العلاج لـ (تخبّط) و(تفلُّت) بعض الدعاة (3) د. عارف عوض الركابي

العلم بهدي النبي في الدعوة إلى الله
مما يعالج به «التخبّط» و «التفلت» الذي تشهده بعض جهات الساحة الدعوية والمتمثّل في تصرّفات وأساليب بعض المنتسبين إلى الدعوة إلى الله بيان هدي النبي عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله .. فإن خير الهدي هديه عليه الصلاة والسلام، وقد أمرنا الله تعالى باتباع سبيله والاقتداء به.. فهو إمام الدعاة وقائدهم وقدوتهم.. وأفضل من دعا إلى الله تعالى.. والحلقة القادمة تكون إن شاء الله في أهمية إدراك الداعية لـ «مقاصد الشريعة» في الدعوة إلى الله.. وحسبي في هذه الموضوعات المهمة إشارات موجزات تقتضيها المساحة المتاحة في هذه المقالات، وإن هدي النبي المصطفى الرحمة المهداة مما تسعد النفوس بالتذكير به.. فإن من هديه عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله:  
1 ـ إنه عليه الصلاة والسلام استجاب لأمر الله عندما أمره بالدعوة إليه «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ»، وقال تعالى: «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»، فالنبي صلى الله عليه وسلم استجاب لأمر الله عز وجل وصدع بما أمره الله به، ولا يخفى عظم هذا الأمر خاصة في ذلك الوقت. كما أنه واجه بالدعوة الأقربين له امتثالاً لأمر الله تعالى، وفي هذا أن الداعية ومن يدعو إلى الله ينبغي ألا يشغله الناس عن أهله وأقاربه «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ»، فأولى الناس بالدعوة بعد «نفس الداعية» هم الأقربون، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما صعد في جبل الصفا ونادى بعض قرابته وكان يردد: لا أغني عنك من الله شيئاً، وللأقربين وغيرهم حقوق في الدعوة يجب التنبه لها، كما أن استجابته عليه الصلاة والسلام وسرعته فيها تبين للدعاة أهمية الانشغال بالدعوة ونشرها والسعي والحرص في تبصير الناس وتوضيح الحق لهم وتحذيرهم من الباطل بأنواعه وأشكاله.
2ـ إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب بدعوته الرجال والنساء والصبيان والمشركين والمؤمنين والطائعين والعصاة وغيرهم، فلم ينشغل ببعض المدعوين ويترك الآخرين!! فلم يكن اهتمامه بطائفة معينة كالشباب مثلاً !! أو الأغنياء دون سواهم!! فكانت دعوته لكل الناس، فلم يكتف بالرجال بل جعل يوماً للنساء يعظهن فيه، ولما خطب الرجال في خطبة العيد انصرف إلى النساء ووعظهن وأمر النساء أن يخرجن إلى المصلى في العيد ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. وكذلك كانت دعوته للمشركين والصبيان، يزور غلاماً يهودياً يدعوه إلى الإسلام ويقول بعد أن نطق بالشهادة، الحمد الله الذي أنقذه بي من النار، فالدعوة تشمل الكل، وهذا شأنه عليه الصلاة والسلام، الغني والفقير والمشهور بين الناس وغير المشهور، وإنك تعجب لما تعلم أن بعض من يقوم بالدعوة يخص بها أقواماً أو أصنافاً معينين من الناس، ويدرس ويعلم في أحياء معينة، ولا تعرفه أحياء كثيرة من الأحياء الفقير أهلها!! وقد تكون حاجتهم أشد من حاجة من انشغل بهم.
3ـ إن النبي صلى الله عليه وسلم صبر في دعوته إلى الله فقد ذاق أنواعاً من الأذى، فصبر واستجاب لأمر ربه، فقد أمره بقوله: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» واجه الأذى الحسي والمعنوي، فمن الأذى الحسي: كسرت رباعيته وترُقوته وغارت حلقتا المِغفر في خده. ضربه في يوم أُحُد، كما أن أهل الطائف آذوه لما ذهب إلى ثقيف وغيرها. ومن الأذى المعنوي: فقد كاده المشركون بأنواع من الكيد، قالوا إنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وغير ذلك مما ذكر في القرآن الكريم: «أم يقولون ساحر نتربص به ريب المنون» «ولقد استهزئ برسل من قبلك»، وكانوا يقولون إنه أبتر «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» وغيرها، وكل من يدعو إلى الله فإنه بأمس الحاجة لأن يتزود بالصبر، ولا بد له أن يتخلَّق به وبالحلم وغيرهما من هذه الصفات الضرورية.
4ـ إن النبي صلى الله عليه وسلم كان رفيقاً في دعوته رفيقاً بأتباعه، وكان حريصاً على هداية الناس، وقد قال الله تعالى: «لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ» ومعنى «عزيز عليه ما عنتم»: يشق عليه أن يراكم تنحرفوا أو تضلوا «حريص عليكم»: أي على هدايتكم واستقامتكم.
لذلك لم يخيّر بين أمرين إلا اختار أيسرها ما لم يكن إثماً ولم يكن يكلف أحداً بما لا يستطيعه وما هو فوق طاقته، بل قعد قاعدة عامة هي من مظاهر الرحمة في هذه الشريعة، حيث قال: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
5 ـ اهتم ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالدعوة إلى أساس هذا الدين وركنه الأعظم: التوحيد والإيمان بالله.. فدعا إلى التمسك بالمعتقد السليم والاستقامة عليه، وحذر من الشرك بكل صوره وأنواعه كبيره وصغيره، وهذا ما اتفق عليه كل الأنبياء.. فحذر عليه الصلاة والسلام هذه الأمة من الوقوع في الإشراك بالله تعالى ونهى عن اتخاذ آلهة أو أنداد مع الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك أنه نهى وحذر من خطورة الغلو فيه عليه الصلاة والسلام.. ومما قال في ذلك: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله»، وأيضاً للذي قال «ما شاء الله وشئت» قال له: «أجعلتني لله نداً؟! قل ما شاء الله وحده» .
فقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بالعقيدة والتوحيد وتصحيح المعتقد، لأن الإنسان لا يفلح إلا إذا كان إيمانه صحيحاً ومعتقده سليماً، وهذا ما كان يكثر من توضيحه وبيانه حتى أنه في فراش الموت يحذر من الضلال والانحراف فيه.
6ـ راعى ـ عليه الصلاة والسلام ـ  في دعوته الأولويات فجعل الجانب الأهم قبل الجانب المهم، فقدم ما حقه التقديم، وما يمكن أن يؤخره أخره. لذلك يقول لمعاذ رضي الله عنه «ليكن أو ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله كتب عليهم صدقة تؤخذ من أغنائهم وترد على فقرائهم».. ولم يكن في «العهد المكي» الكثير من الأحكام كالصوم والزكاة والحج والصدقة وغيرها، وإنما كان التركيز على تقرير التوحيد وإبطال الشرك.
7ـ كان يستغل عليه الصلاة والسلام كل الوسائل التي تتاح له في الدعوة إلى الله، فكان يخطب خطبة  الجمعة وكان يخطب في غير الجمعة، وكان يزور من يدعوهم ليبلغهم دين ربه عز وجل، وكان يرسل الرسائل، بل كما أخبر أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل ملك الروم وكتب إلى كسرى ملك الفرس وإلى النجاشي ملك الحبشة، وكتب إلى كل عظيم يدعوهم إلى الله.
 أرسل الرسل عليه الصلاة والسلام، ودعا إلى الله عز وجل، وهذا من باب استغلال الوسائل التي تتاح للداعية.. فالداعية ينبغي له أن يستغل الوسائل المشروعة التي تتاح له في دعوة الناس إلى الله وفي نصحهم وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الحلقة القادمة إن شاء الله موضوعها: «مقاصد الشريعة في الدعوة إلى الله ونماذج لعدم إدراك بعض الدعاة لتلك المقاصد أو بعضها».

العلاج لـ «تخبّط» و «تفلُّت» بعض الدعاة «2» التفريق بين الانتصار «للنفس» ونصرة «الحق»..د. عارف عوض الركابي

مما يعالج به «التخبّط» و «التفلت» الذي تشهده بعض جهات الساحة الدعوية والمتمثّل في تصرّفات وأساليب بعض المنتسبين إلى الدعوة إلى الله، بيان الفرق بين نصرة الحق على والانتصار للنفس.
إن من يطلع على جهود أئمة السلف في التأليف يجد معلماً واضحاً في مؤلفاتهم، وهو أنهم يقومون ببيان الحق والرد على المخالفين لإظهار الحق بما ثبت في الدين ورد الباطل الذي ألصق بالحق، فبيانهم للحق ردودهم على الباطل تدور حول «توضيح» الحق و«نصرته».. فانظر على سبيل المثال في كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد أو الرد على بشر المريسي للدارمي، أو انظر في كتب للإمام ابن منده، أو تصفّح كتاب الشريعة للآجري، أو كتاب ذم الكلام للهروي، أو كتاب خلق أفعال العباد والرد على الجهمية للإمام البخاري، أو كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم الأصفهاني، أو رسالة السجزي لأهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت، أو الحوادث والبدع للطرطوشي، أو كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على النصارى والفلاسفة والمنطقيين والروافض والقدرية والمعتزلة والجهمية وغيرهم .. وردود ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وبقية ردوده في كتبه المختلفة، وما كتب ابن رجب والشاطبي في الاعتصام، وغيرها من التراث العظيم الذي ورثناه من سلفنا الصالحين.. في الردود العلمية على المخالفين.  فإنك لو نظرت في هذه الكتب وغيرها لوجدت أنهم لم يؤلفوا هذه الكتب في سبيل نصرة أنفسهم.. ولأجل الدفاع عن أشخاصهم.. «لا أصالة ولا تبعاً»، وإنما رأوا أنه يلزمهم بيان الحق في أخطاء وجدت، ولما رأوه من تلبيس الحق بالباطل، فاضطروا إلى التصنيف والتأليف تبياناً للحق ورداً للباطل والخطأ. وهذا المعلم من المعالم «الدقيقة» في منهاج الحق في الرد على المخالفين.. فإنه إن ندب الرّادُ نفسه لتتبع ما يقال في «شخصه» والتعقيب عليه بنصرة النفس، لانشغل بذلك عمّا هو آكد وأولى.. بل لانتهى العمر في ذلك فقط.. فمن ذا الذي يسلم مما يقال فيه، خاصة أهل العلم والدعاة إلى الله، ومن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن ما يقوله الخصوم من التّهم والسب والشتم والانتقاص والافتراء والازدراء والبغي لمن ينصر الحق ويصدع به.. لهو أمر واقع ولا يكاد ينجو منه من يقول كلمة الحق وينصره على اختلاف البلدان والأزمان... وقد يحتاج الشخص للدفاع عمّا افترى عليه به في حال أن يترتب على ما قيل عنه تلبيس الحق بالباطل أو تحريف حقائق شرعية أو تزييف مسائل علمية ثابتة.. فيضطر أهل العلم لتناول ذلك لأنه من باب ما لا يتم بيان الحق إلا ببيانه وتوضيحه.. أما ما يتعلق بذات الشخص فليس من منهج أهل العلم الانصراف إليه والتأليف بصدده وجعله مقصداً مهماً في كتبهم ..
 وقد رأيت تطبيق هذا المنهاج لدى علمائنا المعاصرين من بقية السلف رحم الله من مات منهم وحفظ من بقي.. فإنه يبلغهم أنه قيل وقيل فيهم من الإساءات في أشخاصهم، ولكن لا نراهم يؤلفون الكتب لأجل الدفاع عن أنفسهم وأشخاصهم، ولم نرهم يقومون بمتابعة من يسيئون إليهم ويتكلمون فيهم بباطلهم.. وقد سألت وأنا بالجامعة أحد مشايخنا من العلماء البارزين عن ردٍّ نشر عنه.. فقال أنا لا أدافع عن شخصي فمن ردّ علي لم يذكر مسائل علمية أو شرعية وإنما هي إساءات شخصية، ولو جعلنا نتتبع أمثاله في قوله هذا لانتهى بنا العمر ونحن في ذلك!! وقد حاولت أن أجد من النصوص الشرعية ما يمكن أن تكون فيه إشارة إلى ما استند إليه علماء السلف في هذا المعلم، فوجدت أن الحديث التالي يمكن أن تكون فيه إشارة إلى ما استندوا إليه في هذه القضية:
إن بعد نهاية غزوة أحد وحصول ما حصل من نزول بعض الرماة من المسلمين سبعون صحابياً.. أَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: لاَ تُجِيبُوهُ فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لاَ تُجِيبُوهُ، فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ إِنَّ هَؤُلاَءِ قُتِلُوا فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لأَجَابُوا فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ أُعْلُ هُبَلْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجِيبُوهُ قَالُوا مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَنَا الْعُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجِيبُوهُ، قَالُوا مَا نَقُولُ، قَالَ قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا ، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ .. رواه البخاري. نتأمل في «نهي» النبي عليه الصلاة والسلام عن إجابة أبي سفيان والرد عليه في سؤالاته الأولى، ثم نتأمل «أمره» عليه الصلاة والسلام في إجابتهم لما قال «اعل هبل» وقوله «لنا العزى ولا عزى لكم».. وقوله الذي قاله في النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبيه من المنكر العظيم.. ولكنّ النبي عليه الصلاة والسلام طلب من صحابته عدم إجابته والرد عليه فيه، وفي المقابل طلب منهم إجابته لما قال: «اعل هبل» ولما قال: «لنا العزى ولا عزى لكم». والدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام من أعظم الشرف ومن أفضل الأعمال ويفدى بالنفس والمال والأهل عليه الصلاة والسلام.
وفي هذا المعنى ورد هذا الحديث العظيم: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ.. رواه البخاري.
لم يكن في كتب السلف في دعوتهم إلى الله وردودهم على المخالفين «التركيز» في نشر قضايا «قال عني» و«أساء إلى شخصي».. و«اتهمني» و «موقفه من شخصي ..» وما شابه ذلك.. مع أن دفاع المسلم عن نفسه أمر جائز في الشرع، لكن أهل العلم لما ندبوا أنفسهم للدفاع عن الشريعة لم يكن في أولوياتهم متابعة ما يقال في «سبهم» و «شتمهم» في أشخاصهم .. إذ ذاك أمر يعسر التحرز منه .. لمن شغل نفسه بالدفاع عن الدين والشريعة ونشر الحق وألزم نفسه بيان الخطأ وتصحيحه وكشف الباطل ودحضه.. وهم لم يقوموا بذلك لنصرة أنفسهم أو تلميعها أو صرف الوجوه إليها.
وقد تقدّم في حلقة معلم «الإخلاص» أنهم يفرحون بأن يظهر الحق على أيدي المخالفين .. لأن غايتهم بيان الحق وتوضيحه.
فلمّا تسمع مادة من مواد الردود نصفها أو ما يقرب منه هي في شؤون خاصة.. على شاكلة : «ذكرنا في قوله » و«بهتنا في كلامه ..» و «في ردي عليه وفي رده علي» و«قال عني وأشاع عني» و «وصفنا ووصفني» و «شبابنا وشبابهم» و «محاضرتي ومحاضرتهم» .... الخ . لما تسمع مادة «رُكّز» فيها على دفاع عن الذات .. وصار ذلك محوراً «أساسياً» في الرد .. فلك أن تقارنها بما كان عليه السلف وما تحكيه كتبهم ومؤلفاتهم التي بين أيدينا في الردود العلمية.. ومعالم منهجهم فيها. ومن مساوئ هذه المنهجية في «التركيز» على القضايا الشخصية، أنك تجد مناقشات في الساحة الدعوية وفي المواقع الإلكترونية وخصومات وقيل وقال ليست في قضايا علمية ومآخذ شرعية، وإنما في مواقف بين أشخاص «بعضها» قد تكون لا صلة له بالمسائل العلمية وإنما هي من القيل والقال .. فيحصل بذلك من الفوضى وفساد ذات البين وضياع الأوقات والأعمار.. وهذا النوع مما يختلف فيه مما يصعب إصلاحه لأنه .. قيل .. وقال .. وأشاع .. وأشعتُ.
رحم الله سلفنا الصالحين.. وجعلنا على سبيلهم ومنهاجهم من المقتدين ..
فليس كل ما يقال يرد عليه!! كما أنه ليس كل قائل يناقش قوله!!
ونأسف أن نجد بالساحة مظاهر لنصرة النفس بلغت ببعضهم للفجور في الخصومة والخروج بالمناقشة والرد إلى الاجتهاد للإسقاط، فالشيخ المقتدى به بالأمس والمدافع عنه بشدة رغم انتقاد آخرين «كثر» له هو «دجّال» «أفّاك» عند بعضهم اليوم !! وليس بالمختلف مواقف ذات الشخص فإن من كان لا يرضى بالأمس نقدهم رغم أخطائهم الواضحة هم عنده اليوم من أسوأ الناس في أرض الله، بل يتعجّل في إصدار حكم خطير على أحدهم!! والنماذج كثيرة في هذا الجانب تحكي «تخبّطاً» هو بحاجة إلى معالجة.
لا تهمنا الأشخاص، وإنما علاج الظاهرة هو الأهم ، وإن من علاج هذا «التفلّت» و «الفوضى» الذي يشاهد في الساحة الدعوية أن يفرَّق بين نصرة «الدين» والانتصار للنفس وبيان معالم كلٍّ.
وأواصل بمشيئة الله تعالى.

العلاج لـ (تخبّط) و(تفلُّت) بعض الدعاة (1) د. عارف عوض الركابي

مما يعالج به (التخبّط) و(التفلت) الذي تشهده بعض جهات الساحة الدعوية والمتمثّل في تصرّفات وأساليب بعض المنتسبين إلى الدعوة إلى الله أن ينشر هدي النبي عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله تعالى، هذا هو الأساس، يبيّن بتفصيل هدي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في الدعوة: أهدافاً ومقاصد وأصولاً وطرقاً وأساليب وغير ذلك، ثم يبيّن الخلل القائم والأخطاء التي تنتشر لدى بعض الدعاة، من هذا المنطلق سأضع بين يدي قراء عمود (الحق الواضح) هذه السلسلة راجياً أن تكون إسهاماً مفيداً في هذا الباب المهم.
وأضع تمهيداً لهذه السلسلة في سياق هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مراعاة (الحكمة) في الدعوة إلى الله تعالى.
  إن الحكمة في الدعوة إلى الله من أهم الصفات التي يجب على الداعية أن يتحلى بها، فإن الناس يتفاوتون وإن المواقف لتتباين، والداعية يتعامل مع أشخاص كثيرين .. فوجب عليه حتى يحقق مقاصد وأهداف الدعوة إلى الله تعالى أن يكون حكيماً، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام حكيماً وهو  ـ عليه الصلاة والسلام ـ إمام الحكماء، والحكمة لابد منها في الدعوة إلى الله وفي سائر أمر الإنسان، قال الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
وتعرف الحكمة بأنها وضع الشيء في موضعه، فهي فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي بالطريقة التي تنبغي. وقد كان عليه الصلاة والسلام أحكم الناس وحكمته عرفت عنه قبل البعثة، ومن شواهد ذلك قصة بناء الكعبة في الجاهلية واختلافهم في وضع الحجر الأسود فقد حكموه ورضوا بحكمه فحكم في الأمر بالحكمة وعالجه علاج الحكماء فأمر بوضعه في ثوب ثم ليمسك كل من يمثل قبيلة من طرف فحملوه جميعاً حتى وضعه عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة في موضعه. فكم من شخص حقق خيراً كثيراً بحكمته، وكم من إنسان أضاع خيراً كثيراً بسبب فقد الحكمة، وكم من الناس من أضروا بأنفسهم وأهلهم ومجتمعاتهم بسبب فقد الحكمة (يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)
ومن الأمثلة على حكمته: أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه).
هذا هو البناء الصحيح الذي بني عليه إبراهيم عليه السلام الكعبة وهو أمر أحب إليه عليه الصلاة والسلام وأراد أن يفعله ولكنه لم يفعله مراعاة لأن أهل قريش والمسلمين حديثاً سيقولون: إن محمداً أراد أن يتشرف بذلك بسبب قرب عهدهم بالإسلام.
ومن الحكمة أيضاً أنه كان يتعامل مع المدعويين على حسب أحوالهم. فقد هجر الثلاثة الذين خلفوا «كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن امية» وهم من الصحابة الكرام رضي الله عنهم وفوائد ذلك كثيرة جاءت في الحديث. وفي المقابل فإنه ترك المنافقين وقَبل أعذارهم الظاهرة أما الثلاثة المؤمنين فوبخهم وعاتبهم وهجرهم بل أمرهم أن يفارقوا زوجاتهم ومنع الناس من أن يكلموهم حتى نزلت توبة الله أرحم الراحمين عليهم.
وأثر هذا الفعل من النبي صلى عليه وسلم والصحابة على الثلاثة تحققت به مصالح كثيرة، فكان مقتضى الحكمة، ودروسه كثيرة.
ولما وجد عليه الصلاة والسلام رجلاً يلبس خاتماً من ذهب أخذه ورماه في الأرض وداسه بقدمه صلى الله عليه وسلم وقال: (أيعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده ..) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.. وقد رأى أن هذا الشخص يناسبه هذا الأسلوب ويتحمله وهو علاج له. ولذلك قيل لهذا الرجل خذه وانتفع به أي الخاتم فقال: (والله ما آخذ شيئاً وضعه النبي صلى الله عليه وسلم تحت قدمه).
وفي المقابل نرى في قصة الرجل الذي بال في المسجد وأراد الصحابة أن يضربوه فأمرهم بأن يدعوه ويريقوا على بوله ماءً، ثم وضح وبين له الحكم الشرعي بأن هذا مكان صلاة وتسبيح فتعجَّب الصحابة.
إن هذا الرجل كان سيتضرر إذا قطع بوله وربما يتحول إلى مكان آخر فتتحول النجاسة إلى مكان آخر، وهو ليس له معرفة بالحكم في ذلك. وقد عدّد بعض أهل العلم مظاهر حكمة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث فذكروا عدة مظاهر، وكان لأثر ذلك أنه قال: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً).
وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم نماذجها كثيرة جداً جمعت في مؤلفات والناس عموماً والدعاة إلى الله خصوصاً بحاجة إلى أن يقفوا عليها، ويستنيروا بها في طريقهم في الدعوة إلى الله تعالى.
ومن حكمة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يراعي مشاعر وأحوال المدعوين وهذا جانب مهم للداعية: مراعاة نفسياتهم وذلك يترتب على التعرف على المدعوين، فكان عليه الصلاة والسلام يعلم أحوال من يدعوهم وبناء على ذلك يراعي نفسياتهم ومن مظاهر ذلك أنه يوم فتح مكة قال: (من دخل البيت الحرام فهو آمن ومن دخل دار العباس فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ولم يكن أبو سفيان في تلك اللحظة قد دخل في الإسلام. لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن؟ فإن العباس رضي الله عنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام إن أبا سفيان يحب الفخر فاختار النبي هذه الكلمة وكان أثر هذه الكلمة بتوفيق الله تعالى أن أبا سفيان أسلم رضي الله عنه وأرضاه.. فالغاية العظمى والمبدأ الأساسي للدعوة إلى الله هو الهداية وأن يسلك المدعو الطريق المستقيم، هذا المقصد هو أعظم مقاصد وغايات الدعوة إلى الله، ولي بإذن الله تعالى مقال خاص بهذا الجانب ينشر قريباً إن شاء الله تعالى. فطالما هذا هو المقصد الأكبر في الدعوة كان على الداعية أن يبحث عن هداة من يدعوهم إلى الله ويستغل الوسائل والأساليب الشرعية التي يتحقق بها ذلك بتوفيق الله تعالى.
ومن مظاهر ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى بعد حنين رجلاً غنماً بين جبلين ولم يكن مسلماً؟ لعلمه عليه الصلاة والسلام أن هذا التصرف يجدي معه بتوفيق الله تعالى وبالفعل فإن الرجل قد ذهب إلى قومه وقال: (يا قوم اسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر)، فكان هذا الأثر المبارك من ثمار الحكمة النبوية التي يجب على الدعاة إلى الله أن يتعلموها ويجمعوا نماذجها وأمثلتها حتى تكون دعوتهم نافعة يبارك الله تعالى فيها.
وفي مقابل المثال السابق فإنه عليه الصلاة والسلام لما خلص من حنين وقسم الغنائم لم يعط الأنصار منها ووزعها على أقوام دخلوا الإسلام حديثاً فوجد الأنصار في أنفسهم ما وجدوا وقال بعضهم: خص قومه بذلك، فصارحهم عليه الصلاة والسلام وقال: (لو لا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها... ثم قال لهم أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم؟! ...) الحديث، وهو حديث طويل فيه فوائد عظيمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكل الأنصار إلى إيمانهم الذي عرفه عنهم وبين لهم أنه تألف أولئك بشيء من حطام الدنيا. فهو يعلم أن الأنصار ذوو إيمان وذوو نصرة، فكان فعله عليه الصلاة والسلام من مقتضى الحكمة التي بنيت على معرفة بمن أعطاهم وبمن لم يعطهم، فينبغي معرفة حال المدعو ومن يقدم له النصح والإرشاد.
ولو تأملنا هذه الصراحة نفسها في مخاطبة النبي للأنصار وقولهم له لوجدنا أنها من الحكمة، فإن كثيرين يضمرون في أنفسهم أموراً عظيمة وتترتب عليها آثار خطيرة، وكان يمكنهم علاج الأمور بالصراحة والوضوح مع إخوانهم أو الآخرين، ولكنهم يؤثرون عدم الصراحة وكما يقال في عاميتنا (يدمدمون الأمور) حتى إذا جاء وقت علاجها استعصى الأمر على حكماء الزمان، ولا يخفى أن طبيعة المجتمع الذي تكثر فيه المجاملات، ويبني كثير من أفراده مواقفهم على العاطفة كحال مجتمعنا، فإنه تكثر فيه مظاهر ترك الوضوح والصراحة فيكثر الأثر السيئ من ترك ذلك.
ومن هذه النماذج وغيرها يتضح أن الحكمة تكون في الإعطاء وتكون مع آخرين بالمنع، كما أن الحكمة تكون في اللين والرفق وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على غيره كما جاء في الحديث، وقد تكون في غير الرفق من الشدة والغلظة عند من يكون ذلك هو الأجدى والأنفع معه من المدعوين لأجل هدايته، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.. والموفق من وفقه الله.
وأواصل بإذن الله تعالى..