دعاوى إدّعاء (علم الغيب) في بعض صُحُفِنا ..!

(يوم رومانسي وكأنك في أحد أحلامك ، مقابلة أو مكالمة رومانسية مع الحبيبة تنقلك لعالم الأحلام ...) (أحدهم /إحداهن تتمكن بعباراتها من الوصول إلى قلبك ليصيبك سهم كيوبيد الطائش ، هل المعول على الكلام فقط ؟ الحب نبتة تولد صغيرة وتنمو لتكون شجرة مثمرة بالرعاية فما هي خطتك ؟ الحوتبرج الأحلام الرومانسي الكبير لكنه لا ينفصل عن الواقع ، فلا تحلق عالياً وتأكد من متانة الأرض من تحتك وإلا كانت السقطة مؤلمة) المكتوب أعلاه هو بعض ما ورد في إحدى صحف بلادنا في عددها الصادر يوم السبت قبل أمس 4 ربيع الثاني 1436هـ ، في جزء كبير من صفحتها التاسعة التي تضمّنت شيئاً انقرض من صفحات كثير من الصحف ألا وهو (الأبراج) !!! والعجيب أن العمود الخاص بالأبراج في تلك الصحيفة يصدّر بعبارة : (كذب المنجمون ولو صدقوا) !! فإذا كان أهل الصحيفة يعتقدون ذلك وأن المنجمين والدّجّالين ومدعي علم الغيب كاذبون فلماذا يوردون هذا الباطل الكبير والمنكر العظيم الذي يناقض كتاب الله وسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام ويضعونه في صفحات صحيفتهم ؟!!.. والعجب الآخر من هذا المنشور باسم الأبراج أن كاتبها يساير الحال الذي فيه ضياع كثيرين في تصرفاتهم وسلوكهم ، ويمشي مع تيار الانفلات الأخلاقي الذي له سوق رائجة في مجتمعنا في وقتنا المعاصر ، فقد كان من يكتبون الأبراج في ما مضى يخرصون ويخمنون ويفترون الكذب بالتركيز على الحظوظ والكسب المادي ، وما دار في فلك المصالح المادية ، إلا أنها في عصر الواتساب والفيس بوك والمكالمات الليلية المخفضة التي ساهمت في مزيد فوضى أخلاقية ، وتحول كثير من ساحات الجامعات المختلطة إلى فناءات عروض أزياء وتبادل الحب والغرام ، في هذا العصر اتجه أفّاكو الأبراج إلى أن تكون أبراجهم تدور حول (لقاء) أو (مكالمة) رومانسية مع الحبيبة !!! هكذا للأسف إسهام في تضييع الأخلاق وتقنين الفساد بالصلات المشبوهة عبر مثل هذه المنشورات بعد تضييع العقيدة التي مما يناقضها إدعاء معرفة أمور غيبية كهذه. أرجو أن توقف هذه الصحيفة وإن كان غيرها يشاركها في هذا المنكر الكبّار عليها أن تتوقف من هذه المهزلة وهذا العمل المفضوح ، ولتعي دورها ولتفهم الواجب عليها في مواجهة جيوش الغزو الأخلاقي التي تهاجم العفة والفضيلة والتمسك بالثوابت في مجتمعنا.. وقبل أيام نشرت إحدى الصحف وبالصفحة الرئيسة عنواناً عن المتخرّص المتكهّن كذباً ودجلاً المدعو : ﺑﻠﻪ ﺍﻟﻐﺎﺋﺐ الذي بحسب خبر الصحيفة : (تنبأ ﺑﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﺍﻟﻰ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﻭﺍﻥ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﺍﻟﺒﺸﻴﺮ ﺳﻴﺼﺒﺢ ﻣﻠﻜﺎً ﻋﻠﻴﻬﺎ ، ﻛﺎﺷﻔﺎ ﻋﻦ ﻭﺻﻮﻝ ﺇﺷﺎﺭﺓ - لم ﻳﺤﺪﺩ ﻣﺼﺪﺭﻫﺎ - ﻭﺻﻔﻬﺎ ﺑﺎﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﻭﺗﻠﻐﻲ ﻣﺎ ﺳﺒﻖ ﺃﻥ ﻗﺎﻟﻪ ﺑﺄﻥ ﻋﻤﺮ ﺍﻟﺒﺸﻴﺮ ﺳﻴﺤﻜﻢ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ 31 ﻋﺎﻣﺎً ﻭ25 ﻳﻮﻣﺎً) ، ﻭﻗﺎﻝ : (ﺃﻗﻮﻝ ﻟﻠﺒﺸﻴﺮ ﻣﺒﺮﻭﻙ ﺍﻟﻔﻮﺯ ﺍﻟﻜﺎﺳﺢ، ﻭﻣﺮﻭﺭ ﺍﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ ﺑﺴﻼﻣﺔ ، ﻭﺣﺎﻟﻴﺎ ﺟﺎﺀﺕ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺑﺨﻼﻑ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ، ﻓﺎﻟﺒﺸﻴﺮ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻣﻠﻜﺎً ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻋﺎﻣﺔ، ﻭﺳﻴﻐﻴﺮ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻣﻦ ﺟﻤﻬﻮﺭﻱ ﺍﻟﻰ ﻣﻠﻜﻲ) ﻭﺍﻋﺘﺒﺮ ﺑﻠﻪ ﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﺳﻴﺰﻋﺞ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻴﻦ ﻭ ( ﻳﺠﻨﻨﻬﻢ ).. انتهى الخبر الذي – للأسف – وجد صحيفة تنشره !!! فالمنشور بهذه الصحيفة هو إلغاء الكذبة السابقة المسجّلة بصوت بله الغائب بأن حكم الرئيس البشير سيكون 31 عاماً و25 يوماً وقال : لا تنقص ولا سنت !! وها هو يصدر شهادة كذبه بنفسه على نفسه بعد أن حرّرناها له في مقالات سابقة ، فقد نشرت بهذه الصحيفة مقالا بعنوان : إلى القنوات الفضائية قبل بله الغائب .. ثم مقال : هزيمة فريق البرازيل وهزيمة بله الغائب .. والمؤسف أن بعض الصحف والقنوات لا ترعوي ولا توقف مهازلها بنشر مثل هذه الترهات والهوس والدّجل الذي يجب أن لا يكون له وسيلة عامة ينشر بها ، وأتمنى أن تكون الشهادة التي حرّرها بله الغائب هي شهادة وفاة لدجله في وسائل الإعلام .. والعجيب أنه جريء جرأة لم يسبق إليها ومن ذلك دعواه أن إشارة جديدة جاءت !!! هذا هو مصدره للناسخ والمنسوخ في أخباره وتنبؤاته (المضروبة) .. وهكذا يؤسس هذا الأفّاك وتؤسّس تلك الصحيفة التي تنشر الأبراج يؤسسون أباطيلهم على شفا جرف هار .. فلن تجد لهم مصدراً ولا حجة صحيحة ولا بينة سليمة ، إلا أنه تلاعب الشياطين والجهل وضياع المعتقد الصحيح .. وربنا يصلح الحال..

من عناية الملك عبد العزيز بالعقيدة الصحيحة

لفت أنظار كثير من الناس أن قبر الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله الذي دفن في مقابر العود في عاصمة المملكة العربية السعودية الرياض أنه كغيره من القبور فلا مزية لقبر الملك عن سائر الرعية وهو ما يبيّن قيام الدولة السعودية على العقيدة الصحيحة المستمدة من القرآن الكريم، وقد نقلت الأخبار فيما مضى إسلام بعض الكفار لما رأوا جنازة الملك فهد رحمه الله إذ كان ذلك مؤشراً للعقيدة السليمة التي قررتها الشريعة الإسلامية، وقد رأيت أن أنقل بهذه المناسبة بعض الأقوال والمواقف في نصرة الملك عبد العزيز رحمه الله للعقيدة الصحيحة وعنايته بها، وفي ذلك درس مهم لعل البعض يفيد منه.
إن من أقوال الملك عبد العزيز آل سعود في بيان عقيدته ونظرته لواجبه تجاه دينه قوله: «إنني والله لا أحب إلا من أحب الله حباً خالصاً من الشرك والبدع، أنا والله لا أعمل إلا لأجل ذلك، والله ثم والله إني لأفضل أن أكون على رأس جبل آكل من عشب الأرض، أعبد الله وحده، على أن أكون ملكاً على سائر الدنيا وهي على حالتها من الكفر والضلال».
ويقول عنه صاحب «تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الواحد الديان» في بيان صلته بربه سبحانه وتعالى وعنايته بعبادته : «قد أقام الصلوات الخمس في جماعة ولم يُعرف أنه تخلف عن الجماعة في وقت من الأوقات، وأقام أركان الإسلام كما أمر الله، وكان له مع ذلك خلوات مع ربه في دجى الليل ووقت السحر والناس نيام، يقف الوقت الطويل بين يدي ربه قائماً يطلب هدايته وراكعاً يعظِّم ربه ويقدِّسه، وساجداً خاضعاً متذللاً بين يدي ربه يستغفره، وسر عظمته وسر توفيقه جاء من هذا الخضوع لله والاعتماد عليه، ومن كان مع الله كان الله معه، ومن وجد الله فما فقد شيئاً».
ومما تضمنته هذه الرسالة في الترجمة لهذا الملك الموفّق بيان عدله رحمه الله وحرصه على أن لا يوجد ظلم لرعيته ، فقد ورد في كتاب «الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز» لخير الدين الزركلي أن العبارة التالية مما عُلق بلوحة الإعلانات بالمسجد النبوي وهي قوله: «من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود، إلى شعب الجزيرة العربية: على كل فرد من رعيتنا يحُسُّ أنَّ ظلماً وقع عليه أن يتقدم إلينا بالشكوى، وعلى كل من يتقدم بالشكوى أن يبعث بها بطريق البرق أو البريد المجاني على نفقتنا، وعلى كل موظف بالبريد أو البرق أن يتقبل الشكاوى من رعيتنا ولو كانت موجهة ضد أولادي أو أحفادي أو أهل بيتي، وليعلم كل موظف يحاول أن يثني أحد أفراد الرعية عن تقديم شكواه مهما تكن قيمتها، أو يحاول التأثير عليه؛ ليخفف من لهجتها، أننا سنوقع عليه العقاب الشديد، لا أريد في حياتي أن أسمع عن مظلوم ولا أريد أن يحملني الله وزر ظلم أحد، أو عدم نجدة مظلوم أو استخلاص حق مهضوم ألا قد بلغت اللهم فاشهد».
ومن كلام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي يدل على تواضعه ومحبته لشعبه وحرصه على ما فيه مصلحتهم وشفقته عليهم قوله التالي: «كل فرد من شعبي، جندي وشرطي، وأنا أسير وإياهم كفرد واحد، لا أفضل نفسي عليكم، ولا أتبع في حكمهم غير ما هو صالح لهم  يعلم الله أن كل جارحة من جوارح الشعب تؤلمني، وكل شعرة منه يمسها أذى تؤذيني وكذلك الشعب، فإنه يتألم إذا أصابني أي شيء.......».
ومن أقواله في ذلك أيضاً: «لما تشرفت بمكة المكرمة.... انشرح قلبي برؤية الكعبة المشرفة ــ زادها الله تشريفاً وتعظيماً ــ ولما شهدت توحيد الجماعة في الصلوات الخمس زادني سروراً لاضمحلال بدعة تعدد الجماعات في هذا المسجد الشريف، وكذا هدم قباب القبور التي كانت من أضرِّ الأشياء على عقيدة المسلمين».  فقد كان بالبيت الحرام أربع جماعات للصلوات المفروضات، فلكل مذهب جماعة تصلي ، فتم توحيد ذلك إلى يومنا هذا في جماعة واحدة، كما أنه تم هدم القباب والأضرحة التي بنيت على بعض القبور ، وقد كان الملك عبد العزيز رحمه الله يرسل العلماء أولاً ليبينوا للناس تحريم البناء على القبور، وأن البناء على القبور وسيلة للوقوع في عبادة الموتى المقبورين، ودعائهم من دون الله تعالى، وما فعله هو الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما بينه علي رضي الله عنه لما قال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله؟ أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» رواه مسلم ، وهو ما قرره الأئمة الأعلام كالأئمة الأربعة ومن نحا نحوهم ، وهو المقرر لدى المحققين في المذهب المالكي، قال القرطبي المفسر الفقيه الأصولي المالكي رحمه الله : «وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وأما تعلية البناء الكثير على ما كانت الجاهلية تفعله تفخيماً وتعظيماً فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبهاً بم كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال هو حرام، والتسنيم في القبر ارتفاعه قدر شبر ، مأخوذ من سنام البعير».
ومما يؤكد سلوك الملك عبد العزيز لهذا المنهج الموفق في إرسال العلماء لإقامة الحجة ومناقشة القائمين على أمر الأضرحة قبل هدمها هذه الرسالة: «من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى جناب الأخ المكرم الأفخم الشيخ عبدالله بن سليمان آل بليهد ــ سلمه الله تعالى ــ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام مع السؤال عن حالكم لا زلتم بخير وسرور، أحوالنا من كرم الله جميلة, خطك المكرم الذي صحبه الأخ حَمَد وَصَل، وجميع ما عرفت كان معلوم، خصوصاً جمعكم العلماء والمدرسين واستفتاءكم منهم، ومناظرتكم معهم، وجوابهم لكم الجميع ... » إلى أن قال: «أمس جانا تَيْل من إبراهيم السالم مضمونه أنكم باشرتم العمل بهدم القباب، وأن العمل جاري في ذلك لا بدــ إن شاء الله ــ تم العمل ولا بقيتو شيء، والإفادة قادمة منكم لنا بذلك، الله تعالى يجعل أعمالنا وأعمالكم خالصة لوجهه الكريم، ويوفقنا وإياكم لما يحبه الله ويرضاه هذا ما لزم تعريفه والله يحفظكم محروسين، والسلام». وقد كتبتُ مقالات في هذا الشأن نشرت بهذه الصحيفة في بيان الحكم الشرعي في القباب التي توضع على قبور الموتى، أسأل الله أن يعافي من ابتلي بالعناية بها، وأن يصلح حال المسلمين.

السير على طريق الأنبياء في الدعوة إلى الله

من الضروري للداعية إلى الله أن يعتني بمنهج الأنبياء عليهم السلام وطريقهم في الدعوة إلى الله تعالى، وإن من النماذج التي يتضح بها منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله : نبي الله يوسف عليه السلام:
لقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم قصة يوسف عليه السلام، وقصّها في سورة كاملة، ويوسف عليه السلام  هو ابن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم أبو الأنبياء عليهم جميعاً السلام فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي.
وقد بدأت بقول الله سبحانه وتعالى: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ». ثم ختمت بقوله: «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ». في هذه القصة دروس وعبر تتعلق بالدعوة والعلم والتعاون مع الناس والصبر على الأذى ونصر الله  للمؤمنين الصادقين وغيرها من الدروس العظيمة، لذلك ألف بعض أهل العلم بحوثاً في هذه السورة.
ومن الفوائد والعبر: كيد إخوة يوسف له، نظراً لمحبة أبيه له وهذا ما يعرف بالحسد ومن يقرأ في السورة يرى آثار الحسد السيئة على صاحبه وعلى المحسود. لذلك جاء الوعيد في نصوص كثيرة على الحسد وخطورته، وأنه مرض يحتاج المرء للاجتهاد في دفعه طلباً للسلامة في دينه ودنياه. وفي هذه السورة نجد الصبر، والمتمثل في صبر يعقوب عليه السلام عندما فقد ولده يوسف ثم ولده الآخر «وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ».
وإن مما يحتاج الداعية إليه: التوكل على الله حيث إن الله قدر ليوسف أن يعيش في بيت العزيز بعد غيابت الجب، ونرى ما حصل ليوسف عليه السلام من إمرأة العزيز «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ«23» وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ» «24».  فنظر ـ عليه السلام ـ  إلى العواقب، وهي نظرة الموفق المسدد.. فصرف الله عنه السوء والفحشاء بل وصل الحال عندما خُيِّر «قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ». فهذا تهديد ليوسف عليه السلام إن لم يفعل الفاحشة أن يسجن، شأن يوسف وشأن كل مؤمن يخشى الله ويخشى النار التي وصفها الله بقوله «فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى«14» لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى«15» » أن يقول:  «قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ». والسجن مصيبة وبلاء وكربة ومن اسمه تستوحش منه القلوب، ولكن من وفقه الله نظر في العواقب، وهذا موقف يجلي حقيقة الابتلاء الذي يواجه المؤمن في هذه الدنيا، فيوجب وجود الابتلاء الثبات على ما يرضي الله تعالى، وإثبات الصدق في عبوديته وطاعته والاحتكام لتوجيهه جل وعلا، وليس الاحتكام إلى الهوى وميول النفس الأمارة بالسوء.. وهذا من «المحكات» التي يتبين فيها الصادق في دعواه من الكاذب.. وقد قال الله تعالى «ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين». ويذكرنا هذا الموقف بموقف السحرة الذين كانوا مع فرعون عندما آمنوا بموسى عليه السلام وكفروا بفرعون وسحره وأعلنوا ذلك؛ فإنهم لم يخافوا من القتل لأن عذاب الدنيا ـ مهما يكن ـ  يهون بالنسبة لعذاب الآخرة .. لمن عقل ذلك من عباد الله .. فاستجاب الله له «فاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العليم» وفي قصة يوسف عليه السلام: استثمار الضيف في هذه الدنيا الفانية «فكلنا من ضيوف هذه الأرض ومن غرباء السفر» للوقت؛ فإن المؤمن يعلم أن ساعاته محسوبة وأنه سيحتاج إلى الأعمال الصالحة في قبره «دار البرزخ» وفي الآخرة «دار القرار»..
  دقات قلب المــرء قائلـة لــــه إن الحياة دقائق وثـــــوانِ
  فارفع لنفسك بعد موتـك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثانِ
إن نبي الله يوسف عليه السلام وهو في السجن يدعو إلى الله تعالى، ويبشر وينذر، وهو شأن الداعية إلى الله تعالى الحريص على هداية المدعوين وتبليغ الأمانة التي تحملها.. وقد رأى من يدعوهم في وجهه الصلاح وحب الخير فعرضا له أمرهما «وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ».
والداعية تعظم استفادة الناس منه وتكبر كلما رأوا فيه من علامات الخير والعمل بالعلم، واطمأنوا له، فهناك من يدعو إلى الله بقوله وينفر بفعله وسلوكه وتصرفاته!! ولما كانت الدعوة إلى الله أساسها الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، وتصحيح العبادة وصرفها لله وحده سبحانه وتعالى، نجد أن يوسف قد استغل الأمر الذي سئل عنه «تأويل الرؤيا» وبين لهم قبح الشرك ودعاء غير الله تعالى ووجوب توحيده عز وجل وإفراده بالعبادة، وفصّل لهما التفصيل الذي تبرأ به الذمة ويتضح الأمر وضوحاً لا إشكال فيه، وهذا درس لمن يختزل هذه الجوانب من الدعاة في كلماته ويوجزها ويتحدث عنها بإجمال لا تبرأ به الذمة ولا يتحقق به البيان.
ومن الدروس المستفادة أيضاً: أن الله مكَّن  له وأن الله أيَّده وأثبت براءته «وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ«50» قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ» «51». ووعد من الله أن ينصر من نصره، وأن يؤيد من عظّم حدوده.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها*** إن السفينة لا تجري على اليبس
فمن يرجو من الله النجاة والنصر والتوفيق والحفظ، عليه أن يتقيه بالأعمال التي ينبغي أداؤها حتي ينصره الله، وهو سبحانه لا يخلف وعده ولا يهزم جنده.
ومن الدروس العظيمة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام أن الإنسان يعفو ويصفح ويسامح ولذلك لما قال أخوة يوسف : «قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ » فقال: «قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ «90» قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ«91» قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ«92» ».
وفيها صبر يوسف وصبر أبيه على دينهما ودعوتهما، لذلك أشار الله إليها وقال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في خواتيم سورة يوسف: «قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ».
ثم ختم الله السورة بقوله: «لقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ  وَتَفْصِيلَ كُل شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .