في الضيافة الروسية..!! د. هاشم حسين بابكر

في بادرة فريدة من نوعها، دعت سفارة روسيا الفيدرالية خريجي الاتحاد السوڤيتي السابق وخريجي روسيا الفيدرالية الحالية في حفل كان مقره منزل السفير الروسي الواسع والرحب والذي يمثل وسع كرم وحسن ضيافة الشعب الروسي البسيط..!!
وهذا التقليد ليس بالجديد على روسيا، فقد كنت شاهداً على مثيله منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، فقد كانت إدارة معهد السكة الحديد بمدينة لينجراد «سان بترسبورج حالياً» تقيم حفلاً سنوياً تدعو فيه جميع الأجانب الذين يدرسون بالمعهد لتحتفل معهم بعيد رأس السنة. كان حضور ذلك الحفل بالمئات من الطلاب الأجانب، وبالرغم من أن عيد رأس السنة عيد الأسرة إلا أن إدارة المعهد حولت هذا العيد الأسري إلى عيد أسرة عالمية تضم أفرادها من كل بقاع العالم من اسيا وافريقيا واوروبا وامريكا اللاتينية، وكان رب هذه الأسرة العالمية هو مدير المعهد أو ما يعرف بالروسية الريكتر..!! لقد عشت هذا التقليد العريق والجميل وغير المسبوق في كل أنحاء العالم قبل حوالى نصف قرن من الزمان الأمر الذي يؤكد عراقة التقاليد الروسية وارتباط روسيا بمن درس ويدرس فيها، وهي لا تنفصل عن خريجيها بعد تخرجهم بل تنشد وتعمل جادة لتقوية الرابطة بينها وبين خريجيها في جميع أنحاء العالم..!!
قد لا يستطيع الكثيرون من الخريجين العودة إلى روسيا لضيق ذات اليد، لكن روسيا لا تهمل هؤلاء بل تأتيهم في عقر دارهم تتعرف على أحوالهم لأن الارتباط بروسيا لم يكن ارتباطاً بالدراسة فقط، بل هو أكبر من ذلك بكثير فهو ارتباط علاقة إنسانية ربطت بين روسيا وخريجيها، ولعل هذه الرابطة هي أقوى الروابط والتي لا تنفصم..!!
ما أروع أن تلتقي مع زملاء دراسة لم تلتق بهم لمدة أربعين أو خمسين عاماً الأمر الذي لم يكن متاحاً ما لم تقم السفارة الروسية بجمع هذا الشمل الكريم، وقد كان هذا الجمع وهذا المجهود الضخم بقيادة السفير المبدع والبسيط بساطة روسيا الشاسعة سعادة السفير أمير غياث شيرينسكي الذي خاطب الجمع بلغة عربية سلسلة كانت رصيداً لا ينضب في العلاقات الإنسانية بين  شعبي روسيا والسودان..!!
اللقاء الذي تم كان ثمرة جهود السفارة مع رابطة الخريجين وجمعية الصداقة السودانية الروسية، ولم تكتف السفارة بالمجهود المضني لجمع الخريجين بل قدمت دعماً مادياً ومعنوياً لاكمال البيت الروسي في الحديقة العالمية، وقد تقدمت بعض الشركات أيضاً بدعم مادي مقدر..!!
هذه المبادرة التي تقدمت بها السفارة بالتضامن مع رابطة الخريجين وجمعية الصداقة ترمي إلى توثيق العلاقات الإنسانية بين الشعبين السوداني والروسي. فالعلاقات بين الشعبين لم تقتصر على العلاقات الدبلوماسية المحدودة الأثر والتي يتمنى كل سوداني بسيط وكل مواطن روسي بسيط أن تكون العلاقات الدبلوماسية في مستوى العلاقات الإنسانية بينهما كمواطنين بسطاء. وحين تلتقي البساطة الروسية مع نظيرتها السودانية فانتظروا كل ما هو مدهش وكل ما هو مفيد للشعبين العظيمين..!!
في ذلك اليوم المشهود التقيت عدداً غير يسير من زملاء الدراسة كان آخر عهدي بلقائهم قبل أربعين عاماً، واجتررنا الذكريات وتذكرنا أساتذتنا الروس بالاسم فأسمائهم حفرت في الذاكرة إلى الأبد، لم ننس أحداً منهم بل نذكرهم كذكرنا الآباء والأجداد، فذكراهم دائماً في القلب..!!
ما زلت حتى اليوم أذكر الشارع الذي يقع فيه معهد السكة حديد بتفاصيله رغم أن آخر عهدي به كان قبل أربعين عاماً.. مسكوفلسكي بروسبيكت رقم تسعة والذي يمتد من بداية الشارع حتى نهر الفانتانكا والذي بلغ من العمر الآن ما يزيد عن المئتي عام كأول صرح متخصص في السكة حديد في كل العالم..!! بيتر التي يحلو للروس تسمية مدينتهم سان بتسربورج «لينغراد سابقاً» دائمًا في الخاطر وتحتل في القلب ذات المكان الذي تحتله الخرطوم وعطبرة التي هي مسقط رأسي فبيتر كانت مسقط رأسي العلمي وعطبرة مسقط رأس حياتي فتشاركت المدينتان ذات المكان في القلب والعقل..!! تعذرت الإمكانات عن الكثيرين لزيارة روسيا التي ارتبطوا بها وجدانياً فما كان من روسيا الا ان تلبي رغباتهم فأتت إليهم في عقر دارهم ويا للروعة ويا لقوة الروابط الإنسانية..!! الجميع استمتع باللقاء ومئات الخريجين كانوا في غاية السرور لذلك اللقاء الذي جمع الكثيرين بعد فراق دام عشرات السنين..!! إنه تقليد عريق تمسكت به روسيا حيث تجمع خريجيها في مؤتمر الخريجين في موسكو كل أربع سنوات حيث يؤمه آلاف الخريجين من جميع انحاء العالم وهو تقليد انفردت به روسيا دون دول العالم أجمع..!!
إن أمنية الشعبين الروسي والسوداني أن تكون العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية في مستوى العلاقات الإنسانية بين الشعبين، فهما شعبان يشتركان في صفات إنسانية أساسية هي البساطة والكرم وحسن الضيافة وحب السلام..!!
وقد ضرب الشعبان مثلاً يحتذى في العلاقات الإنسانية ومنيتهما أن تحذو القيادات في كل من السودان وروسيا حذوهما فالشعوب هي مقياس العلاقات أياً كان نوعها..!!
وقد سبقت روسيا العالم كل العالم في تقوية الروابط بين شعوبها وشعوب العالم، ولم أسمع يوماً أن أي سفارة من سفارات دول العالم دعت خريجي دولتها إلى حفل تتعرف فيه على أحوال من تعلموا في دولهم..!!
الشكر كل الشكر باسم كل خريجي الاتحاد السوڤيتي على تلك اللفتة البارعة من سفارة روسيا وقائدها السفير تشرينسكي وطاقم السفارة ورابطة الخريجين وجمعية الصداقة على ذلك اللقاء الذي زاد في ترابطنا مع بعضنا البعض ومع الشعب الروسي الذي يعتبره الجميع أخاً ودوداً يعشق السلام في الأرض ويقدم نفسه فداءً له..!!