آلية أهل الشأن.. آن الأوان..وقيع الله حمودة شطة

فشلت تسع جولات عجاف من التفاوض بين الحكومة من جهة وما يسمى قطاع الشمال من جهة أخرى، تحت رعاية ووساطة آلية عاجزة أحياناً كثيرة ومنحازة أحياناً أخر لقطاع الشمال، لأنها لم تسجل حتى الآن صوت إدانة رغم اعتداءاته المتكررة على المدنيين في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وارتكابه جرائم حرب ضد الإنسانية باعتراف وإدانة الإدارة الأمريكية ممثلة في سفارتها بالخرطوم من خلال بيان أصدرته بعد الانتهاكات والجرائم الخطيرة التي ارتكبها قطاع الشمال في مناطق تلودي، قدير، الرحمانية والليري بجنوب كردفان ضد المدنيين والمعدنين في مناجم الذهب التقليدية، حيث قتل وسلب ونهب وإرهاب.
فشلت هذه الجولات التسع المذكورة وأكلت مماطلاتها وابتزازاتها ومتاجرتها الرخيصة التي يمارسها قطاع الشمال على حساب شعبي جنوب كردفان والنيل الأزرق ــ كعهده دائماً ــ حبال الصبر والأمل والثقة في الوصول إلى حل سياسي يخرج الولايتين من كوارث الحرب والتدهور الاجتماعي والاقتصادي، وتوقف التنمية وانهيار بنياتها القائمة من قبل، ولذلك آن الأوان أن يتوقف هذا العبث «التفاوض العقيم».. وهو تفاوض لا يأتي بعده إلا مزيد من قتل الأطفال والمدنيين العزّل في معاقلهم وأماكن أعمالهم دون جناية جنوها سوى أن قطاع الشمال يريد أن يحمل المفاوض الحكومي أن يغفل مرة أخرى ويكرر ما وقع في خطيئة «نيفاشا» الشؤم التي سحبت قوات الشعب المسلحة لتترك العدو يتمدد ويتوغل أمام «مساحة الأمان»، ويريد قطاع الشمال الجري بين عقارب الزمن حتى يغري المجتمع الدولي بمزيد من الشائعات والتقارير المزورة عن «المنطقتين» وهو يدعي التحدث باسمها وأهلها منه براء، بل يعدونه عدوهم الأول الذي عاث في ديارهم خراباً ودماراً، بينما ينعم قادته «الحلو، عرمان وعقار» بالأمن والأمان والغنى الفاحش وحياة الفنادق وهوس الليالي الحمراء تتخللها قهقهات تملأ جنبات الأماكن بأصوات مفخمة وشدوق مضخمة ورقاب «مفصصة» متنعمة بأثمان الاستمتاع لأصوات الثكالى الباكيات من حرائر الليري وتلودي وأنين أطفال أم سردبة وخراب ديارهم .. ويا ليت شعري لو أدرك «جقود» هذه المعاناة وصراخ الأرامل وضياع الشيوخ والأطفال في مناطق «المورو» وجنوب كردفان عامة.. ألا يدري «جقود» بما يحدث لأهله بأم دورين والمورو خاصة؟
فشلت جولات المفاوضات التسع العقيمة! فهل إلى الخروج من سبيل.. سبيل لا يسوق الإنسان في جنوب كردفان والنيل الأزرق إلى سوق نخاسة الحلو وعرمان وعقار.. السوق الرابحة التي تغذي شركات الطيران وتكملة المنشآت والبنيات لعرمان والحلو وعقار في يوغندا وكينيا وأمريكا.. لذلك على أبناء جنوب كردفان والنيل الأزرق أن يدركوا هذه الحقيقة، حقيقة لا سلام ولا حل سياسي ولا تفاوض يفضي إلى استقرار في ظل وجود الحلو وعرمان، وهما يمارسان الوصاية على المنطقتين ويصران على التحدث باسم أهلها، لا لأجل إحلال السلام والتعايش السلمي، وإنما من أجل الاستثمار في دماء وأشلاء الأبرياء.
فشلت تسع جولات مرت ثقيلة على شعبي المنطقتين، لكن هي في المقابل تمثل نزهة ورفاهية وانتصاراً للحلو وعرمان وعقار، ولاعتبارات الفارق هنا بين حياة الضحية وحياة المجرم القاتل تأتي البواعث والدوافع للناس والتطلع نحو خروج إلى سبيل .. سبيل الأمان والأمن والسلام والتصالح والتجابر والتلاقي وتناسي المرارات والاحتراب والاقتتال والتوجه صوب التعايش والتسامح.
إن الخروج إلى سبيل آمن تمثله فكرة آلية أهل الشأن لأهل جنوب كردفان والنيل الأزرق التي انطلقت كمبادرة شعبية من أبناء الولايتين بالخرطوم، واستطاعت أن تقدم خطاباً معتدلاً متوازناً يدعم جهود السلام، وقد أحدثت اختراقاً كبيراً في جدران الصمت، وأودعت بنود المبادرة منضدة حكومتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، والآن التف حولها كثير من الشباب والطلاب والقيادات وجماهير غفيرة، وطرقت رؤيتها آذان الدولة والشعب، ولهذا آن الأوان أن تجد مبادرة أهل الشأن دعماً حقيقياً من حكومتي المنطقتين طالما أيدت الجماهير المبادرة .. وكذلك الدولة.
فشلت جولات التفاوض بين الحكومة وقطاع الشمال ولا حاجة إلى العودة إليها وإلى جوها المظلم الدامس.
آن الأوان.. هيا يا شباب، هيا يا طلاب.. هلموا يا جماهير لنجمع مليوني توقيع مناهضة للحرب داعيةً للسلام بمشاركة أهل الشأن وليست بوصاية التجار .. تجار الحرب «قطاع الشمال» المزورة لإرادة المنطقتين.
فشلت المفاوضات وآن للدولة أن تدرك أين يوجد الحل.. يوجد الحل في وضع دولة باسطة لهيبتها مسيطرة على تراب أرضها، وأهل الشأن والمصلحة الحقيقيون هم من يقررون في شأن قضاياهم.. إن الوقت لا يسمح بمزيدٍ من المزايدة والمتاجرة والتحايل، آن الأوان لأهل جنوب كردفان والنيل الأزرق أن يستريحوا من عذاب الحرب.. نريد عاصفة كعاصفة الحزم في جنوب كردفان والنيل الأزرق.. نريد أن نرى ثمرات الدفاع الإسلامي والعربي المشترك تساهم في فرض السلام في بلادنا.. نريد أن يسير الراكب من دندر إلى الدمازين أو من كاودا إلى كادقلي لا يخاف أحداً إلا الله، ولكننا نتغافل.
أخي رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة.. لقد طال علينا الأمد لأن نسمع نداء الله أكبر من كاودا.

من وحي أسفاري.. ضيافة في دار زغاوة.. وقيع الله حمودة شطة

في شهر مارس عام 2010م حطت رحالنا جواً عبر شركة طيران تاركو للطيران في مطار مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور الحبيبة.. في المطار رأينا استقبالاً وحفاوة وحرارة عناق لم نرَ من قبلها قط، أعد موكب الاستقبال الأخ الكريم أحمد تاج الدين محمد وحوله شباب ورجال وشيوخ عظام.. كنا في الخرطوم حين نلتقي الأخ أحمد تاج الديّن، كنا نجده ـ شهادة لله ـ رجل في قمة التواضع والكرم الفياض، وهو أحد قيادات دارفور الشبابية المدركة، وليس ولاية جنوب درافور فحسب، الأخ أحمد تاج الدين والأخ محمد أحمد وآخرون أعدوا لنا برنامجاً حافلاً بدأ باستقبال المطار وانتهى بعد موكب إلى ساحة أحسن فيها التنظيم والترتيب، حيث كان لقاؤنا بقيادات الإدارة الأهلية والقيادات الاجتماعية والسياسية بمدينة نيالا الجميلة.. وكان من بين الحضور الناظر أحمد السماني.
في اليوم الثاني من الزيارة تحدثنا في ندوة سياسية في ميدان الحرية بوسط نيالا، تحدثنا فيها عن الأوضاع السياسة الراهنة وقتها، وقد تحولت الندوة إلى مشاركة ومداخلة جماهيرية عريضة أثرت النقاش والحوار، وفتحت آفاقاً رحبة حول أهمية تعميق الحوار السياسي والاجتماعي فيما يلي التأكيد على التزام الثوابت الوطنية والقيمية الحافظة لهوية الأمة وحدة السودان، وحفظ أمنه القومي، وقيادة حركة الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
نيالا مدينة صاخبة مكتظة بالسكان من قبائل شتى، ولنيالا ملامح شبيهة ببطحة أبو جبيهة الخضراء الجميلة الممتدة من جبل العمدة جنوباً حتى تجملا شمالاً، حيث ظلال أشجار المانجو الوارفة التي لا ترى الشمس إن أنت سرت يوماً تحت تلك الظلال، التي تذكرنا بوصف أبي الطيب المتنبي حين زار بلاد فارس ومر بمنطقة شعب بوان، فقال عنها ملاعب جنة لو سار فيها سليمان، لسار بترجمان، و«أن» لها ثمرٌ تشيُر إليك منه بأشربة وقفن بلا أواني.. ونيالا في خورها الجنوبي الذي يبدأ من الجنوب الغربي ويتجه شمالاً بها مناظر خلابة أخاذة.
ما سرني في نيالا جمال سوق الفاكهة.. خاصة فاكهة البرتقال «أبو صرة»، لذيذ الطعم والرائحة القادم من جبل مرة.. النساء وبايعو هذا البرتقال يعرضونه في أواني تراثية من السعف «أطباق»، وفي شمال سوق نيالا هناك سوق شواء «المناصيص» لشواء لحوم الضأن الطازجة الذي يقدم للزبائن بطريقة متميزة ذات دلائل إكرامية ومضيافة.
وفي صباح اليوم الثالث من تلك الزيارة الرائعة تلقينا عقب شراب شاي الصباح ونحن في قصر الضيافة الجميل والمعلم البارز في مدينة نيالا، دعوة كريمة من الأخ الكريم إسماعيل وادي رئيس مجلس شورى عموم الزغاوة بالسودان.. دعوة إفطار في ديار زغاوة.. وكانت حركة العدل والمساواة بقيادة دكتور خليل إبراهيم لم تندمل جراحات منسوبيها من معركة غزوة أم درمان الشهيرة.. ولا يزال الأنين مستمراً، وكان الناس أو كثيرٌ منهم كأنهم يظنون أن كل فرد من «زغاوة» هو حركة عدل ومساواة أو داعمٌ لها أو مؤيد، وتلك ظنون لم نر ما يبررها إطلاقاً، لأن العدالة تدعونا الاّ نأخذ أحداً بجناية أحدٍ آخر.
تلقينا الدعوة وكان بعض منا مترددون في الإجابة، لكني وآخرون كنا نرى ليس هناك ما يدعو إلى التردد، ولذلك أخيراً أجبنا جميعاً تلك الدعوة الكريمة..
الأخ الدكتور عمر أحمد عبد الجبار والي ولاية جنوب دارفور وقتها هيأ لنا موكباً وتقدمنا هو إلى دار زغاوة في صباح جميل عبرنا المدينة الصاخبة من الجنوب إلى الشمال، حتى انتهينا إلى مكان الدعوة.. كانت مفاجأة.. شيء يدعو إلى الإعجاب والتعجب والدهشة.. هناك في دار زغاوة في منزل جميل فسيح بسط شباب ورجال الزغاوة بساطاً أحمر من مدخل الباب إلى داخل «الديوان» مروراً «بالبرندة» الواسعة ذات الأستار اللطيفة والمقاعد الوثيرة وترابيز زجاجية تحفة ترى نفسك كأنك في لجة سليمان يوم قدمت عليه بلقيس ملكة سبأ من أرض اليمن.. رجال وشباب في هندامٍ جميل بيض.. اصطفوا على جانبي البساط الأحمر يبلغون نحو مائة وخمسين ويزيدون.. اصطفوا للاستقبال.. الوجوه طلقة.. والثغور باسمة.. الأيادي ممدودة بشارات الأمان والسلام وحرارة اللقيا والاستقبال.
قدمت لنا مأدبة ما تركت من جميل صنائع الطعام وفق الفنون الدارفورية المتميزة إلاّ وحوتها.. مأدبة لم تترك فيها المرأة الزغاوية من فنون المهارة في الطبخ إلاّ واستدعتها.. لذائذ مذاق.. وفنون طهي مدهشة.. وحين سألت أحد الأخوان الزعاوة بفضول صحفي، من الذي صنع هذه الأطعمة.. أجابني بسرعة يا أخي .. «ديل نساء حنا زغاوة» قلت له رائعة المرأة الزغاوية وفنانة.. نريد عروس منهن.. قال: لي مافي مشكلة أدفع أربعين ناقة.. فضحك الحضور.. لقد كان كرماً فياضاً في ديار زغاوة، وشربنا من الشراب الحلال ما يعجز المرء عن وصفه.. اللون والمذاق والرائحة.. وفي جلسة التعارف بعد الفراغ من وجبة الإفطار.. تركنا الطعام ونفوسنا تشتهيه لكن ام البطن عجزت.. عند التعارف تحدث قيادات من الزغاوة وما دهشني الكثرة الكاثرة من البروفسيرات والدكاترة والأطباء والمهندسين وقيادات اجتماعية وسياسية من الوزن الثقيل.. جلسوا في تواضع واحترام جم.. يرحبون بنا ويشكرون لنا حسن التلبية والمجئ.. من الرسائل الخالدة التي كررها القوم في تلك الجلسة نحن قوم مسلمون وعلى الناس أن يفرقوا بين عموم الزغاوة، وحركة العدل المساواة.. لقد تضررت مصالحنا من هذا التوهم والخلط.. وأعتقد تلك رسالة يجب علينا أن نعيها.

الإنسان بين البادية والحضر..وقيع الله حمودة شطة

عرف الإنسان الأول منذ نشأة الخليقة وبدء الحياة على الأرض، الفارق بين حياة البدو وحياة الحضر، واختلاف صفات الإنسان ولوازم الحياة في كل من البادية والحضر.
ولعل الفارق المتفق عليه اليوم بين الناس أن البدويين هم سكان البادية والخلاء والصحارى والوديان البعيدة أو القريبة من مراكز الريف والقرى والمدن الحديثة التي نشأت حديثاً متكونة من قبائل وإثنيات وقوميات وثقافات وعقائد وعادات وتقاليد مختلفة تداخلت وانصهرت، أو على الأقل تحاول أن تتقارب وتتجانس لتمثل وعاءً كبيراً يسع هذه المجموعات، لتتعايش وتتكامل وتتنافع وتتعاون لتقرر صفة عيش جديدة لم يألفها هؤلاء السكان من قبل، وتسمى تلك التحولات بالتمدُّن والتطور والتحضر. والبدويون تقوم حياتهم على العيش بعيداً عن مظاهر هذه الحياة الحضرية، وإن قربوها أحياناً واقترفوا منها تظل لديهم صفات وسمات تميزهم عن غيرهم من قاطني الحواضر والمدن، حيث تقوم حياة البدويين على التنقل والترحُّل وعدم الاستقرار، تبعاً لحاجات الإنسان البدوي الباحث دوماً عن سُبل الراحة لنفسه ولحيوانه المتمثلة في إيجاد البيئة الرعوية الصالحة والمسارات الواسعة ومراكز المياه، ولذلك هم في حالة ترحال وظعن مستمرة لا تعرف الاستقرار والمكوث الدائم، ولذلك حياة البدو دائماً قلقة ومتوثبة للحركة والتجوال.
بين سكان البادية وسكان الحضر صلات واتصالات قديمة قائمة على تبادل المنافع والخبرات منذ أن عرف الإنسان الصنائع والمهن والحرف والأعمال التي بدأت أولاً بالرعي، ثم التجارة، ثم الزراعة، وختمت بالصناعة، فهذه الحرف الأربع هي التي تدور عليها اليوم حركة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والحضارية، ولكن ظلت إلى تاريخ اليوم كأنّ هذه الحرف قسمة بين أهل البادية وأهل الحضر، حيث مازالت حرفتا الزراعة والتجارة أقرب إلى النشاط الاقتصادي لسكان الريف والمدن، وحرفتا الرعي والتجارة أقرب إلى سكان البادية، وإن كان هناك تشارك مثلاً في حرفتي التجارة والرعي بين المجموعتين كأنموذج المزارع المختلطة في المدن، إلا انه ليس بالسمة الغالبة. ويخطئ بعض الناس ويذهب ليفاضل بين الحياتين.. حياة البادية وحياة الحضر بصورة مطلقة وقاطعة، حيث يرى فريق من الناس أن حياة البادية أفضل وأسلم لعيش الإنسان، حيث مازالت المجتمعات هناك محافظة على قيمها الاجتماعية ومازالت العصبة القبلية والتماسك العشائري والعائلي والأسري له سلطانه، ومازالت أجواء البادية اللطيفة غير ملوثة بأدران الأبخرة والصناعات والكميائيات، ومازالت أطعمتها شهية سليمة وخالية من الحافظات والمعلبات، ومازالت قيم المجتمع في العون والنجدة والمروءة والكرم والنخوة وصون الأعراض وروح الفريق الواحد في السلم والحرب، وسهولة الحياة والعيش ويسر الحركة والبُعد عن تعقيدات الحياة العصرية التي يذكو احتدامها الصراع السياسي والاقتصادي والثقافي والحضاري في المدن بين الأمم، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى الحرب والانفجار والحذر الدائم منها إلى الأمان والوئام. ويرى فريق آخر أن العيش في البادية والانقطاع عن أسباب الراحة والتمدّن ليس اليوم من سمات العصر، حيث تطورت حياة الإنسان وارتفعت وبدت فيها تحولات ضخمة نتاج التواصل الحديث، ولذلك لا داعي للإنسان أن يتخلّف بعد اليوم عن أسباب «التكنولوجيا» وفرص التعليم والخيارات الأفضل في سبل العيش والسكن ـ المكتب ـ السيارة ـ الملبس والمظهر وفنون الحياة الحديثة، وهذا الفريق من هؤلاء يطرح رؤية جديدة تتحدث عن أهمية إنهاء حياة البادية التقليدية وفرض التمدن على أهلها، ويبرر هذا الفريق رؤيته بحجة حتى تتمكن الدولة ومراكز صناعة القرار السياسي من تقديم خدمات التنمية من صحة وتعليم وأمن، إذ لا تتوفر قدرة للدولة في ايصال هذه الخدمات إلى تلك الأصقاع المترامية والمتناثرة فوق الجبال وبطون الأودية ومجاهل الفلوات، فلا بد من تجميع هذه المجموعات السكانية البدوية في بدائل سكانية جديدة يسهل ربطها اجتماعياً، وازالة الفوارق العرقية والقبلية التي هي من مقومات الدولة الحديثة الموحدة القوية، خاصة بعد نمو الصراعات القبلية والجهوية في بعض المناطق من العالم ولنا نحن في السودان نصيب منها، لكن كلا الفريقين يخطئ التقدير السليم في معالجته لهذه الظاهرة.. فمثلما يعتقد سكان المدن والحضر أنهم قد عُتقوا من حياة الشظف والمعاناة والهمجية والتخلف الفكري والثقافي إلى حياة الدعة والراحة ووسائل العيش والنظافة، بعيداً عن الوجد وطول السفر، فلا يمكن العودة إلى تلك الحياة البدائية، بل أنت ترى الهجرات مستمرة نحو المدن والحواضر لدواعٍ كثيرة، والدولة عاجزة عن إيقافها وتقنينها.. كذلك يعتقد سكان البادية أن المدن والحواضر ما هي إلا لصٌ ماكرٌ يسلب من الإنسان سماحته وكرمه ومروءته وطبيعة حياته الغنية القنوعة وفراسته وحرية حركته في فجاج الأرض الرحبة بلا قيد أو شرط إلى مساحة صغيرة تقاس بالأمتار في المدن تقيد حركته لتقتله تدريجياً بسموم الصناعات والتلوث الهوائي، وتسلب منه قيمه الاجتماعية والثقافية لصالح فوضى العولمة والموضوعات والتمظهر السالب، وتفكيك معتقداته التي ورثها من الآباء والأجداد ـ ومن شابه أباه فما ظلم ـ وخير له ظهر الثور «الأدوب» الآمن من مقعد سيارة فارهة يقوده إلى الموت على طريق الأسفلت وقد كان آمناً، وهو يسير على «المرحال»، لذلك لا يمكن أن يستجيب لدعوة قسرية تهدف إلى تغيير نمط حياته التي ألفها، وإن جاءت الدعوة من الدولة والمركز السياسي، فإنه سيقاومها ويقف في وجهها.
وللتقريب بين وجهتي النظر لا بد أولاً من الاعتراف باستحالة حمل البدويين إلى حياة المدن قسراً، وتهجير أهل المدن والحواضر الى الأرياف وشبه المدن والبادية قسراً أيضاً بدوافع إعمار الريف وعودة الرعاة والمزارعين إلى مواقع الإنتاج بدلاً من وجودهم في المدن على حساب الإنتاج والاصطراع على موارد المدن الشحيحة التي تعجز طاقتها عن استيعاب هذه الأعداد المتزايدة.
ثانياً: لا بد من فلسفة حضارية راشدة تعالج هذا المشكل من خلال برنامج علمي يحقق التوعية اللازمة للفريقين بنوعية العيش الذي يحقق الطموح ويحفظ لكل قيمه ومورثاته في إطار تلاقٍ وتصاهر وتواصل حميد يحقق التوازن في تنمية الإنسان والموارد.
ثالثاً: أهمية أن تتجه جهود الدولة المركزية الى وضع خطة استراتيجية تحمل فيها الشعب إلى إنشاء تجمعات سكانية توفق بين مطلوبات الحياة القديمة والحياة الحديثة طالما للإنسان موروث لا يمكن التخلي عنه، وهو في الوقت ذاته بحاجة إلى التطور والتغيير، وبهذا ينبغي أن يتكامل عطاء الإنسان البدوي مع الحضري لبناء أنموذح حضاري يشارك فيه الجميع.. قائم على التعاون والتصالح والتعايش والسلام الاجتماعي والحوار الدائم بعيداً عن الاحتراب.