الخلوة التي لفتت انتباه الرئيس

في خطابه أمام المواطنين باستاد بورتسودان أثناء زيارته قبل أيام، تحدّث الرئيس عمر البشير عن مشاهدته لخلوة لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة الكيلو على شاطئ البحر بمدينة بورتسودان، وأظهر إعجابه وسروره وقارن ذاك بما كان يجري ويحدث في هذه المنطقة قبل عقود من الزمان.
ولما كنتُ أشرف على هذه الخلوة إشرافاً مباشرة قبل أكثر من عشر سنوات وحتى الآن وهو شرف عظيم أفخر به ــ فقد رأيت أن ألقي الضوء على بعض المعلومات العامة عن هذه الخلوة، والتي سمّيت منذ تأسيسها في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي باسم «مركز أبي بكر الصديق رضي الله عنه لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الإسلامية»، ونبعت التسمية لهذا المركز تحمل اسم الخليفة الراشد صدّيق هذه الأمة أبا بكر الصديق وفاءً له لما قدّم لأمة الإسلام ولما خدم به القرآن الكريم ولصحبته ونصرته وهجرته ومقامه الكريم، إذ هو أفضل الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام.
والمركز هو وقفٌ خاصٌ أوقفه رجل الأعمال المعروف في بورتسودان السيد عبد الكريم الهندي رحمه الله، ثم خلفه بعد وفاته ابنه الشيخ فيصل عبد الكريم عبد الله رجل الأعمال والداعم لكثير من الأعمال الخيرية في بلادنا عموماً وفي مدينة بورتسودان خصوصاً، وهو رئيس مجلس إدارة منظمة مبرة الوالدين الخيرية التي تعمل في جهات السودان المختلفة في المشروعات الخيرية.. وقد سار على خطى والده في العناية بهذا المركز، وجعل له ميزانية مفتوحة بنفقة شهرية ثابتة لعقدين ونصف العقد من الزمان، وميزانية أخرى مفتوحة لأية احتياجات في بنود الصرف الخاصة بالطلاب وأساتذتهم وغير ذلك، وبالمركز سكن داخلي للطلاب بتحمل نفقات إعاشتهم وسكنهم وما يحتاجونه مع تفريغ للمشايخ الذين يقومون بتحفيظ القرآن وتدريس مبادئ العلوم الشرعية، ويرى جزاه الله خيراً أن هذه الخلوة هي أهم مهامه وأبرز مشروعاته، ويحرص ألا يشاركه في النفقة عليها أحد غيره. وأسأل الله أن يتقبل منه نفقته عليها ورعايته لها. وفي الفترة الأخيرة قبل عدة أشهر تمّت صيانة كبيرة للمركز وتم تجديد الأثاث، مع وضع خطة جديدة تجدّد فيها أهداف المركز وأساليبه، ومن ذلك استيعاب طلاب الجامعات في برامج معدّة لتصحيح التلاوة، كما رسمت خطة مميزة تنفذ قريباً إن شاء الله في عقد اتفاقيات بين إدارة المركز وبعض الجهات الرسمية والوزارات والجامعات والمدارس ليصل دور المركز عبر أساتذته وطلابه المجوّدين لتنفيذ برامج تصحيح واتقان قراءة سورة الفاتحة وجزء عم لأكبر عدد من الشرائح المختلفة، وأوكلت مهمة إدارة المركز في الجانب الفني للشيخ الأمين عطا مدير مركز بلال بن رباح بحي سلالاب، وهو مركز متخصّص في تحفيظ القرآن الكريم وتعليم العلوم الشرعية، وللشيخ الأمين خبرة طيبة في هذا المجال، وفرّغت شيخاً متقناً حافظاً مجوداً متفرغاً مع الطلاب لأجل تمام الضبط وجودة الحفظ، ويتولى مهمة الإشراف الإداري على المركز الأستاذ محمود بيومي وهو صاحب خبرة إدارية طويلة للإفادة من جهوده في تغطية الجانب الإداري والخدمي للتيسير على الطلاب والقادمين لحفظ كتاب الله حتى يجدوا بيئة مميزة تليق بالمتفرغين لحفظ كتاب الله تعالى. ويتولى التدريس لمبادئ العلوم الشرعية بالمركز مشايخ معروفون بصحة المعتقد وحسن السيرة وحسن الخلق، وقد نفع الله بهم كثيراً في هذه المدينة المميزة بحب طلبة العلم للعلم الشرعي وحب أهلها للخير، كأمثال الشيخ محمد الحسن جعفر والشيخ الصادق النور والشيخ محمد طاهر جعفر، وغيرهم من أهل العلم المعروفين بمنهج الوسطية والاعتدال بعيداً عن الغلو أو التطرف أو التكفير أو التحزب أو غير ذلك. وفي خطتنا في دور هذا المركز المنوط به خاصة من جهة موقعه وكونه يطل على الشاطئ مباشرة في منطقة يرتادها كثير من الناس، بناء مسجد جامع ضخم يهيأ بمرافق خدمية وميزانية هذا الجامع معتمدة، وقد تحدَّثت مع مدير إدارة المساجد السابق ونائب مدير الأوقاف الحالي الشيخ محمد أونور الذي كان خير داعم لمسيرة هذا المركز ولغيرها من الأعمال الخيرية التي تنفذها المنظمة بمدينة بورتسودان، عن اعتماد الشيخ فيصل عبد الكريم ميزانية هذا الجامع، وسيتم تنفيذه بمشيئة الله بعد إكمال اعتماد أوراقه من الجهات المختصّة، وسيكون خلفه الشيخ لباب الدين وفقه الله خير خلف لخير سلف في هذا الجانب، كما أن من خطط هذه الخلوة التي لفتت انتباه الرئيس عمر البشير وفقه الله، توزيع كتيبات وأشرطة ووسائل توعوية وتعليمية وتوجيهية بمشيئة الله تعالى. إن من التوفيق أن تقام خلوة في هذا المكان لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية، وإني لأتقدّم للمسؤولين في حكومة البحر الأحمر بشكري على تشجيعهم لهذا المركز في دوره الذي يقوم به، والإشادة به، وها هي بعض خططه المستقبلية التي نأمل أن تتحقق، وإن خدمة القرآن الكريم لشرف كبير نحمد الله على ذلك ونسأله القبول.

اعـتـرافــات جـمـهــوري!!

وحُقَّ الاستغراب والدهشة لمن يستغرب وجود أتباع للفكرة الجمهورية «المنقرضة»، ويزداد الأمر عندما تجد من يفصح عن انتسابه إلى الفكرة الإبليسية المسماة «الفكر الجمهوري»، ويبلغ العجب ذروته عندما يأتي من يحاول التبرير لمن ادعى الرسالة الثانية المرتد محمود محمد طه، فيحاول تغطية الضلالات التي جاء بها ليجد لها مسوّغاً !!! والأعجب أن ينسب ذلك للدين!! وإن كان من بقي من الجمهوريين ينكرون الارتزاق بالدين على طوائف وجماعات، فها هم وقعوا في ذات التهمة مع أن جرمهم أغلظ، إذ يحاولون تبرير ما دعا إليه متبوعهم ويلصقونه بالدين والدين منه براءٌ براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام. اطلعت على مقال نشر بصحيفة «سودانايل» الالكترونية لكاتبه د. عبد الله عثمان بعنوان: «هل في الفكرة الجمهورية أسرار؟ نعم ولا» .. هكذا عنوان المقال بإجابة الكاتب أن بالفكرة الجمهورية أسراراً وفي ذات الوقت ليس بها أسرار، ومما قاله الكاتب في الجزء الخاص بإثبات أسرار في هذه الفكرة المنقرضة قوله:
«نعود، بعد هذا، للشق الثاني وهو نعم أن بالفكرة الجمهورية أسراراً. هي البداهة أنه طالما أن «فوق كل ذي علم عليم» فإن ما لا تعرفه أنت ويعرفه غيرك فهو بالنسبة لكل سر من الإسرار. بهذا المعنى فإنه سيظل في الدين أسرار، ولعل ذلك أيضاً يتضّح في الحديث الشريف «لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده وما علم ذلك أحد.. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، الا أن يتغمدني الله برحمته». وفي حديث آخر عن العلوم التي عُلّمها النبي الكريم، في ليلة الإسراء، «علم نهيت عن تبليغه إذ علم أنه لا يطيقه غيري»!! وفي إجابة لسائل سأل بكوستي عن «صلاة الأستاذ» أجاب الأستاذ بقوله «أنا بصلي بإتقان شديييييييييييد لتقليد النبي لأمرو هو في التقليد لغاية ما أمرني بأن أكون أصيل، وقال لي ها أنت وربك وأخذت صلاتي الفردية من الله بلا واسطة» ...«ها أنت وربك» هذه هي بيت القصيد هنا. تلك «حضرة» لم يحضرها أحد غيره، بذلك فإن ما دار فيها فيها يظل «سراً» إذ بطبيعة الحال، وكما يقول الأستاذ، فإن ما يتعلمه المعلم في معهد تدريب المعلمين لا يقوله كله للتلاميذ، ذلك لأنهم لم يتهيأوا له بعد. والذي ينوبنا من تلك «الإلمامة» ونعلم طرفاً منه هو ما طرحه الأستاذ في مؤلفاته وفي جملة ما رآه الناس من حاله الذي عاش به بين الناس. وما لا نعلمه يظل حالنا فيه حال الابنة ميسون النجومي ٭ التي قالت «أنا مقبلة على الأستاذ ورامية التصديق قدامي، الما بفهمو ما عندي شك اني حفهمو واصدقو» انتهى.
قلتُ: أتى الكاتب بحديث جمع فيه بين حديثين مختلفين أحدهما قول في الحث على التوكل والثاني في بيان أن عمل العبد لا يدخله الجنة إلا أن يتغمده الله برحمته، فهذان حديثان صحيحان معلومان ولم يردا في حديث واحد كما أوردهما الكاتب!! ثم إنه أورد عبارة في وسط الحديث هي: «ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده وما علم ذلك أحد.. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا» فهذه العبارة لم أجدها في ما اطلعت عليه من كتب السنة، ولا أدري من أين أتى بها الكاتب؟!! وهي عبارة تشير إلى أن بعض الأمة قد يكون أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم في دين الله وهذا ضلال مبين باتفاق المسلمين العالمين منهم والجاهلين.
والحديث الثاني الذي أورده هو كذلك، فالكاتب بحاجة إلى أن يثبت العرش ثم ينقش كما يتهيأ له ويرغب، لكن هكذا يورد نصوصاً دون إسنادها إلى من رواها ومدى صحتها من ضعفها، وتعجب أنه أستاذ جامعي!!
وقد أورد الكاتب في هذا المقال اعترافات مهمة تضاف إلى الاعترافات السابقة لابنة محمود محمد طه أسماء بشأن صلاته التي كان يصليها وتلقيه التشريعات مباشرة، وأنها تختلف مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يؤكد ما صرَّح به صاحب الفكرة المقتول ردةً، بل بشأن طريقة تشريع محمود محمد طه لنفسه ولأتباعه الفكرة المخترعة من عنده، فقال الكاتب: «أجاب الأستاذ بقوله: «أنا بصلي بإتقان شديييييييييييد لتقليد النبي لأمرو هو في التقليد لغاية ما أمرني بأن أكون أصيل وقال لي ها أنت وربك وأخذت صلاتي الفردية من الله بلا واسطة» ...«ها أنت وربك» هذه هي بيت القصيد هنا. تلك «حضرة» لم يحضرها أحد غيره، بذلك فإن ما دار فيها فيها يظل «سراً» إذ بطبيعة الحال» !!!
قلتُ: أين لقي محمود محمد طه النبي عليه الصلاة والسلام؟!! وهل يجوز إدعاء أن الشخص يحق له ويصح منه أن يتعبّد بشيء لم يشرعه الله تعالى في كتابه الكريم ولم يكن على هدى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟!! أقول: من نواقض الإسلام دعوى الخروج من الشريعة الإسلامية إلى تشريعات يدعيها أصحابها سواء من أصحاب دعوى الباطن والظاهر والعلم اللدني والتفريق بين الحقيقة والشريعة وغيرهم. وقد ختم الكاتب مقاله بنقل عن واحدة من أتباع الفكرة الكفرية الجمهورية إذ تبرّر بقولها: «الما بفهمو ما عندي شك اني حفهمو واصدقو» !! قلتُ: هذا نفسه قول بعض النصارى الذين لم يقتنعوا بفكرة التثليث وكيف يكون الواحد ثلاثة والثلاثة واحد، فقال بعضهم مبرّراً: سيأتي اليوم الذي نفهم فيه هذا الأمر وإن عسر علينا فهمه الآن.
في ذات الوقت الذي قامت فيه العقيدة الإسلامية على الوضوح والإقناع وموافقة العقل والفطرة، إلا أنّ الهوى يجعل صاحبه يصر على فكره رغم عدم قناعته به، وربما العاطفة، فما أكثر نشر من بقي من الجمهوريين صور المقتول ردّة محمود محمد طه، ويبدو واضحاً حضور العاطفة في إصرارهم على تمجيده رغم وضوح فشل مشروعه وانهياره رغم أنه كان يبشرهم بغير ذلك. لقد نشرت أربعة مقالات في سلسلة حلقات قبل فترة بهذه الصحيفة بعنوان: «الموجز في بيان حقيقة الحزب الجمهوري وأهدافه» ومما قلته في تلك الحلقات مما يحسن أن يعلّق به على دعاوى الكاتب أعلاه قولي: «وقد سعى محمود محمد طه سعياً حثيثاً متواصلاً للدعوة إلى نسف القواعد والأصول والأحكام الشرعية في دين الإسلام، ويزيِّن ذلك أحياناً بمصطلح: «تطوير الشريعة» تبعاً لتطور البشر، وهذا ما ردّدته ابنته «أسماء» في الحلقة التلفزيونية في برنامج: «نادي الاعترافات»، وفي غيره، فقد قال محمود محمد طه: «وحين يتطور الإنسان بفهم الدين، في فهم الدين، يطـور شريعتـه، تبعاً لحاجتـه ولطاقتـه، من القاعـدة الغليظة إلى قاعدة أقل غلظة.. فالأفراد يتطورون في فهم الدين فيدخلون في مراتب الشرائع الفردية، والمجتمعات تتطور، تبعاً لتطور الأفراد، فترتفع شرائعها من قاعدة غليظة إلى قاعدة أقل غلظة».
وهكذا يعبر بألفاظ واضحة فيقول: «فترتفع شرائعها» إذ هذه أهم أهداف ونتائج الفكرة الجمهورية، وهي إخراج المسلمين من دين الإسلام وجعل كل فرد منهم يتعبّد وفق ما يهواه وما يمليه عليه الشيطان بدعوى الوصول والأصالة، ويتم الإعراض عن شريعة الله التي بعث بها خير رسله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.. هكذا بإيجاز واختصار يصرّح مخترع ما سمي الفكرة الجمهورية طريقاً يؤدي إلى جهنم والعياذ بالله ويكذّب القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً».. فهل بقي بعد هذا العرض الموجز لهذه الفكرة الشيطانية حجة لأحد يتعاطف معها أو مع مخترعها؟! وهل تجدي العاطفة أحداً أو تفيده وهو يطلع على هذا الكفر البواح؟!».
وقولي: «إن «الأصالة» عند محمود محمد طه تعني أن يستمتع الفرد بترك التشريعات الواردة عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام وتحقيق الحرية الفردية المطلقة في أن يتعبّد كل شخص بالطريقة التي يتوصل إليها، فتقليد النبي محمد عليه الصلاة والسلام تكون في «أصالته» فإذا صار الفرد أصيلاً فلا يكون مقلداً وقتها وإنما ينفرد و «يستمتع» بترك التشريعات الواردة في دين الإسلام ويجعل له تشريعات بحسب ما يصل إليه!!!
وهكذا ينسف الإسلام كله !! تحت نظرية الأصالة الجمهورية، وهكذا يتحقق هدف من أهداف الفكرة الجمهورية وهو رفع الأحكام الإسلامية التي أجمع عليها المسلمون واتجاه كل فرد بتشريع يناسبه في حرية مطلقة !! فلا تعجب إذاً أن يكون من أبرز المتباكين على محمود محمد طه شيوعيون وليبراليون وعلمانيون وبعض المنتسبين للطوائف الإسلامية التي تلبس عباءة العلمنة وتنادي بالحرية المطلقة.. هؤلاء هم من يقف في الخط الأول ممن يرددون ويصفون هذا الزنديق بــ: «الأستاذ» و «الشهيد» ويبعثون باللوم على ما يسمونه: «قوانين سبتمبر»، ويعتبرون النميري أخطأ وظلم بتنفيذ حكم الردة عليه.. وها نحن نضع بين أيديهم هذا الكفر الصريح والدعوة الشيطانية الإبليسية عسى أن يحدث لهم ذلك  على الأقل حياءً فيكفون عن عباراتهم التي تردّد بين حين وآخر في هذه القضية».

مراجعة مهمة من الدكتور غازي صلاح الدين

في مراجعة مهمة واعتراف خطير، صرّح الدكتور غازي صلاح الدين بأن العناية والاهتمام بالدولة قبل العناية بالمجتمع هو من الفهم المعكوس، وبيّن أن الفكر القائم على تعظيم الدولة أكثر من المجتمع هو أمر غير ما يُرَى في هدى القرآن الكريم وهدى الإسلام، جاء ذلك وغيره في حوار تلفزيوني أجراه معه الأستاذ حسين خوجلي، الذي وجّه له السؤال التالي:
«يقال أن العملية الفنية التي حدثت في 30 يونيو 89م صادرت الحيوية الجماهيرية للحركة الإسلامية لصالح العسكريين والفنيين، واستمرت هذه المعادلة المقلوبة إلى اليوم، وهذا واحد من الإخفاقات الكبيرة في تاريخ الإنقاذ أنها أصبحت أقرب إلى حكومة التنظيم الخاص من التيار المفتوح الجماهيري، ولذلك في ناس بفتكروا إنو هذه الشخصيات والمواقف هي سبب نفور من الآخر سواء أكانت تيارات فكرية أو تيارات معارضة حديثة أو تقليدية.. إلى أي حد هذا التعريف أو التعميم أو الزعم صحيح؟».
فأجاب الدكتور غازي بقوله: «هو هذا، النقد الآن يوجَّه ليس فقط إلى تجربة الإنقاذ وهي تجربة لها خصوصية في مبدئها وفي منطلقها وفي طريقتها في معالجة الأشياء، ولكن هو نقد يوجه الآن حتى إلى التجارب الإسلامية التي وصلت إلى السلطة عن طريق الاقتراع في مصر وتونس وفي مناطق أخرى، والتهمة في نظري جديرة بالنظر والتدبر فيها، والحصول على إجابة عنها، التهمة هي في أساسها أن الفكر الإسلامي المعاصر يعظِّم من شأن الدولة أكثر مما ينبغي ويهون من شأن المجتمع، في حين أن هذا هو بالضبط معكوس، ما تراه في هدى القرآن وهدى الإسلام الذي يركِّز على المجتمع جداً، بمعنى أن المجتمع إذا صَلُح فذلك أرجى لئن يصْلُح الحاكم، ولكن التجارب الإسلامية في النقد الذي يوجَّه إليها أعتقد أنه نقد يستند إلى حقائق، وأنه يستدعي الإعادة في النظر في مجمل النظرية في أن الدولة مهمة للغاية، بدرجة أحياناً تسبق المجتمع، وهذا الذي تراه الآن سواء في السودان أو في بلاد أخرى هو نتاج بذلك الفهم المعكوس، لو أنني كنت مُصَوِّباً في الحقيقة في جهدي وفي دعوتي وفي كسبي اليومي لكنت مُصَوِّباً نحو المجتمع، لأن المجتمع هو الأرسخ والأقعد والأحفظ للقيم على المدى البعيد، أما الحكام فيأتون ويذهبون».
قلتُ: توثيق هذه المراجعة المهمة من الدكتور غازي والتعليق عليها من الأمور المهمة، وهي شهادة من سار في برنامج الحركة الإسلامية عقوداً من الزمان، وها هو يشهد بأن العناية بالمجتمع هي الأهم والأسبق، وهذا المعنى بعمومه ــ هو ما يشير إليه السلفيون ويصطلحون له بــ «التصفية والتربية»، فالعناية بتصفية الإسلام مما يشوبه من المحدثات والشركيات والبدع والخرافات والانحراف في الفهم وتربية أتباعه على الإسلام المُصفّى النقي، هو السبيل الحقيقي للتمكين، وهذا من سنن الله تعالى التي لا تتبدّل ولا تتغيّر، فكما يكون الناس تكون أحوالهم ومعايشهم ويكون حكامهم، فهذا الاعتراف أتمنى أن يفيد منه أتباع الحركة الإسلامية، وفي هذا الاعتراف درس بليغ لبعض المولعين والمفتونين بالسياسة المعاصرة من المنتسبين لدعوة التوحيد.. من الذين رأوا طريق التصفية والتربية طويلاً فتعجّلوا وفتن بعضهم ببريق المناصب، وفي ما حدث في عالمنا الإسلامي في الوقت المعاصر الدرس الأبلغ، لأتباع الحركة الإسلامية ولغيرهم. وأجد المقام مناسباً لأعضّد اعتراف الدكتور غازي صلاح الدين بجزء من مقالٍ سابق نشرته بهذه الصحيفة بعنوان: «نصيحة إلى المنتسبين للحركة الإسلامية» وقد قلتُ فيه:
فيا أتباع الحركة الإسلامية إن المطلب الأعظم للشريعة وللإسلام ولكل الرسالات ولكل الأنبياء ولكل الكتب السماوية، هو عبادة الله وحده لا شريك له.. وترك عبادة من سواه.. أن يفرد الله وحده بالتوحيد، هذه هي الغاية التي خلق الله لأجلها الجن والإنس وخلق الحاكم والمحكوم وجميع المخلوقين، أن يعبدوا الله وحده لا شريك له.. وأوجدهم لتحقيق العبودية التي تكون في طاعتهم له وتعظيمهم أمره ونهيه.. وهذه القضية العظيمة ليست بحاجة لأن تورد فيها نصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية تدل عليها، فهي حقيقة يجب إدراكها والعمل بها.. قال الله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون».. وجاء في حديث معاذ رضي الله عنه الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا بها شيئاً». وهذا هو السبب الأعظم لتحقيق أي اجتماع صحيح وسليم. وإن الله تعالى قد خلق هذا الإنسان واستخلفه في الأرض وأمره بأن يسير على صراطه المستقيم، وقد بين الله تعالى أن من يمكنهم في الأرض يجب عليهم القيام بعبادته سبحانه بالمعنى العام للعبادة التي تتضمن جوانب الدين كله كالعقيدة وأصول الإيمان وأركان الإسلام، وأحكامه وآدابه وأخلاقه وسائر تشريعاته، قال تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ».
كما حث الله تعالى من يمكنهم في حكم الناس على القيام بمهمتهم التي ذكر منها: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ».
إن مما يتبيّن وجوب النصح فيه للحركة الإسلامية: قيامها على منهج ومبدأ «التجميع» و «تكوين العضوية» دون النظر في ما عليه الأفراد من مناهج وعقائد، ولذلك فعضوية الحركة الإسلامية تضم بين أعضائها أشخاصاً متباينين في عقائدهم وأفكارهم ومبادئهم، فهم «طرائق قِددا» فبينهم المتصوف وبينهم ما يرى أن التصوف خطأ وبينهم من يدعو للتقارب مع الشيعة الرافضة وبينهم المتأثر ببعض التيارات الفكرية وبعضهم غير ذلك، فمن المُسَلَّمات الواضحات في منهج الحركة: عدم العناية بأن تكون العقيدة الصحيحة هي نقطة تمييز وفرقان في العضوية، ويقوم منهج الحركة على عدم إعطاء العقيدة مكانتها في أمر الولاء والبراء، والحرص عليها باعتبارها السبب الرئيس والأعظم في النصرة الربانية والرعاية الإلهية والتوفيق والتسديد، وكم هو مهم للحركة الإسلامية أن ترجع إلى المنهاج النبوي لتقف على رعاية النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أمر المعتقد وتوجيه الناس للاستسلام لله الواحد القهار، والعناية بتصحيح العقيدة، وعدم التهاون بشأنها أو غض الطرف عن الأخطاء فيها، وبيان أنها أساس أي اجتماع موفّق مهما صغُر أو كبُر.
وهذا الجانب المهم يشخص الداء الذي أصيبت وتصاب به الحركة الإسلامية، فالاجتماع أساسه: الاجتماع على المنهاج الواحد والسبيل والطريق الواحد، وأساس الاجتماع إفراد الله تعالى وحده بالعبادة وهو التوحيد الذي خلق الله لأجله جميع الخلق. إن واجب النصح يقتضي أن نقول للحركة الإسلامية أن تصحح مسارها ومنهاجها وفهمها لقضايا الدين والشريعة ولتصحح الفهم للمصطلحات، وتعتني بالعقيدة الصحيحة وتربي أفرادها عليه ففاقد الشيء لا يعطيه، ولن يتم اجتماع إلا على ما دل عليه الكتاب والسنة، وقد جاء فيهما أن الاعتصام يكون بالحق الواحد الذي لا يتعدد، وأن سبيل التمكين هو تحقيق التوحيد، وهذه قصص الأنبياء مع أقوامهم فيها العناية بالتوحيد والتمسك به والدعوة إليه والتحذير مما يخالفه ولا مجاملة في ذلك، لأن عبادة الله وتوحيده هي سبيل النجاة للأفراد والمجتمعات ولا عز إلا بذلك.. لتعرض الحركة الإسلامية منهجها الذي قامت عليه على «التجميع والتكتيل» دون العناية «بالتصفية والتربية» والعناية بالعقيدة الصحيحة لتعرض ذلك على الكتاب والسنة وتنظر في مسيرتها التي قاربت القرن من الزمان دون تحقيق ثمرات واضحة على مستوى أفرادها ونفسها فضلاً عن غيرها!! ولتستفيد الحركة الإسلامية من المرحلة التي تمر بها في تصحيح ما هي عليه من أخطاء في منهاجها وأصولها وأهدافها وغاياتها، ومن ذلك إهمالها لأمر إفراد الخالق بالتوحيد والتربية على ذلك، والعناية بالتحذير من الشرك عملاً بالكتاب والسنة وأصول الشريعة، فالحق ضالة المسلم.. والموفق من وفقه الله.