هيبة الحاكم بين «المصالح الشرعية» و«الكتابات الصّحفية»..د. عارف عوض الركابي

استوقفني وأنا أقرأ مقالاً لأحد الزملاء وفقه الله قولُه: «لن تكون الصحافة السودانية مثل الصحافة الخليجية التي لا تقدم»المسؤول« إلّا بعبارات التبجيل والإطراء والثناء والفخامة».
ولمّا كنت منذ عدة أيام أرغب في التعليق على بعض الملحوظات التي ذُكرِت عن أداء بعض الصحف في طريقة تناولها وعرضها للأخبار ونشرها لأخبار الجرائم رأيت أن أبدأ تعليقاتي من النقطة التي ضمّنت في المقال المذكور في العبارة أعلاه.
أقول: إن تبجيل المسؤول والحاكم وتوقيره والأدب معه هو من حقوقه، وإن عبارات الثناء والفخامة للمسؤول هو من الأمور التي حثَّ عليها الشرع وتمليها المصلحة العامة، قال الإمام بدر الدين ابن جماعة في مساق ذكر حقوق الحاكم: «الحق الرابع: أن يعرف أن له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالى له من الإعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم وعدم الطمع فيما لديهم، وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم فليس من السنة». وقد ذكر ولخّص ابن جماعة واجبات الحاكم وحقوقه وكان من بين حقوقه الحق المذكور وهو أمر معلوم لدى عامة المسلمين قبل حكامهم.
إن الحاكم والمسؤول يقوم بأعمال ويصدر قرارات وبحاجة لأن تكون له هيبة في قلوب رعيته وإن من يتأمل النصوص الواردة في هذا الباب وأقوال السلف الصالح يعلم أن الشارع إنما أمر بتوقير الولاة وتعزيزهم وتبجيلهم والتلطّف معهم ، ونهى عن سبهم وانتقاصهم لحكمة عظيمة ومصلحة كبرى، وقد أشار إلى طرف من ذلك الإمام شهاب القرافي المحقق الأصولي الفقيه المالكي فقال: «قاعدة ضبط المصالح العامة واجب ولا ينضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية، ومتى اختلفت عليهم أو أهينوا تعذرت المصلحة..».
إن المصالح التي يجريها الله على يد الحاكم والمسؤول والتي أشار إليها العلامة القرافي هي من الضروريات التي تحتاجها الرعية، وإن إعطاء الحاكم هيبته ومكانته وتوقيره لهو من الأمور المهمة لتكون للحاكم في نفوس الرعية التقدير والاحترام لتستجيب لأوامره ونواهيه مما يخالف حكم الله تعالى، وفي تأكيد وتفصيل المصالح المشار إليها يقول الفقيه القلعي الشافعي وهو يبين مصالح الحاكم ومقاصد الإمامة: «نظام أمر الدين والدنيا مقصود، ولا يحصل ذلك إلا بإمام موجود. لو لم نقل بوجوب الإمامة، لأدى ذلك إلى دوام الاختلاف والهرج إلى يوم القيامة. لو لم يكن للناس إمام مطاع، لانثلم شرف الإسلام وضاع. لو لم يكن للأمة إمام قاهر، لتعطلت المحاريب والمنابر، وانقطعت السبل للوارد والصادر. لو خلي عصر من إمام، لتعطلت فيه الأحكام، وضاعت الأيتام، ولم يحج البيت الحرام. لولا الأئمة والقضاة والسلاطين والولاة، لما نكحت الأيامى، ولا كفلت اليتامى. لولا السلطان، لكان الناس فوضى، ولأكل بعضهم بعضا». ويقول التابعي القدوة الحسن البصري في الحكام: «هم يلون من أمورنا خمساً: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود. والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا  وظلموا والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم  والله  لغبطة».
ولا يعني إعطاء الحاكم والمسؤول الهيبة والاحترام والتقدير والتبجيل أنه ليس له أخطاء، أو أن الثناء عليه يعني إقراره في أخطائه، فليس ذلك بلازم لتوقيره وحسن الأدب معه، قال الفضيل بن عياض العابد الزاهد: «لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا للسلطان، قيل له: يا أبا علي فَسِّر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعْدُني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد، فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين».
وهكذا عمق العلم الشرعي وإدراك المقاصد الشرعية والحرص على المصالح العامة مع التجرد عن الأطماع الشخصية والأهواء والتكتلات الحزبية يجعل هؤلاء العلماء ينطقون بالحكمة وهو ما لخصه الفضيل أعلاه، إذ وجود أخطاء لا يسوّغ أن ينتقص الحاكم أو المسؤول أو تسقط هيبته وهو ما نراه في بعض الصحف وكثير من وسائل التواصل، خاصة ما يكون في بعض الرسومات و«الكاريكتيرات» وعبر «دبلجة» بعض الصور والمقاطع مما يتنافى مع النصوص الشرعية وإنزال الناس منازلهم، وللنقد البنّاء والنصيحة أساليبها الشرعية التي تتحقّق بها المصالح العامة والخاصة ولم تغفِل ذلك الشريعة الكاملة الخاتمة.
ليت الكثير من الكُتّاب والصحافيين تأمّلوا ما سطره علماء الإسلام في هذا الباب وفي غيره مع النظر في ما يتحقق من مصالح يرون أنها من أهداف وغايات الصحافة، فدور الصحافة المهم العظيم لا يسوّغ الأساليب غير السديدة والتي منها الإساءة للحاكم والمسؤول ومما ورد في نصائح العلماء قول سهل بن عبد الله التستري: «لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين: أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين: أفسدوا دنياهم وأخراهم»..
وأختم بهذا النقل عن الشيخ الفقيه محمد بن صالح بن عثيمين حيث قال: « فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإثارة الناس وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس. كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى. وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها. فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاع الشرع والأمن. لأن الناس إن تكلم العلماء لم يثقوا بكلامهم وأن تكلم الأمراء تمردوا على كلامهم، فحصل الشر والفساد. فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان وأن يضبط الإنسان نفسه وأن يعرف العواقب. وليعلم أن من يثور إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة...».
على ضوء هذه الدرر وأمثالها من كلام أهل العلم الذي بني على نصوص الكتاب والسنة يبني السلفيون مواقفهم في هذا الأمر وغيره من الأمور، فهم أعرف الناس بالحق وأرحم الخلق بالخلق، ومن المناسب الإشارة إلى بعض النصوص الثابتة الواردة في المسألة:
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من فعل واحدة منهن كان ضامناً على الله عز وجل: من عاد مريضاً، أو خرج مع جنازة أو خرج غازياً أو دخل على إمامه يريد تعزيزه وتوقيره، أو قعد في بيته، فسلم الناس منه وسلم من الناس» رواه الإمام أحمد وابن أبي عاصم وهو صحيح بطرقه. عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرم الله، ومن أهانه أهانه الله» أخرجه ابن أبي عاصم وهو حديث حسن، وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون بعدي سلطان فأعزوه، من ألتمس ذله ثغر ثغرة في الإسلام، ولم يقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت». أخرجه ابن أبي عاصم وهو حديث صحيح. بهذا الموجز تبيّنت المصالح المرعية التي يجب أن يحرص عليها وهو ما وجّهت به النصوص الشرعية لحفظ مكانة الحاكم والمسؤول وإعطائه هيبته وتوقيره لما يترتّب على ذلك من المصالح التي أشرتُ إليها، وهو ما يوضح خطأ العبارة التي وردت في عبارة الأخ الزميل مما استوجب التعليق.. والموفق من وفقه الله ..

اعترافات علماني «1/3»..د. عارف عوض الركابي

من أعجب ما قرأتُ مقالاً بعنوان « نحو مدارس علمانية التحدي الملحّ الذي يواجه المهاجرين في الغرب» أرسله لي أحد الإخوة لمناقشته والرد عليه ثم وجدت أن المقال قد نشر في عدة مواقع ومنتديات، ولم أرَ الحاجة للرد عليه لأنه بما توصلت إليه في تقييمي ليس بحاجة إلى مناقشة علمية إذ لم يورد كاتبه ما يستحق المناقشة، فلم يتضمن المقال شبهةَ أو تلبيساً بحاجة إلى دحض كما أنه لا يتوقّع أن يكون له الأثر في تغيير قناعة شخصٍ ما بناء على ما ورد في المقال،  إلا أني رأيت بعد حين أن أعلّق عليه من باب تسجيل الموقف الذي جاء في المقال، ولإظهار الصورة التي يعيشها العلمانيون وإخوانهم من الليبراليين وما يعيشه هؤلاء هو الذي عليه حال الشيوعيين في بلادنا من قبل والآن.
فهذه الأصناف تعيش في بيئة مسلمة ونشأ المنتمون لهذه المذاهب الهدّامة في بيوت أهلها من المسلمين وفي الوقت الذي أُشرِب فيه هؤلاء «المتنكِّرون» الأهواء الذي أحاطت بهم إلا أنهم يبقون في صراع ونزاع نفسي كبير ومقلق إذ أنهم بين رغبتهم في التصريح بما لديهم تجاه دين الإسلام وبين تصادم ذلك مع المجتمع وتديّنه، فأفكار هؤلاء «الخرِبة» تنكرها العجائز المقعدات وكبار السن من الأجداد ممن لم يعرفوا القراءة ولا الكتابة قبل غيرهم ممن عرفوا وتعلّموا وأدركوا ما العلمانية وما الليبرالية وما الشيوعية الماركسية!! وقد حاول كاتب المقال أن يكون جريئاً في الغمز في دين الإسلام واللمز في مقام النبوة والطعن الصريح في حكم النبي عليه الصلاة والسلام ودولته، وهو محاولة تجنبّها عامة أبناء اليسار وبني علمان، ولا أدري هل علم الكاتب أم لم يعلم لماذا كان وما زال من بقي من الشيوعيين يزيّن الانتماء إلى فكرتهم في مجتمعاتنا بأساليب أخرى غير مبادئ ماركس ولينين في الدعوة إلى الإلحاد والنظرية المادية فركّزوا على الاشتراكية والوقوف مع الشعوب الفقيرة وأحياناً التركيز على الغناء والطرب واتباع الأهواء التي لا تخفى لمن عاش في بعض جامعاتنا!!  
لأسجل في حلقات ثلاث متتالية بهذه الصحيفة «اعترافات» و«تباكي» و«انهزام» و«فرفرة» و«أمنيات» و«هرطقات» و«انحرافات» و«افتراءات» وقل غير ذلك.. مما سطّره هذا العلماني في مقاله المذكور:
أما انهزام هذا العلماني فمما يوضحه قوله: «إن فشل العلمانيين في إقامة بنيات تعليمية تتولّى تعليم أطفالهم يجعلهم مشاركين، وإن بشكل سلبي وغير مقصود، فيما يصدر من هؤلاء الأطفال في المستقبل». قلتُ: هذه شهادة شهد بها  شاهدٌ من أهلها!! شكراً لك أيها العلماني لشهادتك بفشل العلمانيين وإن كنّا لسنا بحاجة إلى شهادتك إلا أنها اعتراف قد يفيد منه بنو جلدته!!، ويؤكد هذا الاعتراف في عدة مواضع من مقاله منها قوله: «ونجاح الإسلاميين في العقود الماضية في مجال التلقين المنظّم للأطفال لم يتحقق فقط بفضل قدراتهم التنظيمية وتمويلهم الضخم «خاصة تمويلهم من السعودية والخليج» وإنما أيضاً وإلى حد كبير بسبب غياب استجابة تعليمية علمانية. فالاستجابة العلمانية النشطة في مواجهة الإسلاميين انحصرت بشكل عام في المجال السياسي وأهملت الجانب التعليمي. وهكذا ترك العلمانيون القادمون من مجتمعات إسلامية أبناءهم وبناتهم في الغرب نهباً ولقمة سائغة للإسلاميين يصوغون وعيهم كما يشاءون»، قلتُ: بعد أن أكّد كاتب المقال «فشل العلمانيين» حاول في محاولة «يائسة» أن يجد مجالاً يزيّن به علمانيته «المنبوذة» في مجتمعنا فادّعى أنها عملت في الجانب السياسي وأهملت الجانب التعليمي،  والواقع أن «فشل العلمانية» في مجتمعنا في كل الجوانب، في الجانب التعليمي والسياسي، وحسب من أراد معرفة الحقيقة فلينظر في التديّن في مجتمعنا سواء من يعيش داخل البلاد أو خارجها، فالمساجد تزداد إعماراً وحلقات التحفيظ ودراسة العلم الشرعي في زيادة كذلك والمساجد تمتلئ بالمصلين، والوعي الديني لدى الرجال والنساء والكبار والشباب والفتيات والأطفال والحمد لله، والواقع يحكي أن من يقول: «ما لله لله وما لقيصر لقيصر» ينبذ قوله ويدحض فكره ويحذّر منه، وليقم هذا العلماني أو غيره بجولة «إسفيرية» إن لم يتمكّن من الجولة داخل أرض الوطن ليرى الواقع الذي سيزيده غيظاً..
ويؤكّد الكاتب اعترافاته بفشل العلمانية وعدم قبولها بل «ركلها من الأجيال الحالية» بقوله: «فإن أحد العوامل الأساسية التي لا بد أن نضعها في اعتبارنا لتفسير هذا الفرق الكبير بين الفئتين العمريتين هو عامل المدارس الإسلامية التي بدأت في الانتشار وتلقف هذا الجيل من الشباب وتشكيل وعيهم منذ الثمانينيات. وليس من المستغرب على ضوء هذا التأثير أن نرى الآن العشرات من شباب الجيل الثاني والثالث للمهاجرين المسلمين في الغرب يركلون قيم العلمانية... وإن كان لنا أن نشير لأبرز مؤشر نجاح لهذه المدارس في استلاب وعي الشباب فإنه نجاحها وسط قطاع الفتيات خاصة».
 قلتُ: ما أشد غيظ هذا العلماني!! إذ اجتمع عليه مهلِكات ثلاث، المهلِكة الأولى هي «انتشار المدارس الإسلامية في بلاد الغرب» والمهلِكة الثانية هي «ركْلُ أبناء الجاليات المسلمة في الغرب لقيم العلمانية».. وفي نهاية النص المقتبس من المقال صرّح بالمهلكة الثالثة وهي نجاح المدارس الإسلامية وسط قطاع الفتيات خاصة!! وهذا اعتراف آخر، فلطالما ركّز العلمانيون والليبراليون على قضايا المرأة وحاولوا تشويه مكانتها في الشريعة التي ختم الله بها الشرائع، وفسّروا بعض الأحكام بعيداً عن مقاصد التشريع وحقوق المرأة وواجباتها ولطالما أقيمت المؤتمرات والملتقيات لغش النساء المسلمات والتلبيس عليهن إلا أن باطلهم كان زهوقاً ولم يفلحوا في الزعزعة بالثوابت الشرعية، وعلمت المرأة المسلمة أن خلقتها وبنيتها وعاطفتها وصفاتها وواجباتها وحقوقها تختلف عن الرجل فجاءت الشريعة الإسلامية تراعي هذه الفروق فاختلفت بعض الأحكام بين المرأة والرجل مع أن «النساء شقائق الرجال» في تكليفهم وعبادتهم وجزائهم وإسلامهم وإيمانهم.. وشهادة العلماني أعلاه بإقبال الفتيات المسلمات في المجتمعات الغربية هو أحد الاعترافات التي رأيت بسببها التعليق على المقال .. وقد كان الأجدر بكاتب المقال أن يعنون لمقاله بـــ «فشل العلمانيين».. ويحاول كاتب المقال العلماني مقابل هذا الفشل الذي شهد به أن ينفخ في «الرّماد» وينادي بأعلى صوته في بني جلدته «العلمانيين» وإخوانهم من «الليبراليين» فيقول صارخاً متباكياً: «هذا الوضع المأزوم يجب ألا يُسمح له بالاستمرار، ولابد من استجابة تعليمية علمانية في الحال..» قلتُ: خِبتَ وخسرتَ وخاب وخسِر من أصغى لهذه الدعوة التي تدعو لها طالما أنك قد سطّرت في مقالك غير ما ذكرته أعلاه ــ مثل هذه العبارة: «فالمدارس المسيحية واليهودية تعمل على تعزيز وتعميق الانتماء الديني وسط طلابها مع قبولها للواقع العلماني وتصالحها معه، بينما أن المدارس الإسلامية تعمل على تعزيز وتعميق الانتماء الديني وسط طلابها مع مقاومتها الفكرية بشكل عام للواقع العلماني والدعوة لبرنامج العودة لدولة محمد «أو إحياء الشريعة». فإن نهج وهدي محمد عليه الصلاة والسلام الذي لم تصلِّ عليه وذكرت اسمه مجرداً إنّ نهجه وهديه مؤيّدٌ من رب السماوات والأرض الذي أرسله ليظهر دينه على الدين كله، وأرجو أن تقرأ في تفسير قوله تعالى مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ» فستجد فيهما نوراً وهداية..

من هم الخوارج (القَعْدِيَّة)؟!..د. عارف عوض الركابي

يظن البعض أن الخوارج كلهم يباشرون القتال بالسيف، والواقع أن الخوارج ينقسمون إلى فرق عديدة، وفي هذا المقال أعرّف بإحدى فرقهم إنهم الخوارج (القعديّة)!!
لقد أخبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن الفرقة الناجية واحدة من تلك الفرق، وأنها من كانت على مثل ما عليه النبي وصحابته، ومن بين تلك الفرق فرقة (الخوارج) التي خرجت في زمن الصحابة الكرام، وكان وجودها فتنة وبلاءً عظيماً للمسلمين، وقد أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء ذو الخويصرة التميمي إلى رسول الله وطعن في قسمة النبي عليه الصلاة والسلام كما في خبر أَبَي سَعِيدٍ الخُدْرِي رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ــ صلى الله عليه وسلم ــ عنه: «إِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ ــ وَهُوَ الْقِدْحُ ــ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ. آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْىِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاس». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّى سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم ــ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ ــ رضى الله عنه ــ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِىَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ــ صلى الله عليه وسلم ــ الَّذِى نَعَتَ. رواه البخاري ومسلم.
والأحاديث التي وردت في شأنهم كثيرة جداً، فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنهم شر قتلة تحت أديم السماء، وأنهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم أي لا يفقهون معانيه، كما أخبر عليه الصلاة والسلام أنه إن أدركهم ليقتلنهم قتل ثمود، وأنهم كلاب النار، ولذلك فقد قام الصحابة الكرام رضي الله عنهم بالعمل بمقتضى التوجيهات النبوية فيهم، فلما ظهر الخوارج وكفروا الصحابة الكرام بل شرعوا في قتالهم فقاتلهم الصحابة وتصدوا لهم، وقاتلهم علي رضي الله عنه، وقام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بمناظرتهم وتفنيد شبهاتهم، ورجع منهم في تلك المناظرة ألوف ممن أراد الله نجاته وسلامة دينه، وبقي آخرون في تيه الشبهات وظلمات الجهل وفهم آيات القرآن الكريم فهماً منكوساً وفقهها فقهاً معكوساً، فتعدوا على الصحابة وقتلوهم واستباحوا الدماء وقطعوا الطرق وفسروا آيات نزلت في الكافرين فجعلوها في المسلمين، وكان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل الخليفة الرابع ليث الحروب أبا السبطين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وتفرقت هذه الفرقة المارقة الخارجة إلى فرق عديدة ذُكرت في كتب الفرق، وقد ذكر عبد القاهر البغدادي في كتابه (الفَرْقُ بين الفِرَق) عشرين فرقة من فرق الخوارج: المحكمة الأولى الأزارقة والنجدات والصفرية ثم العجاردة المفترقة فرقاً منها الخازمية والشعيبية والمعلومية والمجهولية والصلتية والاخنسية والشيبية والشيبانية والمعبدية والرشيدية والمكرمية والخمرية والشمراخية والإبراهيمية والوافقة والأباضية منهم افترقت فرقاً معظمها فريقان حفصية وحادثية واليزيدية من الأباضية والميمونية من العجاردة..
قال الله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).. فإنه لما كانت آراء ومعتقدات  الخوارج قائمة على الأهواء وتفسير النصوص بالأهواء والأمزجة مع قلة الفقه في الدين أو عدمه دون الرجوع للنصوص الأخرى، كان من نتائج ذلك تفرقهم لتلك الفرق الكثيرة. وهذا مصير من بنوا مبادئهم وعقائدهم على الآراء والأهواء والفلسفات والأفكار، وقد عصم الله أهل السنة والجماعة الذين بنوا أمر الدين على الكتاب والسنة (ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم).
والذي يجمع الخوارج على كثرة فرقهم هو: تكفير عثمان وعلي وأصحاب الجمل والحكمين، ومن رضي بالتحكيم وصوّب الحكمين أو أحدهما، ووجوب الخروج على السلطان الجائر، وتكفير أصحاب الكبائر، أي التكفير والإخراج من الملة لمن يقع في كبائر الذنوب كالقتل والسرقة والزنا.. وهذه الأخيرة ربما لا تجمع عليها جميع فرق الخوارج، فإن فرقة (النجدات) من الخوارج لا يوافقون بقية الخوارج في التكفير بالذنوب الكبائر.
وإن من فرق الخوارج التي لم يسمع بها كثيرون فرقة تعرف بــ «القَعْدِيّة»، وهم: المحرضون على الخروج على الحكام، وإن لم يخرجوا، وقد سماهم أهل العلم «القعديّة»، فقد عدّد الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ الفرق الضالة في مقدمة شرحه لصحيح البخاري (هدى الساري) فقال: («القعدية»: الذين يزينون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك).
وفي كتابه «تهذيب التهذيب» يعرف بهذا النوع من الخوارج فيقول: ( «القعدية»: والقعد الخوارج كانوا لا يُروْنَ بالحرب بل ينكرون على أمراء الجور حسب الطاقة، ويدعون إلى رأيهم ويزينون مع ذلك الخروج ويحسنونه).
فإن الخوارج ليسوا هم من يقاتل الحاكم بالسيف فقط!! فإن «القعدية» فرقة من الخوارج، يزينون الخروج على الحاكم الجائر ويهيجون العامة ويوغرون الصدور عليه.
و «القعدية» غالباً أخطر من الخوارج أنفسهم، إذ أن الكلام وشحن القلوب وإثارة العامة على ولاة الأمر له أبلغ الأثر في النفوس وخاصة إذا خرج من رجل بليغ متكلم يخدع الناس بلسانه وخطابته أو كتابته ويخرج ذلك في قالب النصح.
روى أبو داود في مسائل الإمام أحمد ــ رحمهما الله ــ عن عبد الله بن محمد الضعيف ــ رحمه الله ــ أنه قال: (قُعّدُ الخوارج هم أخبث الخوارج).
ولمّا كان الكثيرون يجهلون هذا النوع من الخوارج أردت التعريف به، خاصة أن هذه الفرقة لها وجود في المجتمعات، وقد يكون كثيرٌ من أصحاب الأقلام الصحفية والمنابر الإعلامية من هذا النوع !!