الدولة العميقة!! «3»..د. هاشم حسين بابكر

كما ذكرت في المقالات السابقة فإن الدولة العميقة ظهرت أول ما ظهرت في تركيا، وقد فهم المصطلح في تركيا على انه تحالف بين العسكر وجهاز القضاء والإدارة والنقابات، وهي هياكل تربطها مصالح متشابكة لتكون منظومة من الامتيازات، وحتى تحمى هذه الامتيازات تقف حائلاً أمام مشروعات النخبة السياسية المتغيرة على رأس جهاز الدولة، هذا باختصار ما عبر عنه الكاتب التونسي هانيبال فرحات عن مفهوم الدولة العميقة.
الدولة العميقة كان يمكن أن تجد مناخاً خصباً وتربة صالحة في السودان، فحجم الادارة المتضخم في الدولة الأمر الذي تحول إلى بيروقراطية، وبالنظر إلى القبضة الأمنية في تسيير السياسات وروح تقبل الانتهازية والفساد في الشخصية السودانية، اضافة إلى وجود قيادات سياسية ضعيفة طاعنة في السن، وعدم تفاعل الشارع مع هذه القيادات التي تمت تجربتها لأكثر من نصف قرن من الزمان، لكن نجد في السودان تركيبته الاجتماعية. ورغم أن أهل السودان يدينون بالإسلام في غالبيتهم العظمى، إلا أن الروح القبلية هي السائدة. كما ان استمالة قبيلة على أخرى يقف حائلاً دون إقامة الدولة العميقة. كما أن اعتماد النظام على الترضيات القبلية، ومحاولات احزاب المعارضة استنفار القبائل التي تساندها في معارضة النظام!!
والدولة العميقة تتحالف مع كل ما يمكنها من حماية مصالحها، لذلك تتوسع نطاق منظومة الامتيازات كرجال الأعمال الذين يستغلون الفساد الاداري لتتوسع مشروعاتهم، ومن ناحية أخرى يكون هؤلاء أداة تمويل لمنظومة الدولة بالسيولة المالية، لكن نجد أن رجال الاعمال ليسوا رجال اعمال بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فهم دخلاء على الاعمال التجارية ومعظم ثرواتهم التي اكتسبوها تم تحويلها خارج البلاد، لذا نجد أن عنصراً مهماً من عناصر الدولة العميقة قد اختفى. ونجحت الدولة في اختراق عدد من منظمات المجتمع التي قد تكون عامل تشويش لها وهي النقابات، وهي اهم اهداف الدولة العميقة، فأمنت جانبها، وكذلك الأمر مع منظمات المجتمع المدني والصحافة!! وتأتي الحماية الحقيقية من قطبين احدهما قاعدي والثاني مرتبط بالنظام العالمي. فالدولة العميقة تفرز طبقة من المنتفعين من تأييد الوضع وهؤلاء قلة، وفي السودان على وجه الخصوص اختفت ما يعرف بالطبقة الوسطى والتي كانت غالبية، ولم يعمل النظام على اعادة ترتيبها، فقد تخلى عن كثير من مؤسسات الدولة بخصخصتها، فالغالبية العظمى من الشباب عاطلة عن العمل، فما عادت هناك طبقة وسطى وهي الطبقة الكبرى في أي مجتمع، اذن افتقد النظام احدى اهم ركائز الدولة عميقة كانت أم غير ذلك.
وبالنظر إلى القطب الثاني الذي تعتمد عليه الدولة العميقة وهو مرتبط بمصالح النظام العالمي، وهو في حقيقة الأمر هو الذي هندس الدولة العميقة في زمن الاستعمار، لتبقى حامية لمصالحه، وقد لمسنا ما وجدته الدولة العميقة في مصر من سند مادي ومعنوي، وقد يتدخل بأساليب أخرى أكثر شراسة، اغتيالات تفجيرات إرهابية، كما يحدث في العراق وتونس ومصر وأفغانستان.
هذا العامل أيضاً يفتقده النظام الحاكم في السودان، والناتج الأخير من هذا الوضع هو التقسيم الذي بدأ بالفعل بانفصال جنوب السودان والذي ربما ستتبعه انفصالات أقسى وأمر لاقدر الله، حيث النسيج الاجتماعي السوداني أقرب إلى التفكيك من أي شيء آخر!!
وخلاصة القول إن اقامة دولة عميقة في السودان أمر غير واقعي حتى وإن كان تحت مسمى إسلامي جاذب، وما حصلنا عليه بعد ربع قرن من الزمان دولة هشة قابلة للتمزق ما دام السياسيون لا يعبأون بما يدور ويحدث!!