جهات ــ بإهمال دورها ــ أسهمت في ترويج المخدرات..د. عارف عوض الركابي

حديث الصحف والمجالس العامة في هذه الأيام يتناول فيه خبر القبض على كمية كبيرة جداً من المخدرات تقدر بــ «120» مليون دولار.. والصور لما تم القبض عليه في تلك الحاويات بميناء بورتسودان تدار عبر الوسائط للملايين، وبعد شكر الله تعالى فإنا نشكر قوات الشرطة التي تمكنت بفضل الله تعالى من القبض على هذا السلاح الفتّاك المدمِّر الذي له من القوة في تدمير المجتمع وضياع مركز قوته وهم الشباب، وغير خافٍ تخطيط جهات عديدة لضرب مجتمعنا في دينه وأخلاقه وسلوكه، فالمخدرات تعني الفشل وتعني الضياع وتعني ترك الدراسة والعمل وتعني السرقة والنهب والسلب وتعني الزنا وزنا المحارم والاغتصاب والاختطاف والقتل، فهذه وغيرها جرائم ارتبطت بالمخدرات، ومع ذلك بذلت جهود مالية وبدنية كبيرة جداً في التصدي والمعالجة والعقوبة لجرائم مدمني المخدرات.
ومنذ فترة قد دقّ جرس الإنذار في مجتمعنا وخرجت التقارير الرسمية التي تفيد بانتشار المخدرات في الجامعات ودور التعليم، بل كان لبعض الفتيات والطالبات نصيبٌ من ذلك.. تدارُ عملية ترويج المخدرات عبر شبكات تعلم واجبها وهدفها وتتقن وسائلها وتجتهد لتنفيذ جرائمها، ويساعدهم في ذلك تفريط بعض الأُسر وعدم قيامها بالدور الواجب عليها في تربية أبنائها وفتياتها، والواقع يشهد ببُعد كثير من الآباء عن متابعة أبنائهم، وغفلتهم عن إدراكهم للدور المنوط بهم.. وهذا يجتمع مع تفريط يلبس بثوب العفوية والثقة الزائدة وحسن الظن الذي يجب أن يكون معه يقظة وتنبه، ومما يساعد في ترويج المخدرات وزيادة أعداد المصطادين في شباكها ضعف عناية كثير من دور التربية والتعليم في مدارس التعليم العام في مرحلتي الأساس والثانوي ضعف عنايتهم بالتحذير من المخدرات وكشف السبل الموصلة إليها وتوضيح أضرارها، وقد يتحدث كثير من المدرسين والمدرسات في قضايا عديدة إلا أن هذا الجانب يغفلون عنه وقد يكون بعضهم ليس له من التصور والمعرفة بأبعاده وسعة انتشاره في مجتمعنا ما يجعله محل عناية عنده..
ونحن في زمان تأثير وسائل الإعلام وخاصة القنوات الفضائية التي لا يغفل دورها في زماننا هذا في سرعة نشر المعلومات وتشكيل القناعات، ومع ذلك فالعناية ضعيفة فيما يتعلق بالتوعية في هذا الجانب والجهود المبذولة فيه لا تتناسب وحجم الكارثة والمصيبة التي تجتاح مجتمعنا، فالبنقو أصبحت رائحته تُشم في كثير من الأحياء، وشباب في الخامسة عشرة من عمرهم وقعوا في إدمانه، وطلاب بالعشرات يرتادون مستشفيات معالجة الإدمان، وعند النظر إليهم يستغرب من صغر سنهم وغفلتهم ويتأسى على أسرهم التي تعبت فيهم من جهة وفرّطت بجهة أخرى، ومع ذلك فبعض وسائل الإعلام همها الإثارة وجذب المشاهدين وأحياناً يستضاف فيها الدّجّالون والمشعوذون والمفترون على الكذب، ومادة كثير من هذه القنوات الرئيسة هي الغناء والطرب وجمع المغنين والمغنيات وتشجيعهم على الفن الذي يدعو فيه للصلات المحرّمة وهو كما وصفه أئمة الإسلام: بريد الزنا.. والداعي للشهوات بأنواعها، والصاد عن كتاب الله تعالى ، وكتاب الله من أعظم ما يعصم الله به عبده وأمته من المحرمات ومنها المخدرات.
لم يكن لهذه الكميات الكبيرة أن تستورد لبلادنا إلا وللمخدرات سوقٌ رائجة، وانتشار كبير، ومن هنا يجب أن تكون اليقظة تامة، ويجب أن يكون الانتباه بحجم الخطر، وبقدر تسليط الأعداء لأسلحتهم الفتاكة على مجتمعنا..
مؤسف أن أخبارنا في الأيام الماضية ما بين جرائم نهب أموال عامة وخاصة ، وحروب واقتتال هنا وهناك، واكتشاف أوكار للدعارة، وقد حزن الكثيرون لاطلاعهم على التقرير المنشور بهذه الصحيفة عن مداهمة السلطات الأمنية لغابة السنط وقبضها على مجرمين كثر وهم متلبسون بجرائم أخلاقية والشمس في كبد السماء!!
إن تضييع الأمانة؛ أمانة الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وهذه هي الضرورات الخمس لهو أمر خطير ، ومؤسف أن تضييع كل هذه الأنواع من الجرائم أصبحنا نطلع عليه في الصحف بين وقت وآخر، وقد ينشغل محللون ويكتب كتّاب ويستضاف في برامج متحدثون، وتكلّف جهات بإعداد تحليل وتقريرات.. وهؤلاء وغيرهم يجب عليهم أن يدركوا أن حل كل هذه الإشكالات في إصلاح المعتقد بغرس العقيدة الصحيحة وتنحية العقائد الباطلة وتقوية الإيمان وتربية الناس كباراً وصغاراً عليه.
لقد اهتم  النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالدعوة إلى أساس هذا الدين والتربية على ركنه الأعظم: التوحيد والإيمان بالله.. فدعا إلى التمسك بالمعتقد السليم والاستقامة عليه وحذر من الشرك بكل صوره وأنواعه كبيره وصغيره، وهذا ما اتفق عليه كل الأنبياء.. فحذر عليه الصلاة والسلام هذه الأمة من الوقوع في الإشراك بالله تعالى ونهى عن اتخاذ آلهة أو أنداد مع الله سبحانه وتعالى،
فقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بالعقيدة والتوحيد وتصحيح المعتقد لأن الإنسان لا يفلح إلا إذا كان إيمانه صحيحاً ومعتقده سليماً وهذا ما كان يُكثِر من توضيحه وبيانه حتى أنه في فراش الموت يحذر من الضلال والانحراف فيه. ويقوي الإيمان لأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب، ولن يستقيم الناس على الجادة والصواب إلا إذا كانت قلوبهم سليمة وإيمانهم قويماً.
وإن الفساد في العقيدة هو أصل كل فساد!! فأساس الصلاح والإصلاح صحة المعتقد وتحقيق الخوف من الله وتعظيمه والإيمان بأسمائه وصفاته وربوبيته ومُلكِه لهذا الكون، والخوف من أليم عقابه والرجاء لحسن جزائه، وبمراقبته سبحانه، والخوف من المصير في الآخرة. فإن صدقنا في أنا ننشد العلاج الناجع فلنجتهد في تربية أنفسنا ومن حولنا على مراقبة الله تعالى والخوف منه واليقين بأنه يطلع علينا ولا تخفى عليه منا خافية «قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله» «واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه» «وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون» «أحصاه الله ونسوه» «يعلم السر وأخفى» فسبحان من وسع سمعه الأصوات ولا تخفى عليه من خلقه الخفيات..