عقيدة المسلمين في نبي الله عيسى عليه السلام د. عارف عوض الركابي

استمراراً لما أبينه في هذه الأيام من موضوعات لتحذير المسلمين والمسلمات من مشاركة النصارى أعيادهم واحتفالهم بشعائرهم التي منها ادعاء أن عيسى ابن الرب وأنه ثالث ثلاثة وأنه فدى البشرية بصلبه وتخليصه لها من خطيئة آدم من أكل الشجرة، وفي سياق التحذير من الفوضى التي نشهدها أيام رأس السنة حيث التفلّت العقدي والأخلاقي!! فإني أضع بين يدي القراء الكرام عقيدة المسلمين في نبي الله عيسى عليه السلام كما وردت في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وأضع ذلك في النقاط التالية:
أولاً :عيسى عليه السلام من البشر إلا أنه ليس له أب:
لقد ذكر الله تعالى بشرية المسيح في آيات كثيرة من القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »59« الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْترِينَ» »60«. فليس عيسى هو الوحيد الذي خلق من البشر وليس له أب؛ فآدم ـ عليه السلام ـ خلقه الله تعالى ولم يكن له أم ولا أب، والله على كل شيءٍ قدير.
وقال تعالى: «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ». وقوله «كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ» دليل ظاهر على أنهما عبدان، فقيران محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد.
ثانياً القرآن الكريم ينفي بنوة المسيح عليه السلام:
ادعى النصارى أن المسيح عيسى عليه السلام ابن الله، فنسبوا الولد لله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، والنصارى متناقضون في حقيقة المسيح وماذا يعني عندهم ـ كما سيأتي بيانه بإذن الله ـ  ومن الآيات الواردة في نفي ما زعمه النصارى ما يلي: قال الله تعالى: «ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ »34« مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» »35«. فإن ذلك الموصوف بتلك الصفات، عيسى بن مريم، من غير شك ولا مرية، فإن هذا قول الحق، وكلام الله، الذي لا أصدق منه قيلاً ولا أحسن منه حديثاً، فهذا الخبر اليقيني، عن عيسى عليه السلام، وما قيل فيه مما يخالف هذا، فإنه مقطوع ببطلانه، وغايته أن يكون شكاً من قائله لا علم له به، ولهذا قال: «الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ» أي: يشكون فيمارون بشكهم، ويجادلون بخرصهم، فمن قائل عنه: إنه الله! أو ابن الله! أو ثالث ثلاثة! تعالى الله عن إفكهم وتقولهم علواً كبيراً.
فـ «مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ» أي: ما ينبغي ولا يليق، لأن ذلك من الأمور المستحيلة، لأنه الغني الحميد، المالك لجميع الممالك، فكيف يتخذ من عباده ومماليكه، ولداً؟! «سُبْحَانَهُ» أي: تنزه وتقدس عن الولد والنقص.
قال الله تعالى: «وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا »88« لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا »89« تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا »90« أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا »91« وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا »92« إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا»93« لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا»94« وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا» »95«. وهذا تقبيح وتشنيع لقول المعاندين الجاحدين، الذين زعموا أن الرحمن اتخذ ولداً، كقول النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، والمشركين: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
ثالثاً: المسيح عبدٌ من عباد الله تعالى:
إن الله سبحانه وتعالى قد خلق جميع الخلق لعبادته وطاعته، والمسيح عليه السلام من خلق الله ومن عباد الله تعالى، لذلك فإنه أول ما تكلم قال: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا »30« وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا» »31« وقال تعالى: «وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ». وقال تعالى: «لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا »172« فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا» »173«، ولن يستنكف بمعنى أن المسيح لن يمتنع عن عبادة الله كما أنه لن يستكبر. وقال الله تعالى: «إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ».
رابعاً: عيسى عليه السلام رسول مُرْسَلٌ من عند الله:
إن عيسى عليه السلام هو أحد الرسل أولو العزم الخمسة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وهم : «نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد» وقد ذكرهم الله في آيتين إحداهما في سورة الأحزاب والثانية في سورة الشورى، وقد قال الله تعالى في إثبات أنه رسول من عنده: «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ».
خلمساً عيسى عليه السلام رسول إلى بني إسرائيل خاصة، ومتبع ومكمل لشريعة موسى عليه السلام:
لقد أرسل الله تعالى عيسى عليه السلام لدعوة بني إسرائيل خاصة ومما يدل على ذلك: قوله تعالى: «وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ». وقوله تعالى: «وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ».
سادساً: المسيح عليه السلام دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له:
كل الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ دعوا إلى توحيد الله وعبادته وحده، ونهوا وحذروا من الشرك في عبادته. وقد كانت دعوة عيسى عليه السلام إلى عبادة الله جل وعلا، قال الله تعالى عنه: «إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ». وقال الله تعالى: «وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ »116« مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »117« إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» »118«.
سابعاً: القرآن الكريم: ينفي ألوهية المسيح:
لقد عبد النصارى بضلالهم عيسى ابن مريم وجعلوه إلهاً وغلوا فيه غلواً كبيراً فادعوا أنه الرب وأنه المعبود والإله ـ والعياذ بالله ـ وقد اجتهد المسيح عليه السلام في دعوة النصارى الذين غلوا فيه وإثبات أنه عبد لله تعالى وبلغ البلاغ المبين ونحن على ذلك من الشاهدين، فقد انقسمت الطوائف إلى ثلاث في موقفهم من عيسى عليه السلام، فـ»اليهود« قد كفروا به وعادوه وأرادوا قتله فرفعه الله سبحانه وتعالى إلى السماء ـ كما سيأتي بيانه ـ وغلا فيه »النصارى« وعبدوه واتخذوه إلهاً من دون الله وهذه هي الطائفة الثانية، واتبعه قلة وهم »الحواريون« الذين نصروه وآزروه وأثنى عليهم القرآن الكريم في عدة آيات. وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم محذراً من الغلو الذي وقع فيه النصارى: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله». وقال الله تعالى: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً». وقال الله تعالى: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ».
وأواصل ـ بإذن الله.