المشهد الأوكراني!!..د. هاشم حسين بابكر

عندما استولى العنصريون في كييف على الحكم بعد طرد الرئيس المنتخب ديمقراطياً، لم يحرك الغرب وأمريكا ساكناً، بل كانت عملية الانقلاب على السلطة بمساندة الغرب ومباركته!!
وعندما ثار «شعب شبه جزيرة القرم» وأجرى استفتاءً سلمياً لتقرير مصيره ثارت ثائرة الغرب واعتبرت ما تم من إجراء ديمقراطي وسلمي هو قضم لأراضي اُكرانيا بواسطة روسيا!!
اليوم الشارع في كييف فهم بعد فوات الأوان أن الغرب تركه وحيداً، فالعقوبات التي فرضها الغرب على بعض الشخصيات الروسية لم تجدِ فتيلاً، وأن روسيا تستطيع فرض عقوبات مماثلة وقد فعلت ذلك، الأمر الذي في نهاية المطاف سيكون تأثيره على الغرب قوياً ومؤثراً!!
أمريكا ترفض أن يُقدم أي مواطن أمريكي للمحاكمة  خارج أمريكا، حتى وإن ارتكب جناية تخالف قانون البلد الذي يعيش فيه، ولكنها تغض الطرف عن الدعوة لإبادة ثمانية ملايين روسي يعيشون في اُكرانيا، فأين حقوق الإنسان التي يدافعون عنها زوراً وبهتاناً؟!
واليوم يقف المتمردون في ميدان الاستقلال في كييف ينظرون بحسرة إلى ما جنته أيديهم، فقد هب الشعب في  دونيتسك، وخاركوف، وزاباروجيا، وسلافيانسك، ومدن أخرى، يطالب بذات المطالب التي رفعها المتمردون في الميدان في كييف، مع الاختلاف الواضح في الأسلوب، فالميدان في كييف شهد عنفاً وإرهاباً وقناصة يقنصون الجميع، ويسفكون الدماء حسب شهادة وزير الخارجية اللتواني في محادثاته مع كاثرين آشتون!!
والذي يدور في مدن شرق وجنوب أوكرانيا هو حراك سلمي ورغم الاستيلاء على المباني الحكومية إلا أنه لم ترق قطرة دم واحدة بعكس ما حدث في الميدان في كييف، فالذي يدور في جنوب وشرق اوكرانيا إنما هو صراع سلمي للبقاء والوجود في مواجهة تطرف نازي عنصري شهده كل العالم في الميدان في كييف!!
الشعب الأوكراني محتار والانقلابيون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم، وحتى المتمردون في الميدان أصيبوا بخيبة أمل في أولئك الذين تمردوا من أجلهم، وها هي أوكرانيا تتناقص من أطرافها أمام عجز كييف مداركة الموقف، وتقف كييف حائرة أمام صمت الغرب الذي يقف موقف المتفرج بعد أن أشعل نيران الفتنة!!
إن جنوب وشرق أوكرانيا يمثلان المورد الاقتصادي لكل أوكرانيا، فكل  الموارد الطبيعية من حديد وفحم حجري وموارد طبيعية كثيرة موجودة في شرق وجنوب أوكرانيا، فبالقرب من خاركوف توجد مناجم الحديد المفتوحة التي تحتوي على أكبر نسبة للحديد في العالم تعادل «75%»، والصناعة التي تعتمد عليها اوكرانيا هي صناعة الحديد، هذا إلى جانب الفحم الحجري الذي تمثل دانيتسك أكبر منتج له في العالم ويستخدم الفحم في صناعة الحديد!!
كل هذه المناطق تعيش فيها غالبية من أصل روسي فبأي حق تُمنع روسيا من الدفاع عنهم وعن وجودهم، فروسيا تقف مع حقوق الشعوب الأخرى في الحرية وحقوق الإنسان فهل تتقاعس عن نصرة من ينطق بلسانها وثقافتها حتى وإن كان يعيش في بلد غير روسيا!!
روسيا التي قادت الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية وأنقذت العالم وقدمت سبعة وعشرين مليوناً من أجل السلام في كل العالم، هل تقف مكتوفة الأيدي أمام دعوات المتطرفين في كييف لإبادة ثمانية ملايين روسي يعيشون في أوكرانيا؟
لقد استمع كل العالم لمحادثة بوليا تموشنكو رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة والمرشحة لرئاسة الجمهورية دعوتها لإبادة ثمانية ملايين روسي في أوكرانيا، ورغم ذلك لم يسمع العالم شجباً أو إدانة أو حتى استنكاراً من دعاة السلام المزيفين في أوربا وأمريكا!!
من قدم المساعدات لأوكرانيا أكثر من روسيا، جملة ما صرفته روسيا على أوكرانيا يعادل خمسة عشر مليار دولار هذا إضافة إلى دين الغاز الذي فاق الاثنين مليار دولار لم  تدفعه أوكرانيا التي تناصب روسيا العداء والكراهية!!
ما يريده الغرب هو اضطراب الأوضاع في أوكرانيا لأن اضطراب الأوضاع يؤثر أول ما يؤثر على روسيا، ولا يقف الغرب عند اضطراب الأوضاع، بل يتهم روسيا بالتسبب في ذلك الاضطراب بالرغم من أن آخر ما تتمناه روسيا هو عدم الاستقرار في دولة مجاورة، خاصة وإن كانت تلك الدولة هي أوكرانيا، فالاضطرابات داخل أوكرانيا تعرقل المصالح الروسية، كما تعطل المصالح الأوربية 'أيضاً، فعبر أوكرانيا يمر الغاز إلى أوروبا وهو شريان حياة بالنسبة لها، واي تعطيل لُانبوب الغاز في أوكرانيا يُضر أوروبا أكثر مما يُضر بروسيا التي ستجد في آسيا والصين واليابان أسواقاً شرهة تنتظرها!!
وزراء الخارجية الأوربيون وأعضاء الكونغرس الأمريكي والزيارت السرية لمدير المخابرات الأمريكية لكييف، كلها تصب الزيت على الحريق الأوكراني، ورغم ذلك فالمتهم الأول هو روسيا والتي يصورونها للعالم وكأنها تريد ابتلاع أوكرانيا؟!!
مساحة روسيا تعادل «17» مليون كيلو متر مربع، وبها من الموارد الطبيعية ما يعادل «40%» من الموارد الطبيعية في العالم، فهل روسيا تحتاج لزيادة في الأراضي أو الموارد، وبعد أن تفتت الاتحاد السوفيتي اتهموا روسيا بأنها استولت على موارد الجمهوريات الأخرى، ولكن الحقيقة انكشفت بعد أن استقلت تلك الجمهوريات واتضح أن روسيا هي من كان يصرف على تلك الجمهوريات، وهذا ما تؤكده اليوم جاليات تلك الجمهوريات التي لا تجد عملاً لها إلا في روسيا!!
عشرات الملايين من  سكان الجمهوريات المستقلة يعتمدون كلياً على العمل في روسيا بما في ذلك جورجيا التي أعلنت الحرب على روسيا، وأنها الآثم على أوسيتيا الجنوبية وقتلت أول ما قتلت قوات حفظ السلام الروسية، وقد شنت عدوانها الآثم على أوسيتيا بدعم كامل من أوكرانيا التي شاركت في الحرب بمدها لجورجيا بأسلحة الجيش الأوكراني، رغم كل هذا فالتعامل التجاري بين روسيا وجورجيا في مجال الخضروات والفواكه يفوق المائتي مليون دولار شهرياً..!!
فالغرب ما زال يواصل سياسة الاحتواء التي مارسها على الاتحاد السوفيتي مستخدماً أوروبا الغربية، أما اليوم فإنه أي الغرب يمارس ذات السياسة تجاه روسيا مستخدماً  تلك الدول التي انشقت عن الاتحاد السوفيتي، فأوروبا لم تعد تصلح لذلك الاحتواء فهي الخاسر الأكبر من هذه السياسة ولا بأس أن تحترق أوكرانيا أو جورجيا أو غيرها من الجمهوريات طالما أن روسيا ستكون المتأثر الأكبر من تلك الاضطرابات. إن جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق تحترق الواحدة تلو الأخرى والمعني بهذا الحريق هو روسيا، فالحريق في  جورجيا يمتد ليشمل كل القوقاز والحريق في أوكرانيا يمتد ليشمل غرب روسيا، فهل تعي تلك الدول أن الغرب يقدمها وقوداً لتحترق روسيا التي عند كل حريق يشعله الغرب تخرج منه روسيا أكبر قوة وأكثر منعة، هلا أدركت هذه الشعوب أنها تقدم قرباناً لتحقيق أهداف أبعد ما تكون في مصلحتها؟!
إن الشعب الأوكراني البسيط يريد أن يتعايش مع شقيقه الروسي في سلام ووئام هذه إرادة كل شعوب الدنيا، ولكن القوى التي تريد السيطرة على العالم تريد غير ذلك، لكن إرادة الشعوب أقوى من كل المؤامرات وسيعيش الشعبان في أمان وسلام رغم كيد الكائدين!
وقد حملت الأخبار أن كييف وافقت على الحوار مع المحتجين السلميين في شرق وجنوب أوكرانيا بعد أن هددت بالقوة على السلطة الانقلابية في كييف أن تحاور لأن استخدام القوة سيكون وبالاً على أوكرانيا ويجرها إلى حرب أهليِّة ستطول آثارها كل أوربا.