المؤتمر الوطني بين الإمرة التنظيمية ومقاصد الشورى «1ـ 2» عبد الجليل ريفا

تناولت في الأيام الأخيرة الكثير من المنابر السياسية وأقوال الصحف خبراً مفاده أن قيادة المؤتمر الوطني لا تتقيد بترشحيات مجالس شورى الولايات بعد انعقاد مؤتمراتها واختيارها لمنصب الوالي القادم، حيث جاءت ترتيباتهم متفاوتة وبفارق كبير حيث لا تنافس بين الأول والثاني ناهيك عن الثالث والخامس. فهذا الخبر أصبح رأياً عاماً وبذلك أصبحت مجالس شورى الولايات أجساماً صورية، فالنتيجة المعلنة التي جاءت في كشوفات مجالس الشورى الولائية في نظر قيادة المؤتمر الوطني غير مبرئة للذمة. فنحن نسأل! هل الأمر أمر دين أم هنالك ممارسات تخالف قواعد الشورى ما جعلها تفقد مصداقيتها مما دفع بقيادة المؤتمر الوطني أن تقدح في مصداقيتها بمخالفتها ترتيب مجالس شورى الولايات. وهل من حق المؤتمر الوطني أن يتجاوز ما أجمعت عليه مجالس شورى الولايات التي تنادت من كل فج عميق لتختار القوى الأمين وأنفقت الوقت والمال لتخرج بتوصياتها تلك. علمنا ومن واقع حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن الشورى تراعى فيها مقاصد الشرع ومصلحة الأمة، ولا وجود للقبلية والعصبية والجهوية. فالمنافسة في اختيار القوي الأمين قالتها مجالس الشورى القاعدية وهي مجالس الولايات، وهي أعلم بقياداتها واحفظ لسيرهم الذاتية. فلنراجع نظام الحكم في الإسلام والشورى هي قاعدة الحكم الإسلامي والتي أوردت أن الأمر المستشار فيه في أغلب الأحيان لا يخرج من أمرين وكليهما يخدم مصلحة الأمة، وهذا التفاوت في الطرح يقدم الأول على الآخر  أو الثاني على الأول، أما إن كانت القيادة العليا ترى أن هنالك ممارسات في مجالس الشورى الولائية غيبت مقاصد الشورى أو أنها نادت للوقوف خلف ذلك الرجل الذي استخدم نفوذه وماله لينال تلك الأصوات، وبذلك خرجت مجالس الشورى الولائية من مهامها التي أوكلت إليها وخرجت عن أمر الدين فعلى القيادة رفض النتيجة كلها فللنظر في عجالة لما جاء في الشورى كنظام للحكم في الإسلام.
إن الإسلام أوضح وحدد حدود السيادة وقواعدها وأوضح معناها وحدد معنى الدولة ومؤسساتها من الحكومة وهيئاتها الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية في دستور كامل شامل ودائم، ليس من وضع البشر «الشعب» ولا وضعه أحد من البشر، لذلك تقدس وتفرد عن الميل أو الظلم أو القصور أو التغيير من قبل البشر. فقد جاء النص قاطعاً في أنه منزل وأنه محفوظ. فقال تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» الحجر «9»
نظام الحكم في الإسلام:
الركائز:
يزاوج بين الهيئات الثلاث كما أشرنا والشورى هي قاعدة الحكم في الدين الإسلامي دين الأنبياء والرسل كلهم فرضها الله في نظام الدين كما فرض غيرها من قواعد الحكم وأسس العبادات وواجبات الدين كلها، ولقد أمر الله نبيه المصطفى المختار بالشورى فقال الله «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفو عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذاعزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين» آل عمران «159»
يقول العلامة القرطبي أمر الله بهذه الأوامر التي هي بتدرج بليغ وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعه أيضاً فإذا صاروا في  هذه الدرجة أمره الحق عز وجل أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة أيضاً فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلاً للاستغفار في الأمور. وقال ابن عطية: الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه وقد مدح الله المؤمنين بقوله: «وأمرهم شورى بينهم». وقال خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما «شكل عليهم من أمور الدين وأمور الجيش فيما يتعلق بالحرب ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ووجوه الكتاب والزراعة والسياسة والعمل فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها وكان يقال: «ما ندم من استشار، ومن أعجب برأيه ضل».
وقال الإمام القرطبي: في قوله تعالى:«وشاورهم في الأمر» يدل على جواز الاجتهاد في الأمور.. مع إمكان الوحي أن ينزل أمراً قاطعاً فإن الله إذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك.. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام أن يشاور فيه أصحابه. فقالت طائفة: «ذلك في مكائد الحروب وعند لقاء العدو وتطييباً لنفوسهم ورفعاً لأقدارهم وتألفاً على دينهم وإن كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم برحمته وهذاعن قتادة والربيع وابن إسحق والإمام الشافعي.
جاء في مصنف ابو داؤد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المستشار مؤتمن. قال: والشورى بركة وقال عليه السلام: ما ندم من استشار ولا خاب من استخار.. وروى سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شقي قط عبد بمشورة ولا سعد باستغناء رأي.. ولقد جعل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة وهي أعظم النوازل، شورى.. وقال الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله تعالى.
ـ الشورى مبنية على اختلاف الآراء والمستشير ينظر في ذلك الخلاف وينظر أقربها قولاً إلى كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم .. فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه.. وهذا ما جاء في قوله تعالى: «وإذا عزمت فتوكل على الله»، فإنه يمضي متوكلاً على الله.
ـ حكم الشورى: إن الشورى بوصفها قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وعلامة هامة من لوازم الحكم الإسلامي ومن أبرز وظائف الحكم في الدولة الإسلامية: يجب عليه أن يقوم بها ويحافظ عليها كبقية فروض الدين التي أوجب الله رعايتها على من يتولى أمر الأمة كالعدل والمساواة وتأمين الدين والنفوس والعقول والأنساب والأموال والبيئة الإسلامية.
 ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في جميع الأمور في السلم والحرب وفي الأمور الإدارية والسياسية. فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما رأيت أحداً قط أكثر مشورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد والبيهقي في السنن والترمذي.
روى الإمام البخاري في الأدب المفرد: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي الهيثم ابن التيهان: هل لك خادم قال لا قال: فاذا أتانا شيء فأتانا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم برأسين معهما ثالث فأتاه أبو الهيثم. قال النبي صلى الله عليه وسلم المستشار مؤتمن خذ هذا فإن رأيته يصلي استوصي به خيراً، فقالت امرأته ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تعتقه، قال فهو عتيق. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالاً ومن يوق بطانة السوء فقد وقي.
ويرى بعض الصحابة أن نص الآية في آل عمران وشاورهم في الأمر يتناول فقط بصفة خاصة سيدنا أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب، فأخرج البيقهي بإسناده إلى سفيان ابن عيينه عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: «وشاورهم في الأمر»، قال: أبوبكر وعمر رضي الله عنهما، قلت ولعله يريد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختارهما مستشارين له في أمور الدولة ولكن ذلك لا ينفي أن يكون الأمر يتناول معهما باقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كملت فيهم شروط هذه الوظيفة.. وفي قصة صلح الحديبية قال النبي صلى الله عليه وسلم شيروا عليّاً.. وقال أبو هريرة ما رأيت أحداً كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه أبوبكر رضي الله عنه، ثم استشارهم فأشار عليه عمر رضي الله عنه، ثم استشارهم فقالت الأنصار يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: «إذاً لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون» والذي بعثك بالحق لو ضربت أكباد الإبل إلى برك القناد لاتبعناك» رواه البيقهي.
وفي حديث لابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: لما كانوا يوم بدر قال ما ترون في هؤلاء الأسرى فقال أبوبكر رضي الله عنه يا نبي الله بنو العم والعشيرة والإخوة غير أن نأخذ منهم الفداء ليكون لنا قوة على المشركين وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام ويكونوا لنا عضداً.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فماذا ترى يا ابن الخطاب.. قال يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبوبكر ولكن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدهم فقربهم فاضرب أعناقهم، فقال فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبوبكر رضي الله عنه ولم يهو ما قاله عمر بن الخطاب.. وأخذ منهم الفداء.. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا هو وأبو بكر رضي الله عنه قاعدان.
نتابع ان شاء الله