رفض الحوار.. خيانة..د. محيي الدين تيتاوي

التباطؤ الظاهر في تلبية نداء الوطن من بعض القوى السياسية والحركات المسلحة وما تسمى قوى الإجماع الوطني «تجاوزاً»، من شأنه أن يعطل العملية الديمقراطية التي ظلت هذه القوى والمساندون لها يرددونها علينا حتى صمت آذاننا.. ومن شأنه أن يبطل مفعول المبادرة التي جاءت بإرادة حرة وصادقة ومخلصة، ويبقى ذلك حقيقة يسجلها التأريخ كنقطة سالبة زائد النقاط السالبة الكثيرة التي بدرت عن تلك القوى.. وقبول الحوار اليوم وإبداء التحفظات غداً ورفضه بعد غد.. ثم العودة للقبول مرة اخرى.. كل هذا عبارة عن أساليب معروفة تمارسها القوى الصهيونية في حوارها مع العرب منذ ما يزيد عن ستين عاماً.. وصار هذا الأسلوب مفهوماً وواضحاً وفاضحاً، وصار ديدن هذه القوى. وهذه المماطلة لم تغير أصحاب المبادرة لأن «الآخر» في أيديهم إذا قبلوا الجلوس للحوار كما ظلوا يرددون امام القوى الدولية.. كان الله يحب المحسنين، واذا تماطلوا وظلوا وفي انفسهم شيء من حتى ولسان حالهم يردد المقولة القديمة التي مر عليها ربع قرن بأنهم يريدون اقتلاع النظام من جذوره وبالقوة.. فإن غيرهم كان أشطر، واذا حان موعد الانتخابات العامة ولم تفعل هذه القوى ما يحقق التغيير والاتفاق فإن الانتخابات ستجرى في موعدها، وأن فرصة غالية ضاعت على الجميع لتحقيق الوفاق الوطني وكتابة الدستور وتحقيق الاستقرار لبلادنا ولجماهيرنا العزيزة الصابرة المجاهدة.
وهذه لحظات تأريخية تتكامل فيها إرادتنا السياسية وتكون مثالاً وأنموذجاً لدولة نامية شقت طريقها نحو الاستقرار والسلام والتنمية.. فرصة لن تتكرر قريباً لأن ذات القوى التي تتلكأ الآن هي ذات القوى التي نعلمها وندرك حقيقة أفكارها وأسلوبها في الحكم وقهر الشعوب وإراقة الدماء.. معروفون تأريخياً وحاضراً بهذه الصفات.. وطالما أن الفرصة قد جاءت من الحزب الحاكم ونادراً ما تحدث مثل هذه المبادرات من الحكومات والاحزاب العربية الحاكمة، فما على تلك القوى التي نعرفها جميعاً الا الهرولة نحو الحوار والتقاط المبادرة وتفعيلها والدخول في غمارها بدلاً من هذه المماحكة.
وإذا كانت القوى الصليبية والصهيونية التي تحيك المؤامرات وتصنع الأزمات لبلادنا قصداً وعمداً مع سبق الإصرار.. رغم علمنا الاكيد ان اعلانها مباركة الحوار لا يعبر عن حقيقة ما تكنه لنا .. ومباركة الجامعة العربية والاتحاد الافريقي لمبدأ الحوار وبمبادرة من الحزب الحاكم تكفي لدفع القوى المترددة والمتشككة والرافضة والمعتزلة إلى ان تعود الى مراجعة حساباتها وتجلس لمائدة الحوار والتعبير عما تريد بحرية وصراحة وشجاعة.. وبمجرد الجلوس للحوار فإن أموراً كثيرة سوف تتحقق بإذن الله تعالى، وكما ذكر من بعض الحكماء فإن رفض الحوار الوطني ومعارضته وعدم المشاركة فيه خيانة للوطن والشعب.. واذا اصاب البعض الغرور واصر على حمل السلاح ومواجهة القوات المسلحة، فإن عليه ان يراجع نفسه ويتراجع.. فالقوات المسلحة السودانية لا تنهزم ابداً لأن شعارها «جند الله» وانها منذ بعانخي والكنداكات ومعاهدة «البقط» وحتى معركة كرري لم تذق طعم الهزيمة والانكسار، وجاء في مذكرات تشرشل الذي شهد بسالة وشجاعة وثبات المقاتل الجندي السوداني في جميع المعارك قوله: «نحن لم نهزم الجيش السوداني وإنما قتلناهم».