منطقة تيري الإستراتيجية تقرر العودة..وقيع الله حمودة شطة

تقييم المستخدم:  / 0

قامت الكتلة البرلمانية لنواب جنوب كردفان بالهيئة التشريعية القومية بطواف شامل شمل محليات الولاية المختلفة في إطار التنوير والتعبئة العامة بمطلوبات الحوار المجتمعي، وقد قابلت جماهير الولاية نواب الهيئة التشريعية بهتاف ومطالبات في مقدمتها السلام وتحقيق سُبل التعايش والوئام الاجتماعي، طلباً للحياة الآمنة المستقرة والتنمية المستدامة التي توقفت بسبب الحرب وعمليات الحركة الشعبية التي فككت المجتمع وأثارت النعرات القبلية والعنصرية التي مزقت بها عرى المجتمع الذي ظل متعايشاً بسلام منذ فترة طويلة، ولذلك ارتفعت سقوف المطالبات الشعبية والمجتمعية بضرورة عودة الحياة إلى سيرتها الأولى.
وفي محلية أبو كرشولا التي هاجمها التحالف العدواني المشترك بين الجبهة الثورية والحركة الشعبية قطاع الشمال وعاث فيها فساداً خاصة في مناطقها وإداراتها الأهم مدينة أبو كرشولا وأم بركة «أم شمشكة»، ومنطقة تيري الإستراتيجية والريف الشمالي الذي يشمل منطقة «كالنج» ومنطقة «مبسوط» وما جاورهما، حيث بدأ أهالي ومواطنو تلك المناطق العودة إلى قراهما بعد البطولات النادرة التي سجلتها القوات المسلحة وقوات جهاز الأمن والمخابرات والدفاع الشعبي التي قهرت بها العدوان الثنائي وفرقت فلوله الغادرة قتلاً وطرداً وأسراً، واليوم تتنسم هذه المناطق هواء الحرية والعافية والسلام وبدأت رحلة العودة إلى القرى والفرقان والأسواق والجنائن ومناطق الإنتاج والرعي والتعدين الأهلي.. وفي أم بركة «أم شمشكة» رافق النائبان بالمجلس الوطني محمد عمر عبد الله «الملا» نائب رشاد وأبو كرشولا، وعلي إبراهيم محمد «تُرك» نائب العباسية والتضامن.. رافقا وزير الدولة بوزارة الدفاع الفريق أول ركن يحيى محمد خير لتخريج دفعة جديدة من قوات الدفاع الشعبي بأم بركة بمحلية أبو كرشولا من أجل تعزيز الاستقرار المجتمعي وإرساء دعائم العودة الطوعية والتعايش.
وفي منطقة تيري الإستراتيجية الحدودية بين محليتي أبو كرشولا والرشاد، وهي من المناطق الزراعية الغنية بموارد متنوعة زراعية وغابية وجنائن، حيث تعد من أهم المناطق في تلك الناحية لإنتاج الفواكه والخضر والفول السوداني، وغنية بحوض مائي جوفي، وإنسان مسالم منتج، وهي حلقة وصل بين محليتي أبو كرشولا والرشاد وتمثل الضلع الثالث لثلاث مناطق حيوية وإستراتيجية في الإنتاج والتعايش وهي مناطق وحدة إدارية أم بركة في محلية أبوكرشولا، ووحدة إدارية الموريب في محلية العباسية، ولذلك استقرار الأوضاع الأمنية في منطقة «تيري» يعني استقرار الأوضاع أيضاً في وحدة إداريتي «الموريب» وأم بركة الإستراتيجيتان، ولذلك من الملاحظة الأهم في هذه الناحية أن الحركة الشعبية والجبهة الثورية استهدفتا بخطة عسكرية واحدة مناطق تيري، أم بركة.. الموريب دفعة واحدة وسيطرت عليها قبل تدخل القوات المسلحة وإجلاءها بالقوة، ولذلك ظل مواطنو هذه المناطق الثلاث نازحين، والآن بعد استقرار الأوضاع الأمنية هناك يلاحظ حراك شعبي ورسمي دؤوب من أجل العودة والاستقرار، وهذه المناطق تعد أهم المناطق لإنتاج الصمغ العربي والإنتاج الحيواني في محليتي أبو كرشولا والعباسية تقلي، ولذلك هناك تنسيق أمني مشترك بين محليات الرشاد وأبو كرشولا والعباسية، وحتى الآن تم اجتماعان للجان أمن المحليات المذكورة بالرشاد والعباسية وجاري الترتيبات لعقد الاجتماع الثالث بمحلية أبو كرشولا قريباً حسب تصريحات أدلى بها العميد «م» محمد أحمد عمر معتمد محلية أبو كرشولا.
وفي الإطار ذاته التأم اجتماع تشاوري موسع لرابطة أبناء «منطقة» تيري بولاية الخرطوم بمنزل النائب البرلماني محمد عبد الله «الملا» بالدروشاب جنوب شرق شرفه العميد «م» محمد أحمد عمر معتمد محلية أبوكرشولا، ودار نقاش طويل حول برنامج العودة الطوعية وعقد مؤتمرات التصالحات من أجل التعايش، حيث أكد النائب الملا أن الكتلة البرلمانية لنواب جنوب كردفان في طوافها الأخير على محليات الولاية المختلفة كانت تواجه أولاً من قبل الجماهير بأسئلة عن السلام والاستقرار كأولوية، وأكد أن هناك جهوداً مشتركة بين الكتلة والمجلس التشريعي بالولاية وحكومة الولاية والإدارة الأهلية من أجل عودة المواطنين إلى مناطقهم واستئناف حياتهم الطبيعية، وأكد أن منطقة تيري لا بد من عودتها عاجلاً لأهميتها الكبيرة في المنطقة، وأكد أنه والنائب تُرك قد وجدا تفهماً من وزير الدولة بوزارة الدفاع من أجل عودة مواطني تيري والموريب.
العميد «م» محمد أحمد عمر معتمد محلية أبو كرشولا أكد خلال هذا اللقاء أهمية مناطق أم بركة وتيري والموريب من أجل الاستقرار، وقال نحن شركاء جميعاً في العودة الطوعية، وأكد استعداد محليته لذلك، وقال الآن مشروعات التنمية انطلقت في المحلية، وأن البنك الزراعي سوف يفتتح فرعاً جديداً له في أبو كرشولا في مارس القادم، وقال من خلال التنسيق الأمني بين أبو كرشولا والرشاد والعباسية حدث استقرار كبير، وقال نعطي ضمانات كافية لحملة السلاح من أجل العودة إلى خيار السلام. وقال إن من التحديات التي تواجه محليته قلة المال المخصص للتنمية، وأن طريقاً بطول سبعين كيلومتراً رابط بين مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان ومدينة أبو كرشولا في ولاية جنوب كردفان إن تحقق إنشاء هذا الطريق يعد المفتاح الأول للتنمية الحقيقية، ودعا المستثمرين للدخول إلى أبو كرشولا للاستثمار في الفاكهة والطماطم، وشكا من تلوث المياه داخل مدينة أبو كرشولا، في جانب السلام أكد المعتمد أن هناك استقراراً منذ سبعة أشهر بصورة جيدة، وعاد وقال لكن لا يوجد في شرطة المحلية قسم للمباحث ودعا إلى إيجاد حل لهذه المعضلة، وأكد أنه حتى الآن قامت ثلاثة مؤتمرات صلح وتعايش بين مكونات المحلية والآن المحلية تسعى لإقامة مؤتمر عام شامل لكل المكونات من أجل المصالحة العامة والتعايش، وقال إنه سوف يبذل مجهوداً كبيراً مع لجنة أمن المحلية من أجل عودة أهالي ومواطني منطقة تيري لأهميتها في المحلية، وفي ختام اللقاء تسلم المعتمد من رابطة أبناء تيري قائمة بأسماء اللجنة العليا للعودة الطوعية وأكد دعمه لهذه الفكرة التي وصفها بالضرورية والمهمة.

من أجل مشروع دولة ناهضة.. واجبُ الإصلاحِ يُنادينا..وقيع الله حمودة شطة

تقييم المستخدم:  / 0

لا شيء يضع حلولاً جذرية حاسمة لتحدياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويدوم بلسماً شافياً، غير أن نتوافق نحن بني السودان جميعاً ونهتف عملياً بلسان مقالنا وحالنا من أجل مشروع دولة ناهضة ومتطورة وآمنة ومستقرة سياسياً.. نهتف جميعاً واجب الإصلاح والوفاق ينادينا ويدعونا بشغفٍ وإلحاحٍ من أجل إنقاذ بلادٍ أثخنت الحروب جراحها، وقعد بها الشقاق والخلاف.
إن أهل السودان قاطبة اليوم تشرئب نفوسهم الطامحة إلى السلام والوئام وحسن التعايش والرفاه والتنمية العادلة ـ وهم أهل بطولة ومعالي وتاريخ وضئ في صنع الملاحم والبطولات الوطنية ـ أن تطوي مخرجات الحوار الوطني جفوة السنون الطوال بين فرقاء السياسة والفكر، وتتطلع آمالهم العراض أن تعي القوى السياسية السودانية دروس الماضي المرير، وتلتفت إلى جمع شعث وأشلاء وطن كبير مزقته النزاعات، وكسرت عظمته الحروب، ومرغت كرامته الخيانات، وذهبت بتاريخه الحافل التجارب الفاشلة والمغامرات، كفانا ستون عاماً نعبد الهوى ونضخم الذات المفردة والأحزاب الزائلة على حساب الوطن الحاضن والهوية الجامعة ـ الإسلام واللغة، ثم الأرض والنيل والغابة والصحراء، والجبال والوديان في بلد أرضها ملء النظر ذهب وفضة وكنوز وماء وخضرة وزهر، وسواعد شعب وعقول رجال بنت لأشقائنا والأمم والشعوب من حولنا مجداً ونهضة وحضارة، فكيف ولماذا تبخل هذه السواعد وتلك العقول ذاتها أن تبني مشروع دولة السودان الناهض، أو ليس واجب الأوطان ينادينا؟.. أوليس كلنا كنا ننشد سوداننا سوداننا أرض الجدود والأبي.. فيه وجدتُ مأكلي.. فيه وجدت مشربي.. سماءهُ من فضة وأرضه من ذهب.. ونيلُهُ مباركٌ يجري بماءٍ طيب؟ يا بني السودان في الداخل والخارج في الموالاة والمعارضة هلمُوا إلى السودان من أجلِ السودان الوطن الحاضن.
أقول هذا الكلام بين يدي التقرير الأخير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية الذي أتى بالسودان في المراكز 165 في ذيل القائمة، وهو مركز متأخر جداً، وهنا يبرز التساؤل إلى متى تظل الإرادة السياسية في البلاد تتجاهل مثل هذه التقارير ـ وإن كنا لا نسلّم ولا نصدق كل ما يأتي فيها ـ إلاّ أن ما تحدثه من بلبلة وغبار كثيف في المنابر الإعلامية الدولية يتطلب أن تكون هناك عزيمة وإرادة سياسية تعمل جادة لمنع اتساع دائرة آثار هذه التقارير على سمعة البلاد وعوامل استقرارها في مجال السياسة والأمن وحقوق الإنسان، وهذا لا يتأتى إلاّ بتوفير الإرادة السياسية الحقيقية الصادقة الحادبة على مشروع النهوض بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري، وهو ما اصطلح عليه الآن «ببرنامج إصلاح الدولة»، وهو عبارة عن مبادرة أتت من الدولة نفسها، وهو ما وضّح أن هناك إقراراً بقصور واضح في أداء الدولة، وهو إقرار ـ كما ذكرت ـ جاء من قبل الدولة نفسها ممّا يعني أن هذا الإقرار.. إقرار حقيقي غير ضمني، ومن هنا تتوجب حاجة الإصلاح، لأن الإصلاح عملية مستمرة ودائمة من أجل بلوغ الجودة الشاملة، ومنع تسرب أسباب الفساد إلى مؤسسات الدولة العامة وكذلك مؤسسات القطاع الخاص.
إن من دوافع الدهشة والحسرة أن هناك دولاً كثيرة في محيطنا الإسلامي والعربي والإفريقي ساهمت عقول سودانية وإداريو السودان في نهضتها الإدارية والاقتصادية ولا يزال السودان بلدهم الأول يعاني قصوراً في الإصلاح الإداري والاقتصادي، فأين تكمن المشكلة؟
يرى كثيرٌ من المراقبين من ذوي الخبرة والاختصاص في مجال الإدارة والاقتصاد وكثيرٌ من المحللين السياسيين والاجتماعيين أن فساد الخدمة المدنية في السودان كان مدخله الأول تسيس الخدمة المدنية، وسياسات التمكين التي ولدت مواقف غير أخلاقية عزز ذلك غياب الإرادة السياسية «إصلاح الدولة»، واليوم أتت الدولة لتضع مشرطها على هذه الخلية السرطانية، الأمر الذي يتطلب إخلاصاً وإرادة نافذة وجُرأة حاسمة تميط اللثام عن كل العواطف الحزبية والتنظيمية من أجل أمة وشعب بأكمله وليس أفراداً وجماعات وأقواماً قليلون.
إن على الجهاز الأعلى للإصلاح الإداري، ومجالس الإصلاح الإداري بالولايات أن يعملوا جادين على نزع واستئصال أسباب هذا التردي بإصلاح حال الخدمة المدنية التي ضربها الفساد أولاً في ركنها الأهم وهو، التعيين.. وإعادة التعيين.. والترقيات.. والنقل.. والإعارة.. والتدريب وضوابط الهرم الوظيفي الذي عاثت فيه جرائم المحسوبية والرشوة والشفاعة والوساطة والقرابات فساداً، فكثر الظلم بين الناس كقطع الليل المظلمة، لذلك عمليات الإصلاح الإداري ينبغي أن تبدأ من هنا في معالجة هذا الخلل الذي أصاب هذا الركن الأهم في الخدمة الوطنية من أجل تطوير وتحسين الأداء، وإصلاح الهيكل الراتبي حتى يكفي للحد الأدنى من متطلبات المعيشة، وتحسين بيئة الخدمة للوصول لغايات الرضي الوظيفي، وإزالة الفوارق في الأجور والحوافز بين العاملين والموظفين منعاً لاستشراء الغبن والحنق والكراهية وأضرب مثالاً بذلك هناك فرق كبير بين حوافز وبدلات منسوبي التعليم والصحة من جهة وبين منسوبي وزارة المعادن والسدود والمالية من جهة أخرى وتلك هي العوامل التي تتسبب في التسرب والتثيب والمماطلة من قبل الموظفين في مؤسسات الدولة والدواوين العامة، وهذا يستدعي توفر قيادة مبدعة وبيئة جاذبة من أجل موظف مبدع وخدمة مجودة، يلي ذلك المتابعة والمراقبة الإدارية الشاملة.
إن فصل إدارة الخدمة المدنية عن وزارة العمل والإصلاح الإداري وقيام مفوضية تُعنى بالخدمة المدنية ليس كافياً ما لم تتوفر إرادة سياسية تُحكم التنسيق والمتابعة والمحاسبة بشفافية وعدالة من أجل التنمية البشرية الشاملة وتحسين مزايا العمل والأجور والتدريب وتفعيل قرار مجلس الوزراء رقم «150» لسنة 2015م الذي وجه بتأهيل الكوادر عبر التدريب، حتى نلحق بدول من حولنا ساهمنا نحن أهل السودان في نهضتها، وهي اليوم تسبقنا بمئات السنين الضوئية!! وهنا لا يفوتني أن أُذكر بأهمية نزول برنامج إصلاح الدولة إلى الولايات، خاصة تلك الولايات التي تعاني من أزمات وكوارث الحروب، فقد اهتزت فيها معايير الخدمة المدنية اهتزازاً عظيماً، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إحكام التنسيق الفني والإداري والإشرافي بين السلطة الاتحادية والسلطة الولائية وبينهما السلطة المشتركة، من أجل سودان نتطلع أن نراه في حدقات عيون كل سوداني وإن اختلفنا سياسياً وفكرياً.

الخدمة الوطنية الفكرة التي فجرت الأمل والطموح..وقيع الله حمودة شطة

تقييم المستخدم:  / 1

> نشأت فكرتُها الخلاقة المبدعة في سنة 1997م في أجواء مليئة بالأشواك والتعقيدات، شغلت أوساط الرأي العام بكثير من أحاديث الفكاهة والقصص والامتعاض والنقد اللاذع، ومحاولات إثارة كراهية الرأي العام عليها، حيث حاول آخرون غير عاقلين أن يضعوا حملاتها في بند انتهاكات حقوق الإنسان ومصادرة الحريات الشخصية!! ونعتها آخرون متطرفون بأنها الكابوس الذي أصاب شباب وطلاب السودان في مقتل، فذهب بإبداعاتهم وطوى صفحات مستقبلهم المشرق، وذهب فريق آخر من النقّاد والكتّاب ومحركي شفرات الأنس والمؤانسة الشعبية، بأنها شردت الشباب والطلاب من حقول العلم ومظان التعلم والدراسة، ومضى آخرون ليقولوا قتلت الشباب باسم الجهاد، نعم كل ذلك قِيل وجرى في وقت اُستعمل فيه مصطلح مفخخ لوصف هذه الخدمة «الوطنية»، بأنها الخدمة الإلزامية، ولك أن تضع ثلاثة خطوط فوق وتحت مصطلح «الإلزامية»، وعندها ربما تدرك أخي القارئ الكريم لماذا نصر دائماً وندعو في كتاباتنا إلى أهمية إدراك دلالة المصطلحات اللغوية في حياتنا، والإحاطة بأثرها الفكري والنفسي والاجتماعي والسياسي والثقافي على النفس الإنسانية؟
> من قصص الفكاهة والنوادر والطرف عندما «كبس» دفار الخدمة الإلزامية مستهدفاً مجموعة من الشباب كانوا جالسين، قام أحد أعمامنا الكبار هارباً مولياً الدبر كما فر الشباب الجالسون، وفي لحظة إطلاق ساقيه للهواء خاطبه أحد المارة بقوله: «يا زول جاري مالك الناس ديل عايزين الشباب»؟ فرد عمنا الهارب: «يا زول الناس ديل ما مضمونين.. يمكن يكونوا عازين ضباط برضو».. وأحد الشباب حين صعد أعضاء حملة الخدمة الإلزامية مركبة عامة وطلبوا من الركاب بطاقاتهم، وقال أحدهم لأحد الشباب بطاقتك.. رد يا زول أنا لو نزلت نتعبكم، فتوجس رجل الإلزامية من أن يكون هذا الراكب مسؤولاً نظامياً، لكنه استجمع شجاعته وقال له بطاقتك أو تنزل، فاختار النزول، وفي لحظة ترقب منهم ماذا يفعل بهم، فما كان منه لحظة نزوله إلا وأخذ حذاءه ثم «جفل» وأطلق ساقيه للهواء وسط ذهول الركاب ورجال الحملة الإلزامية.. وهكذا هناك نوادر كثيرة وطُرف.
> نكتب هذا المقال بين يدي انعقاد المؤتمر الثالث للخدمة الوطنية بالخرطوم الذي حددت له أيام الأول من فبراير وحتى الثالث منه لعام 2016م، تحت شعار «واجب الأوطان داعينا»، وتحت إشراف السيد وزير الدولة بوزارة الدفاع الفريق أول ركن يحيى محمد خير، ويشرف الجلسة الافتتاحية بالأكاديمية العسكرية العليا بأم درمان سعادة الفريق أول ركن بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية.. أقول كما ترون كيف جاء شعار المؤتمر الثالث «واجب الأوطان داعينا»، ومن هنا يأتي التفسير الحقيقي والدلالة المصطلحية الحقيقية لمعاني وقيم ومنطلقات فلسفة الخدمة الوطنية، وليست الخدمة الإلزامية.. صحيح قد يكون صاحب هذه التجربة الرائدة الكثير من السلبيات والإخفاقات كحالة أية تجربة بشرية عند التطبيق العملي، لكن الأهم هنا أن ننظر إلى المحامد والقيم السامية التي أرستها تجربة ومدرسة الخدمة الوطنية في بلادنا، والسودان ليس بدعاً في هذه الناحية، فكثيرٌ من دول العالم حولنا تعتمد دور الخدمة الوطنية من ضمن المشروعات الوطنية للتربية والتماسك الداخلي، بل هذا عند الدول الكبرى يعد شرطاً مؤهلاً لتولي المهام الأصعب في الخدمة العامة، ففي أمريكا مثلاً كل الرؤساء الأمريكان الذين تعاقبوا على حكم أمريكا ـ تقريباً ـ أدوا الخدمة الوطنية وعملوا في الجيش الوطني الأمريكي، وهذا الأنموذج يكفي مثالاً لدور الخدمة الوطنية في بناء مشروعات الدولة الوطنية. كنتُ ممّن كان لهم شرف العمل في الخدمة الوطنية في سنواتها الأولى.. جئنا إليها عبر دورات أسامة بن زيد للدفاع الشعبي قبل انطلاق برنامج القرار «165» الذي قضى باستيعاب طلاب الشهادة السودانية في برنامج الخدمة الوطنية «عزة السودان»، حيث كنا نحن «حماة السودان» وتجولنا بين معسكر الشهيد محمد كباشي بولاية جنوب كردفان.. معسكر «تافيري» غربي مدينة كادقلي دورة أسامة بن زيد السابعة، ثم معسكر القاعدة الجوية، ثم معسكر الجيلي شمالي الخرطوم، ثم عملتُ بـ «117» إدارة إنهاء المدة مع الإخوان «بانقا» و «معتز»، ثم عملتُ بالرئاسة في الطائف مع الإخوان خالد جلال وإبراهيم جامع «ود اللواء» أيام الإخوان د. سعيد.. وجودابي.. ومحمد الحاج.. وسيف.. وموسى، ثم منسقية النقل والصيانة ومواقع أخرى، والذي أُريد قوله من هذه التجربة أن الناس والرأي العام كانوا ينظرون إلى الخدمة الوطنية من خلال استدعاء مصطلح إلزامية إلى الذهن، بأنها محض ألم ومعاناة وأيام قهر غير اختيارية، لكن الصواب عندي أن الخدمة الوطنية كانت أداة من أدوات بث الروح الوطنية والفدائية في نفوس الشباب والطلاب، ولعبت دوراً مهماً في ذلك، ومثلت رافداً من روافد التأهيل والتدريب والإعداد للشباب والطلاب عند مداخل الخدمة المدنية أو العسكرية من خلال الممارسة العملية، وأذكر أنه كان لدينا في تلك الأيام ما يعرف بالجمع الشهري في آخر خميس من كل شهر، لجميع المؤسسات والإدارات والمنسقيات والمكاتب في الساحة الخضراء، وكان فيه كثير من الربط والضبط وتجويد الأداء وتبادل الآراء والخبرات.
> والآن مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثالث ـ « يوم غد الإثنين» ـ للخدمة الوطنية، تتحدث الأخبار عن مسألة إلغاء الخدمة الوطنية بمبررات تحسن الأوضاع الأمنية، ودخول مرحلة السلام، لكن عندي هذه الدعوات غير متعقلة، فهي أشبه بدعوات إلغاء الشرطة الشعبية والدفاع الشعبي التي سادت في بعض الأوقات، وكلها دعوات متهورة غير ذات جدوى، بل عندي تعد مثل هذه الدعوات محاولة ملامسة الخطوط الحمراء التي لا يمكن للمجاهدين القبول بمسها مهما كانت طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية. إن من الضروري أن يناقش المؤتمر مسائل تطور أداء الخدمة الوطنية، حيث مازالت مطلوبات بقاء الخدمة الوطنية ماثلة حتى تحقق شعارها العام «جهاد.. بناء.. فداء»، لأن الجهاد سنة ماضية وباقية في الأمة إلى يوم الحساب، والبناء حاجة إنسانية ملحة دائمة مستمرة، والفداء.. أي وطن مثقل بالجراح ومحاط بالمؤامرات والفتن ومكايد الأعداء مثل بلادنا السودان؟ فلا بد من سواعد وعقول وطاقات بنيه في الخدمة الوطنية تبيت وتصبح سيوفاً بتّارة مشرعة في وجوه الأعداء.
> وتبقى الحاجة ملحة في المؤتمر الثالث، لايجاد منافذ ومواعين بالولايات لتقديم الخدمات لطالبيها بدلاً من السفر صوب الخرطوم.. خدمات كرت السفر.. وأمر التحرك.. الإفادة الطبية.. القمسيون.. التنسيب.. آخر صرفية.. خلو طرف.. وبطاقة أداء الخدمة.. وفترة أداء الخدمة التي حددت بسنتين لدون الثانوي، وبثمانية عشر شهراً للثانوي، وبسنة للمستوى الجامعي.. وتحتاج هذه المدد إلى زيادة مواعين الاستيعاب في المؤسسات وفقاً للتخصصات المختلفة، وذلك من خلال تطوير قانون الخدمة الوطنية الذي أُجيز في عام 2013م في ما يتصل بتخصصات الخريجين، ويحسب جميلاً للمؤسسة العسكرية التي استوعبت خلال العام الماضي ما يقارب ثمانية آلاف خريج عبر تخصصاتهم بحافز مجزٍ يصل إلى ما يقارب ألف جنيه، هذا مقارنة بمبلغ «50» جنيهاً كان يتقاضاه المجند في الخدمة الوطنية، وقد يقلص إلى ستة وأربعين جنيهاً، وإلغاء برنامج عزة السودان لنقص أعمار طلاب الشهادة السودانية عن عمر ثمانية عشر عاماً بعد تقلبات السُّلم التعليمي في البلاد شيء نؤيده، لكن يقتضي معالجة أوضاع الطلاب بعد تخرجهم في الجامعات حتى لا تحدث عمليات الهروب المقنن الذي يعطل تفعيل قانون الخدمة الوطنية.
> وتبقى الخدمة الوطنية شامة وغرة بيضاء على قوادم خيلٌ دُهمٌ، ونبلاً وشرفاً وبطولة وتضحية معطاءة تحرس ثغور الوطن من عوادي الزمان والأعداء، ومنهلاً طاهراً يسقي أفئدة شباب وطلاب السودان بجميل المكارم وشامخ المحامد، وذؤابة عزة وسؤدد على هامة هذا الشعب الأبي المجاهد.. أقول هذا ومازال في النفس شيء من حتى من ذكريات أيامي الخوالي في مدرسة الخدمة الوطنية، وتحية الوفاء والمساندة للإخوان القائمين اليوم على أمرها، وتهنئة حارة بحلول هذا اليوم التاريخي من أيام الخدمة الوطنية في بلادنا، وهي تقيم هذا المؤتمر الثالث والبلاد تتنسم عبق وشذى مخرجات الحوار الوطني «السوداني ـ السوداني» خالص الإرادة والتوجه، وتبقى الخدمة الوطنية فكرة راشدة ومبدعة فجرت الأمل والطموح في شباب السودان.