تبيين إفك المفتري «3»..د. عارف عوض الركابي

هذه هي الحلقة الثالثة في كشف وتبيين افتراءات الدكتور صلاح الخنجر الذي نشر مقالاً يوم السبت 5 رجب 1436هـ بصحيفة «السوداني» بعنوان : «مدرسة ابن تيمية والجرأة على الأكابر»، وافتتح مقاله بقوله: «هي سلسلة مقالات وحلقات في فكر ابن تيمية وليس في شخصه كما أسلفت، ولي معرفة بفكره أكثر من أنصاره ومحبيه..» وكنت توقّعت أنه بعد المقالات التي رددتُ عليه بها بصفحات هذه الصحيفة وآخرها مقالان بعنوان: «وقفات مع مجازفات» توقّعت أن يتوقف الخنجر عن إلقائه للكلام على عواهنه ورميه للتهم بلا بينة ولا برهان، ولكن يبدو أنه لم يفد من تلك الوقفات، فأنشر هذه الحلقات طلباً لهدايته في المقام الأول وهو مطلب عزيز عندي، ثم كشفاً لتلبيسه وافترائه الذي «قلّد» فيه غيره، فشأنه أنه حاطب ليل، يجمع جمراً ويحسبه تمراً!! وبسبب توقف الصحيفة عن الصدور لعدة أيام تأخّرت هذه السلسلة.
وفي الحلقتين الماضيتين كشفت افتراءه الذي نسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية زوراً وبهتاناً بزعمه «مقلداً» أن ابن تيمية يطعن في أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وتبيّن أن ابن تيمية رحمه الله يثني ثناء عظيماً كثيراً بأعلى عبارات الثناء على الخليفتين الراشدين أبي بكر وعلي رضي الله عنهما، والتحدي قائم ليثبت لنا د. صلاح الخنجر ما ادعاه ونسبه لابن تيمية من كتبه.. وهذه الحلقات تميل للإيجاز فما نقلته من ثناء ابن تيمية على أبي بكر وعلي رضي الله عنه بالإمكان النقل مثله في الثناء على الخليفتين الراشدين عمر وعثمان رضي الله عنهما، فطلباً للاختصار اكتفي بالنموذجين المذكورين في الحلقة الأولى والثانية، لانتقل للتعليق على جزئية أخرى من المقال الآثم القائم على الافتراء والكذب المفضوح.
قال الخنجر: «ولنقرأ هذا الجزء من كتاب الإمام الذهبى تلميذ ابن تيمية في رسالته القيمة التي سماها «النصيحة الذهبية» بعد ما تاب واتضح له الحق ورجع من هذا الفكر، قال وهو يخاطبه: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجزع في عينيك؟ يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والهوى! إلى كم تصادق نفسك وتزدري بالأبرار؟ ياليت أحاديث الصحيحين تسلم منك! بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار أو بالتأويل والإنكار!!» ، هذا جزء من نصيحة الذهبي لابن تيمية».
قلتُ: والحقد الدفين المتلبّس به الخنجر وبغضه للعالم الرباني ناصر التوحيد والسنة يجعله يحتطب ليجد ما ينتقص به ابن تيمية، ولكن هيهات!!!
إن الرسالة المنسوبة للذهبي باسم «النصيحة الذهبية» هي رسالة مكذوبة باطلة سنداً ومتناً، وإن أول من أظهرها هو الأشعري زاهد الكوثري!! وقبل بيان أوجه بطلان هذه الرسالة فإني أنقل ثناء الحافظ الذهبي تلميذ ابن تيمية على شيخه، فهو ثناء مشهور غير مجهول.
قال الإمام الذهبي في «معجم شيوخه» عن ابن تيمية : «أحمد بن عبد الحليم.. أبو العباس تقي الدين شيخنا، وشيخ الإسلام، وفريد العصر، عِلماً، ومعرفة، وشجاعة، وذكاء، وتنويراً إلهيّاً، وكرماً، ونصحاً للأمَّة، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته، وخرج، ونظر في الرجال، والطبقات، وحصَّل ما لم يحصله غيره.
برَع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه، بطبع سيَّال، وخاطر إلى مواقع الإِشكال ميَّال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث، وحفِظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث، معزوّاً إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقوم بما دليله عنده، وأتقن العربيَّة أصولاً وفروعاً، وتعليلاً واختلافاً، ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وَرَدَّ عليهم، وَنبَّه على خطئهم، وحذَّر منهم، ونصر السنَّة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأُوذي في ذات اللّه من المخالفين، وأُخيف في نصر السنَّة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وَكَبَتَ أعداءه، وهدى به رجالاً من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالباً، وعلى طاعته، أحيى به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولى الأمر لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم، فظُنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشْرَأَب النفاق وأبدى صفحته.
ومحاسنه كثيرة ، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي ، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: إني ما رأيت بعيني مثله ، وأنه ما رأى مثل نفسه».«ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي».
وقال الذهبي في كتابة طبقة سماع كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام: «سمع هذا الكتاب على مؤلفه شيخنا الإمام العالم العلامة الأوحد، شيخ الإسلام ، مفتي الفرق ، قدوة الأمة ، أعجوبة الزمان ، بحر العلوم ، حبر القرآن ، تقي الدين ، سيد العباد ، أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رضي الله عنه».
وكتب أيضا تحت خط شيخ الإسلام: «هذا خط شيخنا الإمام شيخ الإسلام فرد الزمان بحر العلوم تقي الدين قرأ القرآن والفقه وناظر واستدل وهو دون البلوغ برع في العلم والتفسير وأفتى ودرس وله نحو العشرين وصنف التصانيف وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره في أيام الجمع وكان يتوقد ذكاء وسماعاته من الحديث كثيره وشيوخه أكثر من مائتي شيخ ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحته وسقمه فما يلحق فيه، وأما نقله للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين فضلا عن المذاهب الأربعة ، فليس له فيه نظير وأما معرفته بالملل والنحل والأصول والكلام فلا أعلم له فيه نظيرا، ويدري جملة صالحة من اللغة وعربيته قوية جدا، ومعرفته بالتاريخ والسير فعجب عجيب ، وأما شجاعته وجهاده وإقدامه فأمر يتجاوز الوصف ويفوق النعت ، وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يضرب بهم المثل وفيه زهد وقناعة باليسير في المأكل والمشرب» «الشهادة الزكية مرعي الكرمي».
وقال الذهبي أيضاً في ترجمة ابن تيمية: «... ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا وجسر عليها حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه وبدعوه وناظروه وكاتبوه وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي بل يقول الحق المر الذي أداه إليه إجتهاده وحدة ذهنه وسعة دائرته في السنن والأقوال مع ما اشتهر منه من الورع وكمال الفكر وسعة الإدراك والخوف من الله العظيم والتعظيم لحرمات الله، فجرى بينه وبينهم حملات حربية ووقعات شامية ومصرية وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحد فينجيه الله تعالى فإنه دائم الابتهال كثير الاستغاثة قوي التوكل ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدمنها بكيفية وجمعية، وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء ومن الجند والأمراء ومن التجار والكبراء وسائر العامة تحبه لأنه منتصب لنفعهم ليلا ونهارا بلسانه وقلمه، وأما شجاعته، فيها تضرب الأمثال وببعضها يتشبه أكابر الأبطال...» «الشهادة الزكية لمرعي الكرمي والعقود الدرية لابن عبد الهادي».
وقال الذهبي: «وكان آية من الذكاء وسرعة الإدراك ، رأساً في معرفة الكتاب والسنة والإختلاف، بحراً في النقليات هو في زمانه فريد عصره علماً وزهدًا وشجاعة وسخاء وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وكثرة تصانيف وقرأ وحصل وبدع في الحديث والفقه وتأهل للتدريس والفتوى وهو ابن سبع عشرة وتقدم في علم التفسير والأصول وجميع علوم الإسلام أصولها وفروعها ودقها وجلها فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاط نطق وخرسوا، وسرد وأبلسوا، واستغنى وأفلسوا، وإن سمي المتكلمون فهو فردهم وإليه مرجعهم وإن لاح ابن سينا، يقدم الفلاسفة فلكم وهتك أستارهم وكشف عوارهم، وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن تصفه كلمي، وينبه على شأوه قلمي، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته، يحتمل أن توضع في مجلدين، فالله تعالى يغفر له ويسكنه أعلى جنته فإنه كان رباني الأمة وفريد الزمان وحامل لواء الشريعة وصاحب معضلات المسلمين رأساً في العلم يبالغ في أمر قيامه بالحق والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبالغة ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد ولا لحظتها من فقيه» «الشهادة الزكية والعقود الدرية».
وقد رثا الحافظ الذهبي ابن تيمية بأبيات مشهورة ، وثناؤه عليه كثير ومتواتر ، وأما الرسالة المكذوبة فأبين في أول الحلقة التالية بإيجاز  أبرز أوجه بطلانها..
ونلتقي في الحلقة التالية إن شاء الله..

تبيين إفك المفتري «2»..د. عارف عوض الركابي

هذه هي الحلقة الثانية لكشف وتبيين افتراءات الدكتور صلاح الخنجر الذي نشر مقالاً يوم السبت 5 رجب 1436هـ بصحيفة «السوداني» بعنوان: «مدرسة ابن تيمية والجرأة على الأكابر» ، وافتتح مقاله بقوله: «هي سلسلة مقالات وحلقات في فكر ابن تيمية وليس في شخصه كما أسلفت، ولي معرفة بفكره أكثر من أنصاره ومحبيه..» وكنت توقّعت أنه بعد المقالات التي رددتُ عليه بها بصفحات هذه الصحيفة وآخرها مقالان بعنوان: «وقفات مع مجازفات» توقّعت أن يتوقف الخنجر عن إلقائه للكلام على عواهنه ورميه للتهم بلا بينة ولا برهان، ولكن يبدو أنه لم يفد من تلك الوقفات، فأنشر هذه الحلقات طلباً لهدايته في المقام الأول وهو مطلب عزيز عندي، ثم كشفاً لتلبيسه وافترائه الذي «قلّد» فيه غيره، فشأنه أنه حاطب ليل، يجمع جمراً ويحسبه تمراً!! وبسبب توقف الصحيفة عن الصدور لعدة أيام تأخّرت هذه السلسلة.
وفي الحلقة الماضية كشفت افتراءه الذي نسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية زوراً وبهتاناً في الطعن في علي رضي الله عنه، وتبيّن أن ابن تيمية رحمه الله يثني ثناء عظيماً كثيراً بأعلى عبارات الثناء للخليفة الراشد علي رضي الله عنه، والتحدي قائم ليثبت لنا د. صلاح الخنجر ما ادعاه ونسبه لابن تيمية من كتبه.
وفي هذه الحلقة أكشف افتراءه وكذبه على ابن تيمية في ما نسبه إليه من إدعاء غمزه في خير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد قال المفتري بحسب ما نشر في صحيفة «السوداني» فقال: «وابن تيمية له كلام شنيع في حق الخلفاء الراشدين، قال ابن تيمية: لقد أسلم الصديق شيخاً كبيراً فانياً....»!!
ما أعظم افتراء د. الخنجر!! وما أشنع ما نسبه لابن تيمية «تقليداً».
أدعُ شيخ الإسلام يردُّ على المفتري افتراءه، ويبطل هذا الكذب المشين، بالنقل الحرفي مما قاله عن أبي بكر الصديق رضي الله، كنماذج، وغيرها مئات النماذج، وأرجو أن يحمل ذلك الخنجر ليعلن تراجعه العلني في ما نشره من افتراء على العالم ابن تيمية، قال ابن تيمية:
1/ «وَأَفْضَلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ بَعْدَ الرُّسُلِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ».
2/ «بَلْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَا يُحْفَظُ لَهُ فُتْيَا أَفْتَى فِيهَا بِخِلَافِ نَصِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم».
3/ «وكان أعظم من آمن به أبو بكر الصديق مع كمال عقله وخلقه ودينه في قومه ومحبتهم له وعلو قدره فيهم أنفق ماله كله في سبيل الله حتى قال له النبي صلى الله عليه و سلم ما تركت لأهلك قال تركت لهم الله ورسوله ولم يعطه النبي صلى الله عليه وسلم درهماً واحداً يخصه به ثم تولى الأمر بعده وترك ما كان معه للمسلمين..».
4/ «وكما يقال لمن يعظم شيخه أو أميره بأنه يطاع في كل شيء وأنه لا ينبغي مخالفته فيقال له أبو بكر الصديق أفضل منه وقد قال أطيعوني ما أطعت الله تعالى فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني»
5/ «ولهذا قالوا «يقصد بعض غلاة أهل البدع والتصوف» ... مقام النبوة في برزخ... فوق الرسول ودون الولي ... وهذا قلب للحقيقة التي اتفق عليها المسلمون وهو أن الرسول أفضل من النبي الذي ليس برسول والنبي أفضل من الولي الذي ليس بنبي والرسالة تنتظم النبوة والولاية كما ان النبوة تنتظم الولاية وأن أفضل الأولياء أكملهم تلقياً عن الأنبياء وهو أبو بكر الصديق فإنه أفضل من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما».
6/ «و قد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه من أصبح منكم اليوم صائماً فقال أبو بكر أنا قال فمن تبع منكم جنازة قال أبو بكر أنا قال هل فيكم من عاد مريضاً قال أبو بكر أنا قال هل فيكم من تصدق بصدقة فقال أبو بكر أنا قال ما اجتمع لعبد هذه الخصال إلا و هو من أهل الجنة وهذه الأربعة لم ينقل مثلها لعلي ولا غيره في يوم وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فإن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة وإن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد وإن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر يا رسول الله فما على من دعي من تلك الأبواب كلها من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها، قال نعم وأرجو أن تكون منهم ولم يذكر هذا لغير أبي بكر رضي الله عنه..».
7/ « وَالْمَقْصُودُ  أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَحِبُوهُ قَبْلَ الْفَتْحِ اُخْتُصُّوا مِنْ الصُّحْبَةِ بِمَا اسْتَحَقُّوا بِهِ التَّفْضِيلَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، حَتَّى «قَالَ لِخَالِدٍ : لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي» فَإِنَّهُمْ صَحِبُوهُ قَبْلَ أَنْ يَصْحَبَهُ خَالِدٌ وَأَمْثَالُهُ. وَلَمَّا كَانَ  لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَزِيَّةِ الصُّحْبَةِ مَا تَمَيَّزَ بِهِ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ خَصَّهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ (كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَلَامٌ، فَطَلَبَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ عُمَرَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَامْتَنَعَ عُمَرُ، وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ مَا جَرَى؛ ثُمَّ إنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَخَرَجَ يَطْلُبُ أَبَا بَكْرٍ فِي بَيْتِهِ، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جَاءَ عُمَرُ أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْضَبُ لِأَبِي بَكْرٍ؛ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي جِئْت إلَيْكُمْ فَقُلْت: إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ كَذَبْت، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقْت فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي؟ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي؟}فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا. فَهُنَا خَصَّهُ بِاسْمِ الصُّحْبَةِ، كَمَا خَصَّهُ بِهِ الْقُرْآنُ فِي قَوْله تَعَالَى «ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: بَلْ نَفْدِيك بِأَنْفُسِنَا؛ وَأَمْوَالِنَا. قَالَ: فَجَعَلَ النَّاسُ يَعْجَبُونَ أَنْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ». وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنْ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيْنَا فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا؛ وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي، سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ  وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ يَكُونُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ بِأَقْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفْعَالِهِ، وَأَحْوَالِهِ.  وَالْمَقْصُودُ  أَنَّ الصُّحْبَةَ فِيهَا خُصُوصٌ وَعُمُومٌ، وَعُمُومُهَا يَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ مَنْ رَآهُ مُؤْمِنًا بِهِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: صَحِبْتُهُ سَنَةً؛ وَشَهْرًا، وَسَاعَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ...».
قلتُ: ومثل هذا كثير وكثير عشرات بل مئات، فليأت الخنجر بنسبة صحيحة لغمز ابن تيمية في أبي بكر، وأنّى له ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط!!
ونلتقي في الحلقة التالية إن شاء الله..

رمضان فرصة للانعتاق من داء العنصرية القبلية..د. عارف عوض الركابي

وأيام شهر رمضان المبارك ولياليه مجال أرحب للتوبة والاستغفار والأوبة ومحاسبة النفس ومراجعتها، وكم من مسرف على نفسه يقع في الموبقات والمعاصي ويقصّر في أداء الواجبات ينيب إلى الله ويستغفر ويقلع عن المنكرات ويقبل على طاعة رب الأرض والسماوات، وفرصة عظيمة لأن ينعتق في مجتمعنا كل من أصيب بداء العنصرية القبلية التي هي من شرّ الأدواء، ومن الأمراض الفتّاكة التي تضرر منها مجتمعنا ولا يزال الضرر قائماً حتى باتت العنصريات القبلية من أعظم ما يهدد الأمن والأمان في بلادنا.
وبين كل حين وآخر أذكر بخطورة أحد أدواء العصر وأحد أكبر الأمراض الفتاكة التي انتشرت في مجتمعنا.. ولن نيأس من استمرار التذكير ولن نقطع الأمل في القضاء على هذه الظاهرة الممقوتة شرعاً المبغضة عرفاً المدمرة في عواقبها وآثارها.
إنها العنصرية القبلية التي كثر صرعاها وقتلاها.. وأصبحت تتجذر وتتأصل في مجتمعنا يوماً بعد يوم .. ولا يخفى علينا أن أعداءنا يخططون للوصول إلى غاياتهم المنشودة التي أصبحت ظاهرة مكشوفة ترى بالأعين وتشاهد وتزداد وضوحاً بمرور الأيام.. وبلا شك أن صاحب الهدف والغاية يسعى للوصول إلى غايته عبر أفضل الوسائل والأساليب.. فهل أدركنا وأدرك هذا المجتمع على اختلاف أفراده أن أعداءهم أجادوا وأتقنوا استخدام وسيلة «إثارة العنصرية والنعرات القبلية» لتحقيق أهدافهم من تمزيق المجتمع وتمرير مخططاتهم.. حتى رأوا نتائج مآربهم ..؟!!
وهل علم «الكثيرون» أنهم قد تم استغلالهم فزُيّنت لهم أشياء وتم تسليط الضوء عليها لأنها فتيل يسهل إشعاله.. ويستمر ويكبر إحراقه ودماره؟!
إن الدعوة إلى إثارة القبلية والعنصرية هو من أكبر مخططات الأعداء لتفتيت هذه البلاد وإثارة الحروب والدمار فيها، وإيقاد نيران الحرب في جهاتها المختلفة..
وعلى هذا المنوال فإن من المعلوم بالاضطرار أن كل صاحب قضية ـ محقاً كان أم مبطلاً ـ يستخدم من الوسائل ما يراه مناسباً .. وفي الفترة الماضية أصبحت قضية «العنصرية القبلية» تحتل حيزاً واضحاً.. وتستثمر استثماراً كبيراً.. وإن من المؤسف حقاً أن تجد أرضاً خصبة ينبت فيها نبتها السيء.. فتستعصي المسائل وتصعب الحلول.. ويكثر اللهيب.. ويتناثر الشرر.. ويضيع ويفسد بذلك الحرث والنسل..
هزمت دعوات العنصرية كثيرين.. والمؤسف حقاً أن من أكثر المنهزمين لهذه الدعوة المنتنة.. بعض من يوصفون بــ «المثقفين» و«المتعلمين»... وقد عرف الصغير قبل الكبير موقف الإسلام من الدعوة إلى العنصرية وحسمه ودوائه لدائها الفتاك.. إلا أن الكثيرين قد استجابوا لهذه الدعوات وأصبحت شغلهم الشاغل.. فكانوا في وادٍ وتوجيهات الشرع في هذا الأمر في وادٍ آخر!!
من يا ترى المستفيد من إثارة العنصريات والقبليات والقذف بالأنساب والطعن فيها وتقطيع المجتمع المسلم بذلك؟!
للإجابة عن هذا السؤال يجب أن يدرك الجميع أن البيئة التي ينتشر فيها داء العنصرية القبلية يكون الجميع فيها خاسر!! ولك أن ترى أو تسمع أو تقرأ حواراً بين شخصين عنصريين.. خاصة في عالم المنتديات الإلكترونية!! لتدرك ما أريد شرحه.. فهذا يقول للآخر يا «جلابي» كمثال ويرد عليه الآخر بقوله يا غرباوي وآخر يعير الثاني بقوله يا رطاني ويرد عليه الآخر يا عربي.. وهكذا الحال.. قذف بعنصرية جاهلية.. فتجد أن من يشكو من العنصرية يرد على الآخر بعنصرية هي أكبر من أختها!! وهو بعينه العلاج بنفس الداء فيزداد المرض فتكاً بصاحبه!! وهو موقف متكرر بين المصابين بمرض العنصرية في بلادنا هذه أو غيرها من البلاد.. تبادل إطلاق عبارات «جاهلية» «منتنة» وفي النهاية لا يوجد من يفيد من هذا الأمر إلا العدو الذي أجاد تزيين الأمر وإشعاله بينهما..
فهل نطمع في وعي وإدراك لخطورة هذه القضية الحساسة الشائكة.. والتي هي من أهم وسائل أعداء هذا المجتمع؟! وهل نتوقع أن يفيق الكثيرون ممن وقعوا في هذا الشَرَك المحكم؟!
لا بد من بذل الأسباب لتفويت الفرصة على أعدائنا.. وحتى ننعم بحياة طيبة.. في ظل توجيهات هذا الدين العظيم.. الذي حسم هذه القضية وقطع نبتها الخبيث من أصوله واجتثها.. وحذر منها بل أكّد التحذير.. وشنّع بمن يقع فيها ووصفه بأوصاف ذميمة.. وقد قطع الله تعالى دابر هذا البلاء الذي تقطع به الصلات وتمتلئ به القلوب بالشحناء والبغضاء.. ويزداد الغل بسببه إلى أن يبلغ القتل والدمار والخراب.. «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، «لا يسخر قوم من قوم» ،«ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب» «خلقكم من نفس واحدة»... فهل سيستجيب المجتمع لدعوة الشرع والحكمة والعقل.. فينبذ القبلية والعنصرية، ويعتصم بالكتاب والسنة ويتآلف أفراده فيما بينهم.. وينظرون للمصلحة العامة ويضعون الفخر بالأحساب والانتصار للقبليات في محلها الذي وضعه الإسلام «تحت الأقدام»؟!
لقد كان من أهم أسباب نصرة النبي عليه الصلاة والسلام وانتشار هذا الدين رغم محاولات أعدائه من «اليهود والنصارى والمشركين والمجوس والمنافقين» هو اجتماع كلمة المسلمين وموالاتهم لبعضهم البعض ورحمتهم ببعضهم، والإخوة التي تحققت بينهم وكانوا عليها.. وقد جاءت النصوص الكثيرة والتشريعات التي تم تحقيق هذا الجانب المهم بها.. وفي المقابل فقد علم النبي عليه الصلاة والسلام أن إثارة القبلية من أكبر مهددات المجتمع وفساد حياته الطيبة ومن ثَم سهولة نصرة أعدائه عليه.. فبلّغ في ذلك كما في غيره البلاغ المبين وأوضح الأمر وفصّل فيه بما لا يبقى به حجة لمن يقع في هذا«المستنقع» المظلم المدمّر.. وهذا «الدرك» الذي تضيع به حسنات صاحبه فيتضرر الأفراد.. ويسهل التفريق به بين الناس فيتضرر المجتمع.. وأشير هنا إلى بعض ما ورد عن نبي الهدى والرحمة عليه الصلاة والسلام في هذه القضية المهمة:        
قال عليه الصلاة والسلام: «.. من قاتل تحت رايةٍ عُمِيّة يدعو إلى عصبيةٍ أو يغضب لعصبية، فقتل، فقتلته جاهلية» رواه النسائي، وفي لفظ: «.. ومن قتل تحت رايةٍ عُمِيّةٍ يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس من أمتي» أخرجه مسلم في صحيحه.. والعصبة: بنو العم، والعصبية أخذت من العصبة.
وقال: «من قتل تحت راية عمية يدعوا عصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية» رواه مسلم
وقال: «.. ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم» رواه الإمام أحمد. والدعوة للعصبية هي من الدعوات الجاهلية كما جاء في حديث«ما بال دعوى أهل الجاهلية؟!» لما اختلف رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار فقال المهاجري يا للمهاجرين، وقال الأنصاري يا للأنصار ثم قال: دعوها فإنها خبيثة» متفق عليه وكما في قوله لأبي ذر رضي الله عنه: «يا أبا ذر إنك أمرؤٌ فيك جاهلية» متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من دعا إلى عصبيةٍ، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبيةٍ» رواه أبو داود وله شاهد، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه في «صحيح مسلم». والأحاديث الواردة في هذه القضية كثيرة في «أعدادها»، وواضحة في «مدلولاتها ومعانيها»..
هذا هو التوجيه الرباني العظيم.. والمنهج النبوي الكريم .. في هذه القضية «الواضحة»، فلنجتهد جميعاً لردم هذه الحفرة التي وقع فيها كثيرون ولا يزال هدمها مستمر ويهدد بقية أجزاء أرضنا وديارنا وأفراد مجتمعنا.. «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..».