حوار الحرية في وزارة الإعلام «2»..وقيع الله حمودة شطة

هدفنا في المقال السابق أن نناقش مصطلح ومفهوم الحرية هل هو مطلق أم مقيد؟ أي: هل الحرية في الكتابة والخطابة والسلوك والتصرفات الخاصة والعامة شيء مطلق، لكل إنسان له أن يتخذ الموقف والفعل الذي يريده ويمليه عليه فكره وهواه، أم هناك ضوابط وقيود ومسؤولية أخلاقية وقانونية وشرعية لها اتصال قوي بالفطرة والضمير ومستوى الوعي لدى الإنسان هي التي تمثل ميزاناً حاكماً للإنسان عند تعامله مع مفهوم ومصطلح الحرية؟
ورأينا من خلال تلك المناقشة التي اخضعناها لوجهات النظر الفلسفية والعقلية والقانونية والشرعية، واستنتجنا من الأمثلة التي ضربناها في قضايا تتعلق بحرية الأحوال الشخصية في الزواج والطلاق، حرية اختيار الأطعمة والأشربة، بل قضايا الديانة والعبادة والاعتقاد والعمل والهجرة وغيرها، أن كل هذه الموضوعات تتصل بالحرية ولكنها تخضع لضوابط وقيود، الأمر الذي يقوي لدينا الاتجاه الذي يرى أنه لا يمكن أن توجد الحرية في منحى من مناحي الحياة حرية مطلقة غير مقيدة، وهو أمر يخالف بوضوح الفطرة السليمة وروح الشرع والقانون، بل لا تقره أيضاً النظريات الفلسفية والعقلية والتجربة التاريخية الإنسانية الطويلة، وعليه نقرر أنه لا توجد حرية مطلقة في أي فعل أو سلوك أو توجه فكري أو سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، وإنما حرية بضوابط وكوابح وموانع وحدود، وهذا يبدو واضحاً عندما نناقش طبيعة العلاقة بين الحقوق الفردية والحقوق العامة، والمصالح العامة، والمصالح الفردية و ـ أيضاً ـ عند مناقشة مفهوم المسؤولية ما هي؟ هذا الاستنتاج يوصلنا إلى نقطة أن الحرية مقيدة ولا يمكن أن تكون مطلقة حتى لا يسوء استخدامها في السلوك والفعل والقول العام والخاص، ويقوي أهمية المسؤولية الفردية، والمسؤولية العامة في السياسة والفكر والحكم والإدارة والإعلام ووسائل الاتصال والصحافة، والجدير بالذكر هنا لفائدة القارئ العلمية أن مصطلح الاتصال أوسع دائرة من الإعلام والصحافة،. وما الصحافة والإعلام من حيث الدلالة والمفهوم إلاّ شجرتان وارفتا الظل في حديقة الاتصال الزاهية الزاهرة، ولكن تفشى في الاستعمال الحديث استخدام مصطلحي الإعلام والصحافة على حساب مصطلح «الاتّصال»، فيقال وزير «الإعلام»، ويقال «الصحافة» كونها مهنة تتصل مباشرة بالمدونات والمكتوبات والدوريات والصحف السيارة والصحف الحائطية «الجرائد».
في منتدى الحوار المفتوح الذي نظمته وزارة الإعلام الاتحادية تحت عنوان «الإعلام بين الحرية والمسؤولية» كانت هذه الفكرة فكرةً جيّدةً تتفق مع الاتجاه العام في البلاد في ما يتصل بقضية الحوار الوطني العام، الذي يتنادى إلى مجلسه ومائدته أهل السودان جميعاً، وأن وزارة الإعلام بحكم التخصص والمهنية والمهام من حقها أن تكون في رأس رمح تلك التوجهات، خاصة في ما يتصل بتنوير الرأي العام وتوفير المعلومات، والسعي مع جهات أخرى ذات صلة لتهيئة أجواء الحوار الذي يأخذ فيه الإعلام نصيب الأسد، ووزارة الإعلام هي المسؤول الأول عن الإعلام وقضاياه، وبالتالي من حقها أن تنظم مثل هذه اللقاءات وغيرها، ولذلك من سفاهة العقل والجهل أن يعترض بعض الإعلاميين والصحافيين على تنظيم مثل هذه اللقاءات، بل أكثر سفهاً أن يتصدى إعلامي معروف ـ كان رئيس تحرير صحيفة قبل توقفها ـ ويعتبر أن كتم الحريات والمصادرات ومراقبة الصحف يتم بسبب وجود وزارة الإعلام، وطالب برحيل هذه الوزارة كشرط من شروط استرداد الحرية الصحفية ونجاح الحوار! وأعتقد هذا خطل وعوار بالعين، بل ضعف نظرٍ واضحٍ وتلك مصيبة!!
نعم نحن بقوة مع الاتجاه القائل لا بد من إبعاد الأجهزة الأمنية من مؤسسات الصحافة والإعلام، وذلك لأجل رفع القيود والقوانين المعيبة التي تعكر صفو العلاقة بين الإعلام والسياسة والدولة، بل ينبغي ـ ولمصلحة الوطن وإدارة حوار عام مسؤول يفضي إلى التوافق الوطني والاستقرار السياسي الشامل وبناء السلام الحقيقي ـ ينبغي ألا يشم الناس رائحة الأجهزة الأمنية في مجلس الصحافة والمطبوعات، لجهة أنه مؤسسة مهنية وإدارية متخصصة تنتمي للدولة لا لنظام بعينه، حتى لا تتعطل صلاحياته وتتجمد، وأن يكون الفصل عند النزاع بين الإعلام والدولة أو أية جهة أخرى هو القضاء، وميثاق المسؤولية الفردية لأهل الإعلام والصحافة.
حديث الأخ وزير الإعلام دكتور أحمد بلال عثمان في هذا الحوار حمل كثيراً من البُشريات التي لو رأت النور لتقدم الحوار بين الإعلام والسياسية والدولة خطوات مهمة، ونشأت علاقة قوامها المسؤولية التي تحقق مصلحة البلاد.. حيث قال السيد الوزير في هذا اللقاء: «حرية التنظيم والعمل السياسي، وحرية الصحافة قد كفلت تماماً والمزيد يأتي»، واعتقد هذا انفراج جيّد يهيئ لحوار مسؤول. وقال ـ أيضاً ـ  الإعلام الرسمي والخاص له حق الحرية الكاملة دون تمييز لحزب حاكم أو غيره، وأضاف «كلنا مسؤولون أن نهيئ الرأي العام بمسؤولية» وهذا كلام لا غبار عليه فأين لازم النقد والهجوم الذي مارسه بعض المتكلمين الذين حاول بعضهم تحميل وزارة الإعلام وزر الكبت والمضايقة التي تتعرض لها الصحافة، وهم يعلمون أن هنالك جهات أخرى خارج الوزارة لها تدخل سالب في تلك القضايا، وهنا نحن لا نريد أن نقف مدافعين عن جهة ما، ولكن نريد أن نكون منصفين للناس، من أساء يُسأل ومن أحسن يُشكر دون أن تأخذنا في الحق لومة لائم.
السيد وزير الإعلام ـ أيضاً ـ أضاف قائلاً: «نريد للصحافة أن تتناول قضايا الحوار»، وقال في بداية حديثه إن هناك أصلاً شراكة قائمة بين وزارة الإعلام والصحافة، ولذلك قال: «نريد أن نخرج من دائرة الشك والظن ـ إلى إبداء حسن النية والمسؤولية ـ وقال: «من المسؤولية توخي الدقة في النقل»، وقال: «ينبغي أن نهيئ لنا ولغيرنا مناخاً يساعد في إتمام الحوار» أليس هذا كلاماً طيباً ومسؤولاً أين العيب فيه؟ حيث قام أحد الإخوان من الإعلاميين ليقول على رؤوس الأشهاد: لا نريد شكراً من الوزير ولا نريد منه أن يشيد بالإعلام خلال الفترة الماضية، وحسب فهمه اعتبر تلك وصاية تمارسها الوزارة على الإعلام؟! وأعتقد هذه مطوية سوء ليس إلاّ.
لعل الأخ وزير الدولة بالإعلام ياسر يوسف أثناء التقديم حين قال «نريد إعلاماً وطنياً عالي المهنية» كان يقصد تماماً أهمية أن تسمو المسؤولية الفردية لدى الإعلامي في هموم الوطن إلى مستوى الإخلاص والولاء الذي ينهض ببلادنا.. نحن مع الحرية الصحفية، ومع أهمية أن توفر الدولة المعلومات الكافية للصحافة لأنها المالك الحقيقي للمعلومة، ونحن ـ أيضاً ـ مع حماية حقوق النشر بالقانون ومنع تدخل الأجهزة الأمنية على حساب القضاء، ومجلس الصحافة والمطبوعات واتحاد الصحافيين، ولأجل امضاء هذه الحرية والمسؤولية من قبل الدولة والإعلام وشركاء الصحافة.. نريد ـ أيضاً ـ بكل وضوح أن يرتقي بعض الإعلاميين إلى المسؤولية الوطنية التي تُنجح الحوار الوطني وتنتهي به إلى غاياته التي يتطلع إليها الشعب السوداني، وهذا لا يتأتى إلاّ بإعلام وطني نزيه.. أقول هذا لأن هناك بعض الإعلاميين والصحافيين عملاء لدوائر خارجية معادية ومرتزقة ومرتشون لدى دوائر وسفارات ودول معادية، فلا يمكن أن يستقيم الظل والعود في بعض جوانبه أعوج!
إن ما قدمه الهرم الإعلامي محجوب محمد صالح خلال حديثه في هذا الحوار الإعلامي يصلح أن يكون قواعد أساسية صالحة لتكييف مفهوم الحرية، وذلك حين قال: القيود ينبغي ان تكون قانونيةً ومدروسةً ومطبقةً في العالم في مجال الإعلام، وأضاف قائلاً: على الحكومة أن تلتزم بالوثائق والعهود الداعية إلى حريات الصحافة والكتابة والتعبير، وأن يصبح الحكم بين الصحافة والحكومة هو القانون، وقال: تسأل الأجهزة السياسية عن قضايا الإعلام، وليس الأجهزة الأمنية، وقال هذا القرار صدر سنة «1946م» قبل الاستقلال، ولكن بعد «70» سنة عادت الحالة عكسية ـ وقدم نصحاً ثميناً حين قال: «ينبغي تجنب الانقسام داخل الصحافيين بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية، وتطوير الذات والتأهيل، والالتزام بأخلاق المهنة وسلوكياتها، والتزام المؤسسية والتدريب، وقال الصحافة اليوم تتعرض لتجريف نتيجة دواعي الرقابة والمصادرة».
ونخلص بعد هذين المقالين إلى حقيقة مهمة، وهي أنه لا توجد حرية مطلقة، وينبغي على الدولة أن تفوض القضاء النزيه ليكون حكماً عدلاً بين الدولة والصحافة، وكفى بعد الآن من مصادرة حقوق الصحافة بقوانين تخالف الدستور والمادتين «27»، «39» من دستور 2005م، ونأمل أن نرى إعلاماً وطنياً مخلصاً حراً، فكل هذه الخطوات تقود ـ إن شاء الله ـ إلى حوار وطني شامل بناءٍ يحقق حلم أهل السودان، ولمثل هذه الغاية العظيمة فليعمل الكل.