جنوب كردفان.. معارك سياسية تحت المطر بين الورد والزهر «1»

السماء غائمة بروقها ترعد وهي باكية، والأرض مخضرة مبللة تعانقها «الشبّورة» «قطرات الندى» كل صباح قبيل شروق الشمس، وهي تشرق صفراء فاقع لونها من ناحية «أم سردبة» كأنها صيغت من ذهب مناجم الحميض من ناحية تلودي، والأزهار والورود تتفتح وردة وزهرة، وألف زهرة ووردة في حدائق كادوقلي النباتية شرق أمانة حكومة ولاية جنوب كردفان الشامخة شموخ جبال غرب «كلمو» من أحياء كادوقلي، وشلال «كلبي» يردد صدى هديره صخور صماء تتحدى صروف الأزمان والأيام وهي راسية كأنها «تابوت» على الأرض.
على امتداد الطريق من «كازقيل» جنوبي الأبيض مروراً بالحمادي والدبيبات والدلنج حتى التقاطع حيث الطرق المؤدية الى مشروعات هبيلا «قضارف كردفان» وهجليج ومناجم «البريصة» حتى مطار كادوقلي الدولي «الجميل» ثم مدينة كادوقلي من الشمال نحو الجنوب تتناثر وتتجدع قرى ومدن وفرقان الرحل يتجاور فيها الزراع والرعاة في لوحة رائعة ترسم تباشير الأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي في جنوب كردفان الخضراء التي تسيل وديانها وشلالاتها المتكاثرة بين الجبال ماءً عذباً زلالاً.. صور الهدوء والأمان وتحيات القاطنين بتلك الديار وهم يلوحون بأكفهم تشعر السائر والمسافر والضيف النازل بتلك البقاع بأنهم يتمتعون بالأمان والسلام والاستقرار النفسي، ورجال القوات المسلحة «أولاد خضرة» يمشون «الهوينى» في هيئة أرضاً سلاح. وضروع المواشي تسيل لبناً وقد انشترت مصانع تعليب الألبان وصناعة الأجبان التقليدية، وفي الجروف والبلدات تتطاول قناديل الذرة الرفيعة، والذرة الشامية، «السنبل النضر» رؤوس القطاطي والصبية ينشدون أغاني السلام والتصالح الاجتماعي كما أنشدت «الحكامة» حسنى بت بولاد بين يدي غندور وآدم الفكي ودقاش قصائد السلام والحماس فنزعت منهم عشرات الآلاف من الجنيهات قبل أن تنهال عليها مئات الآلاف من جماهير المؤتمر العام، حيث زينت تلك الآلاف رأسها الذي يجود بالشعر الارتجالي كأنها خرجت لتوها من وادي عبقر.. انبسطت لشعرها الداعي الى السلام أسارير دكتورة عائشة الغبشاوي وانتصار أبو ناجمة وذهل لفصاحة تراكيبها وجميل إلقائها مهدي إبراهيم.
لوحة جميلة من الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي تعيشها هذه الأيام ولاية جنوب كردفان، ويبدو واضحاً للمراقب والمشاهد أن حكومة ولاية جنوب كردفان بقيادة المهندس آدم الفكي قد بذلت جهداً كبيراً في صمت بعيداً عن الأضواء، وهذا التأني وتلك الحكمة قد أثمرت نتائج ملموسة في بناء السلام الاجتماعي وقيام مشروعات التنمية، والمتجول في أنحاء حاضرة الولاية وكثير من محلياتها يرى أن سمات الحياة المدنية قد عادت وبدأت تختفي بقوة مظاهر الحياة العسكرية من حياة المواطنين إلا لدى القوات النظامية والأمن، واختفاء مظاهر التشنج، الأمر الذي يوضح التقدم الكبير في جدول السلام. كادوقلي التي رأيناها مع إخوة كثر في قافلة الوفد الاعلامي الكبير الذي شمل الاذاعات والقنوات والصحف التي كانت في مقدمتها صحيفتا «الإنتباهة» و «اليوم التالي» تبدو أكثر أماناً واستقراراً بعيداً عما تصوره الأخبار والأحوال التي رسمت صورة ذهنية سالبة عن تلك المدينة الوادعة الجميلة التي سحرت المضيفة الأجنبية في طائرة غندور حين قالت: «لم أكن أتصور أن هذه المنطقة بهذا الجمال».. حيث صورت كأنها برميل بارود وبقايا من حطام، والأمر ليس كذلك.. المدينة هادئة جميلة تضج بحركة التجارة والمسافرين، ويوجد بها كل ألوان الطيف البشري من أبناء السودان من الشرق والشمال ودارفور والوسط. رجالات الإدارة الأهلية والمواطنون الذين استطلعناهم خلال مقابلات مختلفة باختيارات عشوائية، أكدوا أنهم قد ملوا الحرب وسئموها، ولذلك انحازوا الى جهود السلام، واعترف كثير منهم بأن حكومة الولاية قد نجحت لحدود بعيدة في تحقيق نتائج إيجابية في زمن قياسي، وتركت بصمات واضحة على المشهد الأمني والسياسي والاجتماعي، بل أن قيادات حزبية في المعارضة قد اعترفت وثمنت جهود حكومة آدم الفكي في إحداث تقارب حقيقي بين القوى السياسية المختلفة وتناغم وتعاون كبير في اطار الثوابت الوطنية نتجت عنه حكومة شراكة عريضة شملت أحد عشر حزباً سياسياً، وحزبا الأمة القومي والمؤتمر الشعبي رغم أنهما لم يشاركا في تلك الحكومة إلا أنهما على تواصل جيد ودعم واضح لجهود تلك الحكومة في إطار الولاية ومصالحها العليا. ولاية جنوب كردفان تضج هذه الأيام بقدوم وفود العائدين من حركة التمرد إلى جهود السلام والداخلين أفواجاً في منظومة السلام الاجتماعي والتصالح وإعلاء فرص الحوار، حيث رفعت حكومة الولاية شعار «بناء السلام من الداخل» الذي ارتكز على أربعة محاور أساسية سوف نفصلها ــ إن شاء الله ــ في مقال لاحق، لكن ما يهم هنا أن الولاية تشهد عودة طوعية واختيارية غير مسبوقة، الأمر الذي يرفع سقوفات «العشم» والأمل في نجاح شعار حكومة الولاية الذي رفعته وقد ذكرناه قبل قليل.. وشهدنا خلال وجودنا في حاضرة الولاية كادوقلي فعاليات ورشة ناجحة جاءت في إطار مبادرة خلاقة تحت عنوان «دور المحليات في تقوية الحكم المحلي تقييم للمهام والاختصاصات»، وسوف نفرد مساحة مقدرة للحديث عن هذا الجانب المهم وما حققه من نتائج إيجابية بعد الحديث عن مشاهد مؤتمر الشورى والمؤتمر العام للمؤتمر الوطني بولاية جنوب كردفان وما أحدثاه من جلبة ضخمة وما صاحبهما من أحداث سياسية نفرد تفاصيلها تباعاً، ربطاً للقارئ الكريم وسرداً وتحليلاً أميناً كما رأينا وسمعنا ولمسنا من مشاهد سياسية مهمة.. ماراثون سياسي خطير.. ونفصل ماذا حدث خارج قاعات المؤتمر من تحالفات ومناقشات ومنافرات؟ وماذا قال لنا والي الولاية حين حاصرناه بوفد إعلامي كبير؟ وماذا قال لنا المرشحون لمنصب الوالي؟ وكيف نجح بعضهم ولماذا سقط البعض الآخر؟ وكيف سقط؟ وماذا قال لنا أعضاء اللجنة الفنية المركزية بقيادة محمد جمال؟ وكيف تمت ممارسة الشورى في المؤتمرين؟ وما هي مآلات الأحوال بعد هذا كله؟. التفاصيل هذه في المقالات اللاحقة إن شاء الله.