يا ناس الخرطوم شوفوا نظرية الفرجوني في التنمية

السودان بلد المليون ميل مربع قبل الانفصال وآلاف الأميال المربعة بعد الانفصال الذي لم يبلغ عدد سكانه حتى الأربعين مليوناً، كان من المفروض وبهذا المنطق وبناءً على وقائع الجغرافيا أن يكون من أرخص بلاد الدنيا في السكن طالما أن مساحة البلد كبيرة جدًا مقارنة مع نسبة السكان، ولكن من سخريات القدر أن السودان من أغلى بلاد الدنيا سكناً لسبب بسيط وهو أن اختلال موازين التنمية جعل الناس يتكدّسون في شريطٍ ضيِّق جدًا كل منهم يطمع أن يجد له مساحة أرض فيه، فقد أصبحت حيازة قطعة أرض في أطراف العاصمة همّ معظم الأسر في السودان رغم المساحات الشاسعة ورغم عدم الاختلاف، فالأرض في تمبول وفي نيالا وفي الخرطوم وفي الفاشر واحدة، أرض الخرطوم ليست من رخامٍ أو من ذهب، لكن ثقافة التنمية المضطربة في السودان جعلتها كذلك، مع أن كل بلاد الدنيا لا تشكل فيها العواصم سوى رموز سيادية وسياسية ليس إلا، وليست مكانًا مثالياً للعيش لا يستطيع المواطن من دونه أن يجد راحة في صحته أو تعليمه أو أية خدمة أخرى، حتى أصبحت العاصمة عقدة يحسّ الإنسان بالنقص إن لم يجد له موطىء قدم فيها.. مع أنه وفي بقية أرجاء العالم لا يفضل الناس العيش عادة في العواصم ويعيش معظم الناس في الضواحي.
الخرطوم وإلى وقتٍ قريب لم تكن مقصداً للكثير من أهل السودان إلا في بعض الأحيان النادرة، فالحياة في السودان كانت متزنة بدرجة كبيرة رغم التخلّف التنموي لكنها لم تشهد فروقًا حادة في المجتمع كما يحدث الآن، بل كانت أقاليم السودان الأخرى مقصداً لكثير ممن استوطن العاصمة منذ عشرات السنين ولم ينزح إليها في العقدين الماضيين اللذين شهدا تكدساً كبيراً لآلاف الأسر السودانية التي جبرتها ظروف العيش للنزوح للخرطوم لا رغبة في مفارقة ديارهم ولكن سبل كسب العيش الضيِّقة فعلت بهم ذلك فغادروا مواطنهم الأصلية وقلوبهم تتقطّع شوقًا لقراهم وبواديهم.
السودان كان فيه زمان يتمنّى أبناء الخرطوم العمل في مشروع الجزيرة حينما كان عملاقاً، ويتمنّى العمل في السكة حديد في كافة أرجاء السودان، ويتمنّى أن يصبح ضابطاً تنفيذيًا في كسلا والفاشر وودمدني، ويتمنّى أن يدرُس المرحلة الثانوية في خور طقت أو مدرسة حنتوب اللتين تم إغلاقهما دون أي مبرِّر وكانت تشكل مدارس نموذجية ضخمة قبل أن تظهر مدارس العاصمة النموذجية التي تحتكر كل عام نصيب الأسد من المائة الأوائل في الشهادة السودانية.
عقدة المركز هذه لم تكن موجودة في بدايات تشكيل الدولة الوطنية، حتى إسماعيل الأزهري رافع علم الاستقلال عمل معلماً في عطبرة، ومحمد أحمد محجوب عمل قاضياً في كردفان، وبابكر عوض اللّه أول رئيس برلمان عمل قاضياً في الأبيض، فالحياة في السودان كانت متزنة، أندية الخريجين في مديريات السودان القديمة كانت تنافس نادي الخريجين في العاصمة، بل حتى فكرة مؤتمر الخريجين نبعت في ودمدني بنادي الخريجين، فالعاصمة لم تكن عقدة أصلاً، فأحياء ودمدني العريقة والأبيض وبورتسودان وعطبرة كانت مثلها مثل أحياء أم درمان بمثقفيها وتجارها وموظفيها لا يشعر الناس فيها بأي فرق، وقد شهدنا زماناً في مؤسسة الرهد الزراعية كان الموظف يتذمّر فيها حينما تأتي إليه نقلية إلى الخرطوم إذ أن امتيازات الوظيفة في المشاريع الزراعية أفضل بمراحل من امتيازات وزارة الزراعة في المركز، ليس كل من برع في السودان كان بسبب استقراره في الخرطوم بل هناك من أصبحوا ملء السمع والبصر في السودان ولم يطيقوا العيش في المركز يأتون إليه برهة ويغادرونه، حسن خليفة العطبراوي رفض مغادرة عطبرة، وحسين بازرعة تنقل ما بين جدة وبورتسودان، وسيد سليم المدرِّب القدير عاد إلى مسقط رأسه في ودمدني، والشاعر خليل عجب الدور رفض مغادرة القضارف مطلقاً وهي التي قال فيها شعراً أثنى عليه عبد اللّه الطيب، وعبد الرحمن علي طه أول وزير للمعارف عاد لأربجي بعد انقلاب إبراهيم عبود ومات فيها، ومدثر البوشي وزير العدل في حكومة الأزهري بعد الاستقلال استقر به المقام في ودمدني.
الإنقاذ رغم إنجازاتها المقدّرة من طرق وكبارٍ وسدود وبنيات الطاقة والاتصالات والبترول إلا أن ما يحيِّر فيها رغم إنجازاتها الكبيرة في ظل ظروف حصار وحرب وتوترات إلا أنها عجزت عن المحافظة على ما كان موجوداً.. لماذا تفشل الحكومة في إدارة مشاريع زراعية مكتملة البنية التحتية كان يمكن أن تكفيها وتزيد عما فقدته من أموال البترول بعد الانفصال بكل بساطة؛ لأن ما يجعل الناس يتكدّسون في العاصمة ليس الرغبة الأصلية في الخرطوم ولكن نضوب سبل كسب العيش في الأقاليم التي تمثل الزراعة عصبها التي ابتلاها اللّه أيما ابتلاء نرجو أن تكون آخرها التقاوي الفاسدة التي ملأت أنباؤها الدنيا وشغلت الناس.
أكثر من ستين بالمائة ممن يقطنون الآن في الخرطوم لم تدخل العاصمة في مزاجهم إذ أن حالهم هنا في الخرطوم لم يتحوّل إلى نعيمٍ كما كانوا يتوقّعون، وليس أدلّ على ذلك من مقولة والي الخرطوم التي نشرتها الصحف «الما قادر يعيش في الخرطوم ما يقعد فيها».. فالعيش في الخرطوم ليس غاية من الغايات؛ لأن الإنسان لا يسكن في مكان لمجرد اسمه فقط ولكن يستقر حيث يجد خدماته وسبل كسب عيشه مهما كان الموضع الذي يسكن فيه.
بالعودة إلى عنوان المقال ـ فقد جسّد الفنان الشاعر والفنان والمثقّف و«السحارة» الفيلسوف أحمد عبد الله البنا نموذجاً للتنمية الريفية وببساطة، والفرجوني نموذج لمن شغلوا حيزاً في الخارطة الثقافية والأدبية في السودان دون أن يكون مريضًا بشيء اسمه الخرطوم حيث اختار العيش في أرض البطانة وهو مولود في قلب أم درمان بحي ود البنا وليس في أطراف المدينة في الحارة ستين أو خلفه سوق ليبيا، هو ابن شيخ شعراء السودان عبد اللّه البنا الذي تقسّمت أسرته بين أم درمان والبطانة، فحينما ذهبنا للأهل في عيد الفطر الماضي سألنا عن الفرجوني وكنا نظنه في أم درمان ولكن أخبرونا وأنه قد حجز أرضًا بين الكاهلي والتبيب أبو خرير وقرّر الاستقرار فيها نهائياً وبنى فيها بيوتًا على طراز الريف الإنجليزي وأصبح مربيًا للثروة الحيوانية ومزارعًا وبل خصّص مكانًا خاصًا لكلاب الصيد هوايته التي يعشقها منذ الصغر، رغم كل ذلك لم يغب الفرجوني عن الإعلام، الفضائيات والإذاعة التي يسجل فيها برنامجًا أسبوعياً بعنوان (مسامرات)، وبهذا فقد حقَّق ذاته الثقافية وانحاز لراحته النفسية التي يجدها في الفضاءات الواسعة وليست الشقق المفروشة أو الحارات الضيِّقة، ليس ذلك فحسب فقد أتى بزوجته من أمريكا لتسكن معه في أطراف البطانة هانئة سعيدة وليس المنشية أو الرياض أو الطائف.
أحمد الفرجوني وبدون ضجيجٍِ قدّم نموذجاً للمواطن المنتج المثقّف فاق به كل السياسيين الذين لا همّ لأحدهم سوى اقتناء عمارة في المنشية أو الصافية.
عفارم يا الفرجوني فلو أن الناس يفكِّرون مثلك لما أصبح إيجار المنازل في الخرطوم أغلى منه في كل عواصم الدنيا، ولما أصبح امتلاك منزل في العاصمة حلمًا يدفع المغترب السوداني سنوات عمره لتحقيقه.