السودان.. حيرة وضبابية مشهد!!..د. هاشم حسين بابكر

يعيش السودان في فترة تغمرها الحيرة وضبابية المشهد، وسوء التقدير، وعتمة المستقبل، فالسودانيون في حيرة من أمرهم، فهم يشعرون بالضياع إذا استمر النظام الحاكم في السلطة وذات النظام يشعر بذات الشعور، فقد بلغ به اليأس وعدم القدرة على الاستمرار والاستقرار وحيداً فدعا الآخرين للمشاركة..!!
والآخرون قبلوا في غالبيتهم المشاركة مهما كان أثرها والبقية رفضت ولا تقبل إلا بإزالة النظام من جذورة..!!
وتكمن حيرة الشعب الذي يجد أن في استمرار النظام نهاية لما يسمى السودان، كما أنه يجد أن ازاحة النظام بالقوة تؤدي إلى ذات النتيجة، وقد اعتمد النظام على هذه الأخيرة التي ترتبط بإزالته بالقوة وقد قدم على أساسها مبادرته اعتماداً على أن استمراره في الحكم لوحده سوف يؤدي إلى ذات النتيجة..!!
لم يقدم النظام في مبادرته نوعية المشاركة وكيفيتها مكتفياً بسيل لعاب محترفي السياسة لكراسي الحكم حتى وإن كانت «بنابر» أو «عناقريب» منسوبة بالحبال البلدية طالما أن فيها ريح ورائحة للسلطة، وشمرت الأحزاب عن ساعديها والتي بلغت نيفاً وتسعين حزباً كل يأمل في بنبر أو عنقريب سلطة..!!
وتجربة الأحزاب في هذه الفترة بالذات لا تعدو أن تكون إلا إعادة للفشل السياسي والانهيار الاقتصادي فلسنا في حاجة لإجراء تجربة واحدة عدة مرات في انتظار نتائج مختلفة ونتمنى بعدها الأمنية المستحيلة «إن شاء الله حلم»..!!
وما لحق بالسياسيين من ضياع وفقدان رأس الخيط حل أيضاً بالمؤسسات الخدمية تحتها.. هذا إن كانت هناك مؤسسات خدمية اصلاً فحالة الاختناق المروري مثلاً تحتاج لمعالجات هندسية فنية ولكن التبرير الفني أو الـFunny كان انها حالة طارئة ستزول بعد عدة شهور وهذا يجعلني اعتبر ان الاختناق المروري انما هو فيروس كفيروس الانفلونزا التي يظهر شتاءً ويموت في الصيف تحت تأثير درجات الحرارة العالية..!!
 لكن هناك فيروس أبدي لا تقتله درجات الحرارة ولا حتى الحصار ولا المظاهرات ولا الاحتجاجات ولا التمرد المسلح وهو فيروس الحكم، لذا يجب الحد من تأثير هذا الفيروس وتحجيمه إلى الحد الأدنى..!!
وكيف يتم ذلك، يتم ذلك بأن تقوم حكومة تكنوقراط هدفها البناء، بناء ما تدمر خلال العقود السابقة وخاصة خلال الربع قرن الماضي، وهذا ما لا يمكن لأي حكومة قومية فعله، فالاحزاب التي كانت خارج السلطة حين كانت تحكم بدأ التدهور بها، فعند الثلاثين من يونيو 89 كان هناك اضراب للمزارعين وهو فيما اعرف كان الاول من نوعه..!!
وبعد ربع قرن من الزمان نجد ان المزارعين في حالة اضراب مفروض عليهم، اذ انهم يرزحون تحت نير الديون التي تدخلهم السجون وهم يستعدون للموسم الصيفي..!!
والنتيجة واحدة في 89 وفي 2014 إذ لا إنتاج، ذات المشهد تكرر في نظام حكم الاحزاب والنظام الحالي ومع اختلاف الاسباب فالنتيجة واحدة.. لا انتاج..!!
ماذا ننتظر من حكومة جمعت بين الفشل الائتلافي والفشل الاحادي، انها تجربة إعادة الفشل، مع اختلاف بسيط هو ان الفشل في هذه الحالة لا ينسب لفئة بعينها انما يكتب مصطلحاً سياسياً جديداًَ هو الفشل القومي..!!
هذا ما ستجره علينا ما يعرف بالحكومة القومية وهي تحمل شعار القومية بلا مضمون فالكل  تغلب عليه الذاتية أكبر عدو للقومية..!!
حتى الانقلاب الذي حدث قبل ربع قرن كان تشكيل مجلس قيادة ثورته في جميع أنحاء السودان لينال صفة القومية كأول انقلاب عسكري قومي، ولكن الروح الذاتية غلبت عليه فظهر مصطلح التمكين الذي عزل الجميع عدا فئة واحدة ومن هنا بدأ الخراب واستشرى الفساد..!!
وتفاقمت الأخطاء حتى بلغت حد تقسيم البلاد المخالف لجميع قوانين الدنيا دولية كانت أم إقليمية، ورغم عدم قانونية ما جرى كانت هناك ألغام تنفجر الواحد تلو الآخر وأخطر هذه الألغام عدم ترسيم الحدود رغم أنها معروفة لكل العالم بحدود 56!!.
لم يسأل أحد عن هذا التمزق، فالكل يتصرف كيفما بدى له، لسبب بسيط هو عدم وجود مساءلة لمقترفي تلك الاخطاء الجسيمة والتي جعلت مصير البلاد في غياهب المجهول..!!
وأضف إلى ذلك ما سمي زوراً بالنفرة الزراعية وبهتاناً بالنهضة الزراعية والأموال التي أهدرت فيها دون طائل يذكر ولا ذكرى طيبة تعاد..!!
هل لو تولى أهل الخبرة أمر الزراعة والري هل كنا سنحتاج لذلك الوهم المسمى بالنفرة والنهضة الزراعيتين..!!
وهل لو تولى أهل المعرفة أمر النقل الذي يمثل عقبة كبرى في سبيل تقدم ونمو الاقتصاد هل كنا في حاجة إلى ان يخطط لنا البعض لسيتعيضوا عن السكة حديد بالشاحنات، في حين ان السكة حديد تتحمل 90% من طاقة النقل في البلاد..؟!
البعض من السياسيين ينادي بحكومة خبرات وهو تعبير يتطابق مع حكومة التكنوقراط التي أنادي بها والتي اعتبرها المخرج الوحيد للسودان في الوقت الراهن ولكن هؤلاء حددوا حكومة الخبرات بسنتين وهذه الفترة غير كافية لإعادة إعمار المؤسسات الاقتصادية لتقف على رجليها..!!
حكومة كهذه يجب أن تعطى فترة أقلها خمس سنوات ليعود السودان من جديد قوة اقتصادية وسياسية وفي خلالها ربما تأخذ المنية الكثير من عطالى السياسة ويظهر جيل جديد وبأفكار جديدة تطرحها أحزاب جديدة تنقلنا إلى روح العصر وتنتشلنا من تلك الأفكار التي سادت من قبل الاستقلال وما زالت تسيطر على عقولهم منذ ذلك الزمن..!!