ماذا يريد اللهُ منا في شهر التغيير؟..وقيع الله حمودة شطة

هل تدبرت أيُّها القارئ الكريم وأيتها القارئة الكريمة وتفكرتما مليّاً في دلالة معاني آياتٍ ثلاث وردت في سورة النساء الجزء السادس في القرآن الكريم من كتاب ربنا العزيز؟ أدعوك أن تتدبر وتتفكر في هذه الآيات الثلاث، سوف تكتشف سراً عظيماً، وتدرك بعداً عجيباً لسنة التغيير في دلالة هذه الآيات التي بدأت كلها «بمفردة» «يريد»، عُد وانظر إليها مرة أخرى لترى هذه الحقيقة، وسر جمال هذا التوظيف اللغوي والدلالي العجيب.
الآيات الثلاث من سورة النساء، وهن الآية السادسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والثامنة والعشرون حيث يقول الحق عز وجل فيهن «يُريدُ اللهُ لُيبيّن، لكم ويهديكم سُنن الذين من قبلكم والله عليمُ حكيم» «26» واللهُ يُريدُ أن يتوب علكيم ويُريدُ الذين يتبعُون الشّهواتِ أن تميلوا ميلاً عظيماً»«27» يُريدُ اللهُ أن يُخفَفَ عنكم وخُلق الإنسانُ ضعيفاً» «28»
حين نتأمل في الصياغة اللغوية والدلالية نرى ان الآية الأولى منهن بدأت بجملة فعلية «يُريدُ اللهُ» فعلٌ وفاعلٌ، وبدأت الثانية منهن بجملة اسمية «والله ُ يُريدُ» مبتدأ وخبر، وبدأت الآية الثالثه منهن بجملة فعلية مثل الأولى «يُريدُ الله أن يخفف عنكم»، وفيهن الثلاث تحدث الله تعالى عن الإبانة والهداية والسنن الحضارية، وهي سنن مَن قبلنا من الأمم، وتحدث فيهن ـ أيضاً ـ عن التوبة والشهوات والرحمة التي دلت عليها جملة «أن يخفف عنكم»، وتتحدث الآيات عن حالة ضعف الإنسان.. وسر الإعجاز في الجمع بين هذه المفردات: الهداية، التوبة، الشهوات، الرحمة، ضعف الإنسان، ومن هنا تبدو أهمية أن نتدبر معاني آيات القرآن التي فيها العلاج والدواء والشفاء لأسقامنا البدنية والنفسية والاجتماعية والروحية.. نعم الروحية، لأن الروح التي يغذيها الدّين وفاضل الأخلاق وصالح العقيدة، تفسدها وتمرضها أمراض الشرك والكفر والبدعة والضلالة وسيئ الأخلاق والعادات، ويكون شفاؤها بالقرآن قراءة وتلاوة وتدبراً، فهذا السلوك يقود إلى الهداية والتوبة بواسطة الإبانة بعد توفيق الله تعالى وإذنه، والشهوات التي تصيب النفس حتى ترديها يبقى علاجها وشفاؤها قائماً في القرآن الكريم.. والقرآن الكريم كله حربٌ على الشهوات الضارة والمضرة، لما فيها من هلاك للإنسان وضياع، ولذلك منهج القرآن التعليمي والإرشادي والتوجهي من إحدى وسائله سوق القصص والمشاهد الواقعية التي حدثت في الأمم السابقة، وهي ما يمكن أن نسميها السنن الكونية أو السنن الحضارية للأمم.
 ومن ملاحظاتي في هذه الآيات الثلاث آنفة الذكر أن الله تعالى تحدث عن إرادتين.. إرادته سبحانه وتعالى، وهي إرادة مطلقة.. «ليس كمثله شيءٌ هو السميعُ البصير» والآيات أكدت أن لله تعالى «إرادة» .. والله يريد وهو مريد وفعّال لما يُريدُ.. وإرادة أخرى جاءت مضافة إلى اتباع الشهوات.. ولذلك فيهن دعا الله المؤمنين أن ينساقوا نحو إرادة الله تعالى ويكفوا عن الإنسياق الأعمى نحو الشهوات، لأن مع إرادة الله تعالى تكون التوبة والهداية والإنابة إلى الله تعالى، ومع اتباع الشهوات تكون الهلكة والضلالة والندم.
 حاولت وأنا أتدبر هذه الآيات اكتشاف صلتها بالصوم، فإذا بي أجد صلة قوية بين دعوة هذه الآيات، ودعوة الصوم الذي هو يدعو دائماً إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى بتأديب النفس وصونها بالصوم، الذي أصله يقرر كبت الشهوات.. شهوة البطن.. شهوة الفرج.. شهوة الانتصار للنفس بالباطل، فلا صخب ولا رفث ولا شتم ولا سب.. وشهوة الانتصار لعادات النفس المهلكة المفسدة لأصل النفس كتعاطي الخمر والمخدرات والسجائر والتمباك، وكل هذه المواد من الخبائث المحرمة في صحيح الشرع لثبوت ضررها وأذاها لبدن الإنسان وعقله.. ومن الأسف والحزن العميق أن نرى صفوفاً للناس قُبيل الإفطار أمام محلات التمباك والسجائر يشترون!! إنهم يفطرون على الخبائث والمحرمات في شهر الحلال والطيبات والتوبات.. هؤلاء ضعاف لا إرادة لهم، فهم يتبعون الشهوات، وتركوا اتباع إرادة الله نحو الخير.. إنهم ضحايا التخلف عن تدبر القرآن الكريم في شهر القرآن.. شهر الليلة المباركة.. ليلة القدر التي هي حلم الحياة كلها، ليلة واحدة خيرٌ من العيش في الدنيا أبد الدهر، ولا يكون الاستعداد لها وتحريها إلا بإتباع إرادة الله والانتهاء عن إرادة صغار الشيطان وإرادة أهل الشهوات «واللهُ يُريدُ ان يتوب عليكم ويُريدُ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً»، ليس ميلاً خفيفاً، فالقرآن يقول ميلاً عظيماً!! وعظيماً توكيد لقوة الميل نحو الشهوات التي هي إرادة أهل الباطل والضلالة.
 إن رمضان الذي أحد اهدافه حرب الشهوات تتجلى معانيه كما قال أحد الشعراء..
أتي رمضان مزرعة العباد.. لتطهير القلوب من الفساد
 فأدّ حقوقه قولاً وفعلاً.. وزادك فاتخذه للمعاد
 فمن زرع الحبوب وما سقاها.. تأوه نادماً يوم الحصاد
ولعل أخطر فساد القلوب في رمضان، فساد العقيدة الذي يحبط العمل، فلا صلاة ولا زكاة ولا صدقة وصيام مع شرك بالله وكفر به وبدعة مضلة مخرجة من الملة، لذلك نقول ماذا يُريدُ الله منا، وكيف يكون رمضان شهر التغيير؟ أقول رمضان طمأنينة ويقين، وقوة تحمل وصبر وعودة إلى طريق الله اختياراً لا كرهاً.. ولذلك رمضان باختصار جمل قصيرة، هو استقبال بإيمان واحتساب.. صيام وقيام بإخلاص.. اتباع للسنة وتدبر للقرآن.. اغتنام لفرصة الوقت.. تقوى وإنابة وتوبة نصوح.. تهذيب للأخلاق والتخلص من سيئ العادات.. ذكر ودعاء لله تعالى بالحاح وثقة.. صلة للأرحام والإخوان.. عفو وتجاوز عن الأعداء.. مراقبة للسمع والبصر واللسان.. صون للنفس عن الشهوات والحرام.. اعتكاف في المسجد وصبر ومجاهدة.. شكرٌ لله تعالى وثناء، فهو رب رمضان.. وجودٌ وتصدق إحياءً لسنة سيد المرسلين، فهو خير من صام من عباد الله تعالى، كان كريماً جواداً في كل أحواله، وكان في رمضان عندما يأتيه أمين الوحي جبريل ـ عليه السلام ـ يدارسه القرآن.. والمدارسة أعظم وجوهها التدبر ـ كان عليه الصلاة والسلام عند تلك الحال يكون أجود من الريح المرسلة.. ورمضان يعني إنارة القلب قبل البيت والمسجد بالقرآن الذي جزاؤه عند الله تعالى غير محدود.. وهو فرصة العمر التي تقود إلى باب الريان في جنات الخلد والرضوان.. اللهم تقبل منا إنك أنت السميعُ العليم.

كأنهم أرادوها أن تكون حكومة الظلام والعطش والحسرات!!..وقيع الله حمودة شطة

المعاناة الجاثية على صدر حياة المواطنين في ولاية الخرطوم معاناة ممتدة ومتعددة الأقطاب، أثرت تأثيراً قوياً ومباشراً على الأوضاع الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، واضحت المغذي الرئيس لاتساع دائرة الجريمة وحالات الاضطرابات اليومية في المكون الاجتماعي، والسبيل المباشر لتمدد كارثة التفكك الأسري والتشرد، وارتفاع حالات الطلاق وتراجع معدلات الزواج.
 مرحلة ما بعد الانتخابات وإنتاج الخطاب السياسي والتعبوي والتحريضي المعارض والموالي، كما جرت الأحوال سابقاً في مثل هذه المناسبات، حملت هذه المرحلة شيئاً من الأمل والتطلع نحو غد جديد مشرق، يضع حداً لدوام المعاناة في أركان أساسية لا يمكن للانسان بأي حال من الأحوال الاستغناء عنها والعيش بدونها، ذلك لأنها من ضروريات الحياة بفقدها أو اختلال طبيعتها يتوقف ناموس الحياة وينذر بالفناء والزوال.
 من أهم هذه الضروريات الماء والطعام والأمن  والصحة والتعليم، وتكاد لاتوجد دولة في منظومة العالم الفسيح تغفل في تخطيطيها الإستراتيجي المستقبلي دعم وتنمية وتطوير وبناء البنيات الأساسية لهذه الضرورات الملحة.
إن خطاب رئيس الجمهورية أمام الهيئة التشريعية القومية ليلة التنصيب لولاية رئاسية جديدة، كان قد ركز بصورة مباشرة ومكررة على أهمية وضع حد لحالة القتل البطئ في وسط الشعب بفعل معاناة كسب العيش الحلال.. ومواجهة الفقر والحرمان والعطالة التي جثت على حياة الناس، حتى بلغت درجة الأزمة والكارثة الأمر الذي يستدعي قيام ارادة سياسية قوية في الرقابة والتخطيط والتنفيذ والمتابعة، لإنقاذ حال الناس المتردي، وهو التحدي الذي يواجه أجهزة الدولة الجديدة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية وحتى القضائية، حيث يأمل في الأخيرة صيانة الحقوق ورد المظالم وحماية العدالة الاجتماعية وفرضها بقوة القانون، وتعقُّب كهوف الفساد، ويأمل في الأولى النهوض بمسؤولياتها الوطنية في التشريع السليم والرقابة الحقيقية بعيداً عن الوصاية وإرهاب الجهاز التنفيذي الذي يلجأ إليه بعض شاغليه خرقاً للدستور والمبادئ الأخلاقية الهادئة، هذا الإرهاب الذي يتطور أحياناً فتتولد منه مراكز قوة تصبح عدواً للإصلاح والشفافية وحماية الحقوق العامة.
ولاية الخرطوم، وهي أم الولايات.. مقر الجهاز السياسي والتنفيذي والتشريعي الاتحادي، وأغنى الولايات باعتبارها عاصمة البلاد، استقبل مواطنوها في أجزاء واسعة من الولاية التشكيل الوزاري الجديد رغم الوعود والتفاءل والآمال بما يشبه أن نطلق عليها «حكومة الظلام والعطش»، حيث تلى التغيير في أجهزة الدولة موجة معاناة عاتية أرخت بسدولها على حياة الناس في ولاية الخرطوم، الأمر الذي يجعل التفكير يتجه نحو كأنما هناك جهة منظمة رتبت لمضاعفة المعاناة التي ظلت سادرة على مشهد حياة الناس، حيث ضرب الظلام بفعل الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي أجزاء واسعة من الولاية، خاصة الريف الشمالي لمحلية بحري في مناطق الدروشاب والسامراب والكدرو وام القرى، ومثله حالة جفاف قاتلة في المياه، وكذلك الحال كان له قرين في بعض أجزاء محلية الخرطوم الجنوبية ومناطق أخرى من أم درمان وأم بدة، الأمر الذي جعل والي الخرطوم الجديد الفريق أول ركن عبدالرحيم محمد حسين يصدر قراراً بإعفاء مدير مياه ولاية الخرطوم في إطار تدابير إدارية لوضع حد لحالة العطش التي جعلت بعض الناس صائمين بالليل كحالهم بالنهار في هذا الشهر الكريم «رمضان».
 إن المعاناة يا السيد والي الخرطوم سعادة الفريق اول ركن عبد الرحيم ليست مقصورة على خدمات المياه، فحسب، لكن الكهرباء أيضاً وخاصة في الريف الشمالي لبحري الذي ذكرته قبل قليل، حيث ضعف التيار الكهربائي اليومي الذي أضر بأجهزة المواطنين، التي حصل عليها بعضهم بعد معاناة طويلة في «الأقساط، والصناديق»، لكن لم تكتمل فرحتهم بها بسبب حرائق الكهرباء الضعيفة والمتذبذة، وهناك تهاون واستهتار في بعض مراكز توزيع الكهرباء ببلاغات المواطنين، ومنها على سبيل المثال قصة مواطن وهو أمام مسجد بحي الأحامدة شمال أم ضريوة واسمه «الخير محمد عبده» قطعت الكهرباء عن منزله بفعل توسعة الطريق منذ «9» شهور، وقام بدفع تكاليف الإصلاح والمعالجة وتردد على مكتب البلاغات عشرات المرات، لكن مكتب كهرباء الحلفايا لم يرفع رأساً لهذا النداء!! وهذا مثال لعشرات أمثلة معاناة المواطنين مع خدمات الكهرباء والمياه.. والمعاناة القاتلة الاخرى هذه الايام أزمة المواصلات التي فشلت ولاية الخرطوم ممثلة في حكومة عبد الرحمن الخضر السابقة ان تجد لها حلاً، فترك حبلها على القارب!! لكن الجشعين واصحاب النفوس الضعيفة من اصحاب المركبات العامة وفيهم «جوكية» استغلوا هذا الفراغ الاداري والرقابي، فصاروا يتحركون بمزاجهم في الاتجاه الذي يريدون، ويتوقفون بمزاجهم ، ويزايدون في اسعار «التعرفة» حتى صارت مضاعفة في بعض الخطوط نتيجة «حيل اجرامية» ابتدعوها. فمثلاً على سبيل المثال الراكب القاصد الدروشاب او الكدرو أو أم القرى وبعض مناطق الريف الشمالي عليه ان يدفع قيمة مضاعفة، قيمة تذكرتين لان العاملين في هذه الخطوط وآخرين من خارج خطوط السير قسموا المسافة بجعل محطة «كبري» الحلفايا آخر محطة، فعندما تأتي إلى الموقف تجد كل اصحاب المركبات العامة ينادون«الكبري.. الكبري» ويأخذون تعرفة الخط كاملة، وليس تعرفة خط الحلفايا باعتبار الكبري يقع داخل الحلفايا.. وبعد تفريغ الركاب، هذه المركبات نفسها ينادي اصحابها من جديد الدروشاب، الكدرو زلط.. ام القرى شمال.. او الجيلي، فيضطر من نزل منها قبل قليل العودة الى الركوب عليها من جديد، وبفاتورة جديدة، وقس على ذلك الحال أحوال أخرى في أجزاء متفرقة من الولاية، ناس الحاج يوسف يقولون «الحلة».. وناس السلمة ومايو، يقولون«الصينية».. وناس الشعبية من الخرطوم يقولون «بحري».. وناس الدروشاب والسامراب من الخرطوم يقولون «اللستك».. وبعضهم من قلب الخرطوم يقولون «الوزارة وصينية بري» وهذه الامثلة يوجد لها نظير في اغلب خطوط مواصلات ولاية الخرطوم، فالله المستعان!!.
 لكني اعتقد ليس الفساد والتقصير صادر عن بعض الولاة والوزراء والمعتمدين لضعف المتابعة، والمراقبة والاخلاص في العمل فحسب، لكن الفساد الأكبر والطامة الكبرى في وجود بعض المديرين العامين في كثير من مؤسسات القطاع العام وكذلك القطاع الخاص.. هؤلاء المديرين العامين الفاسدين من كادقلي الى دنقلا، وما بينهما، ومن الجنينة إلى بورتسودن وما بينهما، هم من مصوا دماء هذا الشعب وهم الذين يتسببون في سيل عرق جبين هذا الشعب.. هؤلاء الفاسدين يشكلون شبكات محكمة الإجرام يصعب اختراقها، ولذلك بعض الولاة والوزراء والمعتمدين الضعاف لا سبيل أمامهم سوى التعايش مع هؤلاء الفاسدين بطريقة أو أخرى!!
إن هؤلاء المديرين العامين الفاسدين في مؤسسات الدولة المختلفة هم أس الداء والبلاء والغلاء والمعاناة، فلابد من تفكيك هذه القوى الظلامية المتخفية تحت أستار الخدمة المدنية.. هؤلاء الفاسدين لهم تجارب ضخمة في كيفية تعطيل تنفيذ قرارات الإصلاح، وقرارات تطوير الأداء ليس تلك القرارات الصادرة عن مكاتب المعتمدين والوزراء والولاة فحسب، بل حتى تلك القرارات الصادرة عن رئاسة الجمهورية ومكتب الرئيس نفسه، ومن هنا تأتي التساؤلات ومحط التفكير في الأزمة.

وضع جنوب كردفان بقيادة اللواء عيسى في ولاية البشير الخامسة..وقيع الله حمودة شطة

جرت في بلادنا خلال أواخر شهر مايو وأوائل شهر يونيو أحداث كبيرة مهمة غيرت كثيراً من صور وأنماط الحياة السياسية والإدارية على مشهد الساحة الوطنية السودانية، بيد اننا في «الإنتباهة» حزينون.. وآسفون.. ونعتذر للإخوة القراء الكرام عن غيابنا القسري الذي حرمنا من المشاركة بالتحليل والتوصيف لاحداث كبرى بدأت بانعقاد جلسات المجالس التشريعية المنتخبة بولايات السودان المختلفة، تلتها جلستا مجلس الولايات والمجلس الوطني، حيث تم فيها اختيار الدكتور عمر سليمان آدم رئيساً لمجلس الولايات، والبروفسيور ابراهيم احمد عمر رئيساً للمجلس الوطني، وهاتان الهيئتان تمثلان الهيئة التشريعية القومية التي ادى امامها السيد رئيس الجمهورية القسم متعهداً امامها ومشهداً الله ثم الشعب السوداني بأنه سوف يلتزم بتطبيق الشريعة وتحقيق السلام والأمن، وان يكون خادماً للشعب معتنياً باحواله المعيشية، واقامة العدل وتعزيز العدالة الاجتماعية بإنشاء مفوضية للشفافية ومكافحة الفساد، متكئة هذه الاصلاحات على برنامج اقتصادي قاطرته الساحبة له على واقع الحياة الزراعة، وهذا هو مبعث الأمل والسعد المرتقب الذي تشرئب إليه نفوس اهل السودان، بأن ترى النور في ولاية البشير الخامسة من حكم السودان، والتي تبدو حكومة الفرصة الأخيرة للنهوض ببرنامج وطني حقيقي يرتب اولويات المستقبل للبلاد والاجيال القادمة، وإلاّ فالطوفان الذي يعني انكسار عمود مشروع البعث الحضاري الجهادي التأصيلي.
 مبعث الحزن عند اهل «الإنتباهة» اننا غطينا ملف الانتخابات بمهنية وشمولية مبعثها الولاء الوطني الخالص، وشمل التحريض الايجابي لفئات الشعب للمشاركة في الاستحقاق الدستوري، وسند اعلامي دعائي وتعبوي تثقيفي عريض، لكن غُيبنا في مشاهد تنصيب الرئيس الحدث الأكبر الذي شهده العالم بأسره ودفقت فيه الأحبار، وغاب حبر اقلام «الإنتباهة» الاستراتيجية!! وهذا مبعث ذاك الحزن، وان يضيق صدر الدولة بعد الحديث المطول عن قيام محكمة الصحافة والالتزام بتنزيل توصيات مؤتمر الاعلامي الأخير، ووضوح فكرة المسؤولية المشتركة بين الدولة والصحافة، وميثاق الشرف والعقود الصحفية، والجدوى النافعة لأهمية تهيئة المنصات داخل النفوس للحوار الوطني الذي يكون عبر الكلمة المكتوبة والمنطوقة، وكل هذه المرتكزات محفز آمن وجُنة من سيف الإيقاف، وهذا هو مبعث الأسف ذاك!!
 فكرة هذا المقال مخصصة جوانبها لقراءة استشرافية لمستقبل الوضع السياسي والأمني لولاية جنوب كردفان في ظل ولاية المشير البشير الخامسة التي تقوم على  ثلاثة مرتكزات اساسية هي: الأمن والسلام، واصلاح احوال معيشة الشعب، والعلاقات الخارجية.. وولاية جنوب كردفان اكثر حاجة الى تنزيل هذه المطلوبات الكلية هذه من جهة، ومن جهة أخرى اختيار الأخ اللواء امن الدكتور عيسى آدم ابكر والياً على ولاية جنوب كردفان خلفاً للمهندس آدم الفكي محمد الطيب الذي ذهب والياً الى ولاية جنوب دارفور، وبين جنوب دارفور وجنوب كردفان تشابه والتقاء، وكلاهما على حدود شريط دولة جنوب السودان «المعادية» من جهة اخرى مدعاة لتسليط الضوء على بعض القضايا.. مطلوب من آدم الفكي ان يوسع صدره لمواجهة تحدي الصراع القبلي وحرب العصابات، ومطلوب من عيسى آدم أن يواجه بعبقرية وحكمة تحدي بناء السلام والاصلاح الاداري والسياسي والتنظيمي.
 ولاية جنوب كردفان التي صمد مواطنوها إبان فترة الانتخابات الاخيرة، وحققت نجاحاً في السباق الدستوري المفصلي بنسبة فاقت ولايات كثيرة ومنها ولاية الخرطوم الآمنة المستقرة مركز الحكومة الاتحادية، جديرة بأن يشد الرحال لإدارتها في جهازها التنفيذي والسياسي رجل بقامة اللواء الدكتور عيسى آدم أبكر، ولذلك الولاية تتزين وتتهيأ هذه الايام، وهي مستبشرة بقدوم واليها الجديد.. عيسى آدم أبكر، وهو من مواليد ولاية جنوب دارفور، وعمل بجهاز الأمن والمخابرات الوطني، ومحاضراً باكاديمية الأمن العليا، ويحمل درجة الدكتوراة في التخطيط الاستراتيجي، وعمل لفترة طويلة في جنوب كردفان، ويعرف دروبها جيداً، واتاها زائراً كثيراً، وتولى إدارة محافظة السلام، وعمل مديراً للإدارة السياسية بهيئة الجنوب، وقنصلاً ببورندي، وكان قريباً من ملفات رواندا وكينيا ويوغندا، ومن دواعي البشرى ان دراسته في رسالة الدكتوراة بحثت في مشروع قيام دولة جنوب السودان وتأثيره في الأمن القومي السوداني، ولذلك ان يكون والياً في تلك الثغرة في هذه الفترة شيء مطلوب، ويحمد للسيد رئيس الجمهورية أن يهب اهل جنوب كردفان هذه الهدية الغالية، ومقدم اللواء الدكتور الاخ عيسى آدم ابكر من ولاية جنوب دارفور التي كان يشغل فيها وزير التخطيط العمراني وعضو لجنة الامن فيها، وهو من شباب الحركة الإسلامية، يحمل رؤية وروحاً اصلاحية خلاقة، ونراهن على مؤهلاته العلمية والمهنية والقيمية بأن يحدث تغييراً جذرياً في شؤون ادارة جنوب كردفان.. واول هذه «البسط» ان هناك ارتياحاً وقبولاً وتأييداً كبيراً سوف يوشح به أهل جنوب كردفان صدر الأخ الوالي الجديد.
واول تصريح للواء عيسى والي جنوب كردفان المعين استمعت اليه في لقاء نواب ولاية جنوب كردفان على شرف هذه المناسبة بالنادي الوطني بالخرطوم، أكد أن أهم شيء صدق النوايا والجدية والمسؤولية من الجميع، ثم يأتي بعد ذلك التوفيق من الله تعالى، وقال إنه لا بد من لسان واحد وقلب واحد وحال واحد، مؤكداً اهمية وصول رسالة السلام للشعب والمتمردين معاً، وقال إننا فقط نبقى ناس مسؤولين، وقال انه حريص على مقابلة كل فئات الولاية، وحريص على تقوية الشراكة مع الاحزاب والقوى السياسية، وقال في هذه الناحية إن ما يقوم به بعض زعماء الأحزاب شيء لا يزدرى، واضاف رؤية مهمة حول قضية تمثل بيت الداء العضال، حين قال: لا بد من محاصرة الوالي بالحق ومتابعة الوزراء والمعتمدين، لأن المسؤولية مشتركة، وقال: نطلب منكم ان تقومونا بالمناصحة، وفي تقديري تلك القيم مثال لقائد صادق رائد، واكد اهمية الشفافية والحرب على الفساد.
 اعتقد أن المطلوب من الأخ الوالي اللواء الدكتور عيسى بجانب إيلاء ملف السلام والأمن والتصالح الاجتماعي اهمية قصوى لا بد من اجراء اصلاح حقيقي في الجهاز السياسي والتنظيمي، واختيار وزراء ومعتمدين من ذوي الكفاءة والصدق، واجراء اصلاح اداري في الخدمة المدنية وتفتيش مؤسساتها، وتقوية منبر الولاية الاعلامي على مستوى الولاية والمركز، حيث أن هذه الحلقة ضعيفة جداً، واجراء جراحة ادارية حقيقية في صندوق دعم السلام بالتنسيق مع رئاسة الجمهورية لأنه رافد مهم لبناء السلام، ولذلك أنشئ.. وهو الآن في «كبوة»، وتطوير الاداء والارتقاء به في اذاعة وتلفزيون الولاية حتى تصل رسالتهما الى كل اتجاهات الولاية وخارجها، واهمية وضع نهاية لتحديات قيام الطريق الدائري الذي يمثل المنقذ الأول لمشروع الولاية الامني، ومكافحة العطش في اجزاء واسعة من الولاية، وايجاد جسم تنسيقي شعبي ورسمي لابناء الولاية بالمركز لتقديم مبادرات خلاّقة لتنمية الولاية، وفرض هيبة الدولة والحكم بالقانون، واعادة النظر في عمل واداء المنظمات الإنسانية، والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة والسلطة بين مكوني الولاية الجهويين الشرقية والغربية، وهذه النقطة موضع جدل حتى على مستوى المركز الذي لم  ينصف حتى الآن الشرقية في السلطة والتنمية، وهناك باب واسع ومقدرات عالية للولاية في مجال السياحة والزراعة والرعي والتعدين وتفجير طاقاتها يثير الدهشة والعجب.
وعلى كل حال ذهب السيد الوالي حاملاً لجنوب كردفان بشرى قوامها المسؤولية والصدق والتضرع بالدعاء، وتقابل هذه البشرى بشرى عنوانها الترحيب العالي.. والأمل في أن نرى جنوب كردفان آمنة مستقرة ناهضة نامية جذابة تقر العين.