسى محمد أحمد رئيس مؤتمر البجا عقب اللقاء التشاوري، وهنا لا بد من التأكيد على أهمية دور د. التجاني السيسي وموسى محمد أحمد للدفع بالحوار الوطني الشامل نحو أهداف سامية، وذلك لما أبديا من مواقف ومشاعر وطنية صادقة، ولذلك يمكن التعويل عليهما كثيراً.
والصادق المهدي يمكن أن يلعب دوراً مهماً في هذا الحوار خاصة، هو الذي ظل يدعو إلى التغيير بطرق سلمية بعيداً عن السلاح والعنف، وتلك رؤية متقدمة في العمل السياسي، والأصل في العمل السياسي النشاط السلمي والتنافس الشريف.. دكتور الترابي هو الآخر أظهر خلال مرحلة هذا الحوار مواقف مشرفة كان آخرها يوم أمس الجمعة من خلال برنامج «لقاء اليوم» بقناة الجزيرة، حين قالت له المذيعة خديجة بن قنه ـ كنت في النظام ثم  صرت معارضاً فمن أنت اليوم؟ تقصد هذه المرحلة مرحلة الحوار الوطني ـ قال: لها محاور، قالت له: قال الصادق المهدي من قبل بين كوبيكما مشكلة كيمائية!! قال الترابي وهو يضحك لا لا، بيننا نسب، ثم قال دكتور الترابي نرى أن بعض البلاد اضطربت والسودان أقل مواطنة وشعوراً بالوطنية،  فهناك قبائل، ولذلك حاولنا نستدرك الأمر، وقال نريد أن تتوحد هذه الأحزاب المتشققة حتى لا يحار الناخب أمام عشرات الأحزاب، وقال فقدنا الجنوب وهذه لا ننساها، وحين سألته المذيعة عن دارفور، قال لها وُصل بنا الجنوب وأهله عراة لا يعرفون مدنية، ولكننا فرطنا فيه وتشاغلنا بخلافاتنا الحزبية، أما دارفور لا يمكن أن تفكر في الانفصال، فهي مشتتة في السودان كله، والسودان حتى مالي شيءٌ واحدٌ.
ومن البشريات العظيمة في سبيل هذا الحوار موافقة حركة العدل والمساواة بقيادة دكتور جبريل إبراهيم على المشاركة في مشروع الحوار الوطني، وطلبت إخلاء سبيل معتقليها وهنا ندعو الحكومة أن تفعل ذلك، وهو أمر في سبيل الوطن شيءٌ يهون، وقد وجدت أصداء هذا الخبر تفاؤلاً كبيراً في جميع أنحاء السودان ودارفور خاصة، وظهر واضحاً أن جميع أهل دارفور الآن مع الحوار والسلام وإيقاف الحرب، وكذا الحال في جنوب كردفان والنيل الأزرق، ولذلك من الحصافة والوعي السياسي الإيجابي أن تدرك القوى السياسية.. كل القوى والحركات المسلحة أن هذه فرصة السلام والوئام والوصال والوفاق والتصالح الوطني الشامل، وأية جهة تتخلف عن هذا الركب الوطني القاصد إنما تعزل نفسها وتخسر رهان الشعب، وسيكون مصير سلعتها بعد اليوم البوار، فهل نعي جميعاً الدروس؟