وأخطأ البروف الحساب..!! «2ـ2»

أواصل اليوم حديث البروف عوض حاج علي الذي احتل عناوين الصحف حيث يقول إن الدخل القومي وبنسبة اثنين وثمانين في المائة بيد المواطنين أما النسبة الباقية فبيد الدولة، وهذا حديث غريب يصدر عن عالم رياضيات وهذا يعني فيما يعني أن الدولة مملوكة لأفراد وان الحكومة لا تستطيع اتخاذ أي قرار اقتصادي يخص اقتصاد البلد فهي أصلاً لا تملكه حتى تتحكم فيه، ويعني أيضاً فيما يعني أن من يملك اثنين وثمانين في المائة من الدخل القومي هو من يتحكم فيها.
وواقع الحال يقول غير ذلك والمعلوم أن الحكومة هي أكبر مشتري من السوق وأن أوقفت الحكومة المشتريات فإن السوق يضربه الركود فكل المشاريع القومية تصرف عليها الدولة وعطاءاتها تطرحها الدولة فكيف تستطيع الحكومة طرح العطاءات وهي فقيرة إلى هذا الحد والمواطنين أغنى منها..؟! كم من شركة خاصة تمت تصفيتها وكم من أصحاب العمل اليوم نزلاء السجون لحين السداد وكم من الشركات المرضي عنها تخصص لها العطاءات..؟! ثم تحدث عن الرفاهية التي يعيشها الشعب والتي قفزت بالسودان من الدرجة اثنين واربعين إلى الدرجة التاسعة عربياً، وهل هذه المقارنة بالنسبة لدول العالم ام انها قاصرة على الدول العربية لأنه حددها عربياً وأن كانت النسبة عربية فإن عدد الدول العربية اقل من ذلك بكثير أما ان كانت بالنسبة للعالم فإن آخر احصائية صدرت عن مجلة فوربس الاقتصادية فإن السودان يقبع في قاع الدول الفقيرة.  الريف يتمتع بالرفاهية بدرجة كبيرة، واين الريف الآن لقد نزح إلى المدن وقد حدثت ردة حضارية فبدل ان يتقدم الريف نحو التنمية تريفت المدن، لأن الانتاج في الريف توقف، والمدن التي وصفها البروف بأنها غير منتجة، أورد هنا سبب عدم انتاج المدن وهو توقف الصناعة في المدن بسبب ضعف الطاقة سواء كانت كهربية أو مواد بترولية واسعار المواد الاساسية للصناعة أي مدخلات الصناعة والضرائب التي تفرض عليها مرتفعة أيضاً فأصبح المستورد من الصناعة أرخص من الصناعة المحلية، ويكفي النظر في الشوارع لنرى نفايات الصناعة الصينية تغمر الشوارع والمحلات التجارية.!
وحتى لا نظلم الريف الذي فقد كل مقومات الانتاج بسبب ارتفاع المدخلات الزراعية والنقل نجد أن ولاية نهر النيل والشمالية لا يتعدى تعدادهما معاً المليون نسمة بسبب النزوح للعاصمة والتي يمارس فيها النازحون اعمال هامشية، ثم ان المدن ذاتها تعاني من هجرة الكفاءات كم طبيب ومهندس وخلافهم هاجر إلى دول الخليج أرجو ان تقرأ احصائيات الهجرة لترى أي رفاهية يعيشها الشعب السوداني. ثم ان البروف عندما يتحدث عن المرتبات يتحدث عنها بالدولار، والسعر الرسمي للدولار يعادل ما يزيد عن الخمسة جنيهات ولكن البروف فضل سعر السوق السوداء، ثم أن أهل السودان يتعاملون بعملتهم فلماذا يتعامل البروف ويجري تقوميه بعملة أجنبية؟!!
قال البروف إن  ستين في المائة من سكان السودان لا يتمتعون بخدمة الكهرباء، فأين الرفاهية إذن التي يعيشها الشعب السوداني وأكثر من نصف سكانه يفتقرون إلى البنية الاساسية المتمثلة في الطاقة الكهربائية، والوضع هكذا نجد أن الريف قد أصيب بالشلل التام وحسب الاحصائيات نجد أن ما يعادل ثلاثة ارباع السودان هم سكان الريف، الذي لم تدخله البنية الأساسية المتمثلة في الكهرباء، وعدم الكهرباء يعني عدم المياه للزراعة التي يحث البروف الشباب عليها، فكيف يستطيع الشباب ان يزرعوا بدون كهرباء، والزراعة بالكهرباء أقل تكلفة من استخدام المواد البترولية لتشغيل الماكينات فأسعار المواد البترولية في ارتفاع متواصل بسبب رفع الدعم الذي يطالب البروف به. «أي زول عايز يحسن معاشه يمشي الانتاج يلقط ذهب أو يزرع» هكذا وببساطة أي أن المواطن يترك هكذا دون تدخل الدولة، في حين ان ذات الدولة تتحكم فيما يُنتج وتتدخل بعد الانتاج، ما هكذا يا بروف وأنت العالم في مادة الرياضيات التي تحسب بدقة متناهية، وإذا كانت هذه سياسة الدولة الاقتصادية فعليها السلام، كيف يمكن للمواطن أن يذهب ويلقط الذهب وكأنه متناثر في الصحراء أو يزرع وكان الأرض جاهزة والمياه جارية، ومدخلات كل من لقط الذهب والزراعة متوفرة وبأرخص الاثمان والذي يذهب لممارسة هذه الأشغال ميسور الحال، وهو في الحقيقة عاطل لايجد قوت يومه..؟! وأي دولة تطلق العنان لمواطنيها دون رعاية أو رقابة هل تنتظر هذه الدولة ولاءً من هؤلاء المواطنين؟! وبالفعل ضعف الولاء والانتماء للوطن بعد أن بنت الدولة بينها وبين المواطنين جداراً عازلاً بمثل تلك الأفكار التي يطلقها البعض وتطبقها الدولة للأسف باعتبارها أفكاراً علمية واجبة التطبيق. في اثيوبيا وكينيا ويوغندا الأموال يسرقها السياسيون أما في السودان فلا فالذي ينكشف امره فإن فقهاً جديداً اسمه التحلل يبرئ السارق وفقه آخر اطلقوا عليه مصطلح فقه السترة وهو في الحقيقة فقه بفتح الفاء وكسر القاف أي كسر رقبة السترة..
أخي بروف عوض نصيحة أخوية مثل هذه الأحاديث تحط من قدرك العلمي، فأنت أبعد الناس فهماً للسياسة ودهاليزها، ففي السياسة فهمك محدود القدر الذي لا يسمح لك بالتصريح في الصحف، أما في مجال علمك فأنت العالم الذي يرجى منه الكثير. يمكنك خدمة السياسة بعلمك الذي تجيده وفي هذا تأصيل لما حزت عليه من علم والكل يستطيع ان يقدم للسياسة بعلمه الذي يتقن كان هذا العلم في مجال الطب او الهندسة او الاقتصاد، فالسياسة لا تستقيم إلا بالعلم، ولكن أن نترك السياسة هكذا وندافع عن باطلها نابذين العلم خلف ظهورنا فهذا هو الحرض بعينه والحرض في اللغة يعرف بفساد العقل والبدن!!.