قراءة في العقل النقدي لحكومة غرب كردفان.. آفاق التنمية وصراع المصالح..محمد قور حامد

ربما أجد صعوبة ًباكرة في كتابة هذا المقال.. ولكن ليس لإشكال يتعلق بالكتابة نفسها، غير أن الموضوع محل التحليل هو الذي قد يجرنا إلى جدل وإثبات مفاهيم ونفي أخرى. إذا كنت لا أريد التعميم بإمكاني القول: لكي أكتب مقالاً تحليلاً للعقل النقدي لحكومة غرب كردفان يتطلب مني ذلك عدة افتراضات. هل فعلا ًهناك عقل نقدي لحكومة غرب كردفان؟ إذا قلنا نعم، لأن هناك حكومة قائمة بالتالي لا بد من وجود عقل نقدي سياسي.. ولكن الاعتراض يأتي في هل تتمتع هذه الحكومة بعقل نقدي يجعلنا نضعه محل التحليل؟ حينما استخدم جملة عقل نقدي أقصد بذلك أنه لا بد من أن هناك ثمة تفكيراً من جهة طبيعية أو اعتبارية تضع للمستقبل استشرافا ًيخدم خط التنمية وتنظر إلى الحاضر بعين ليس بها حول آيديولوجي. ولكن بعد تمعن ودراسة عرضتها على خبراء في علم السياسة والتخطيط التنموي.. وجدت أن ما تقوم به حكومة ولاية غرب كردفان ما هو إلا اجتهاد سياسي لممارسة سياسة رزق اليوم باليوم. وحتى لا ألقي الكلام على عواهنه.. لا بد من الإشارة إلى مجمل قضايا نتناول الآن واحدة ً منها على أن نواصل بقية التعقيدات داخل أضابير هذه الحكومة.. لابد لنا أن نتذكر جيدا ًأن حكومة ولاية غرب كردفان أكرمها الله، أنها تعكف الآن على عملية تقسيم الـ«2%»  من حصة الولاية من النفط المخصصة وفق الاتفاقية.. وهذه الحصة حسب فنيين داخل حقول البترول والتي تساوي «146» ملياراً سنويا ً، بكل تأكيد لن يتركها الأهالي لتذهب لشراء بِدل وسيارات وتطاول في المباني. لأن الوالي نفسه في أول لقاء لي به ذكر أنه يريد تنمية إنسان المنطقة لذلك سيعطي للأعراف والتقاليد والقيم المستهدف الأول لعودة المجتمع لأخلاقه سيما وان غرب كردفان هي مجتمع متنوع ثقافي متعدد إثني.. هذا القول من الوالي خميس استحسنته.. ذلك لأنه سيكون قد وضع يده على أمن واستقرار المنطقة من خلال أخلاق إنسانها.. غير أن الـ«2%» والتي قد تعصف بتشكيلة الحكومة التي تفتقر إلى خبراء في إدارة المال ومراكز للتخطيط التنموي تجعل من مبادرات الوالي مجرد حديث على تلة مرتفعة.

البعد التراجعي للبنيان الاقتصادي ..رشا التوم

ظل هذا البنيان الاقتصادي سواء لعوامل منظورة أو غير منظورة لا يقوى على حدوث صدمة أو هزة عابرة من واقع ضعف وهشاشة إدارة التعامل بما يملك من موارد كفيلة بكبح جماح هذا التراجع وفك شفرة هذه المعضلات المفروضة على البلاد من واقع حسن الإدارة والتنظيم والتخطيط ولقد رأينا دولاً لا تملك كما نملك ولكنها بالكادر والعنصر البشري رجحت الكفة عوضاً عن قلة أو انعدام الموارد ومعضلات هذا التراجع الذي اتخذه البعض عائقاً في مسيرة هذا البنيان وتنحصر في الديون الخارجية باعتبار أن السودان دولة غير مؤهلة للاقتراض وهي ديون أغلبها منذ العهد المايوي مقابل إنجازات تحققت خاصة في مجال البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية التي كانت تفتقر لها البلاد تماماً كالطرق والجسور والري والزراعة ومشروع الرهد الزراعي والصناعات التحويلية في مجال صناعة السكر (كنانة ـ عسلاية ـ سنار ومشاريع الغزل الرفيع والنسيج ومدابغ الجلود وصناعة الخيش بابو نعامة ومحاربة العطش بدارفور وكردفان وهناك مشروع قاعة الصداقة وقصر الشباب والأطفال ومباني المجلس الوطني بأم درمان وكوبري شمبات والقوات المسلحة ببري وكوبري كوستي وحنتوب، أما الطرق طريق مدني القضارف كسلا هيا بورتسودان مدني سنار سنجة الدمازين وجبل أولياء ربك تندلتي أم روابة الرهد الأبيض كادوقلي نيالا زالنجي وهذه بلا شك مشاريع حقيقية ظاهرة للعيان وأتاحت للقطاع الاقتصادي الخاص الحركة والمساهمة في دعم هذا البنيان فكانت صناعة الزيوت والأحذية والملابس الجاهزة والبطاريات والإطارات والصابون وغيرها وعدم سداد هذه الديون وقت استحقاقها جعل صندوق النقد الدولي يتخذ قراراً بأن السودان دولة غير مؤهلة للاقتراض وبالتالي كانت هذه أول معضلات هذا التراجع وما تلاها من أزمات خلال تلك الحقبة وتمثل المحور الثاني في أن العقوبات الاقتصادية جاءت بعد حكومة الإنقاذ والتركة مثقلة بديون تمددت وندرة غير مسبوقة لأهم متطلبات الحياة فبدأت بالإصلاحات المعروفة واتخذت من سياسة التحرير والاعتماد على الذات هدفاً إستراتيجياً لتحريك هذا الجمود فكان لها ما أرادت إلا أن ذلك لم يكن مستساغاً من أهل الهيمنة ولي الذراع فكانت العقوبات المعروفة لأسباب سياسية بحتة لكن شاءت إرادة المولى عز وجل أن تكون البلاد على موعد مع تدفق البترول فتبدل الحال تماماً وتبع ذلك تدافع استثمارات وضمانات لانشاء وتشييد المزيد من المشاريع فكان سد القرن (مروي) ومشروع سد النيل الأبيض والطرق والجسور والخطوط الناقلة للكهرباء ومحطات المياه واستمر الحال كاستقرار غير مسبوق حتى اطل المحور الثالث لهذه المعضلات الحقيقية وهو انفصال الجنوب  وهو أول عقبات التراجع بعد سنوات شهدت استقرارا غير مسبوق في البنيان الاقتصادي وبفضل العائد السريع لمنتج البترول على صعيد الموازنة الداخلية والحساب الخارجي فبدأ اهتزاز المؤشرات الاقتصادية بأخذ منحنى سالب ما زالت الجهود والمعالجات تبذل وتتواصل لبلوغ هدف إعادة هذا الاستقرار ويأتي المحور الرابع في الإنتاج والإنتاجية وهي مربط العزم المطلوب تحقيقه للتقليل من إزالة هذه المعضلات لتهيئة بنيان اقتصادي معافى من الكدمات والصدمات وهو غاية الأمل المنشود من خلال البرامج والإصلاحات المتاحة، ولكن ذلك بدون كادر وعنصر بشري قادر ومتابعة ومحاسبة أمر غير ممكن خاصة ما نلمسه الآن من عدم تناغم وتفاهم بين وحدات القطاع الاقتصادي.
والله من وراء القصد
الفاتح إبراهيم الفكي ـ وزارة المالية سابقاً

واقع الصراع القبلي في السودان..بروفيسور: عبده مختـار

من البديهي أن المشكلة ليست في القبيلة بوصفها كياناً اجتماعياً، فهي مذكورة في القرآن، وقد كانت موجودة قبل ظهور الإسلام. لكن تكمن المشكلة في النعرة أو العصبوية وهي ما تُعرف بـ «القبلية» (tribalism).
لقد تصاعدت ظاهرة الصراعات القبلية في كثير من الدول النامية بما في ذلك السودان الذي تحول فيه الصراع القبلي إلى دموي.
 مَـنْ المسؤول عن النـزاعات القبلية في السـودان؟
من ناحية عامة يجب التمييز بين «القبيلة» و«القبلية». فالأولى تشير إلى كيان اجتماعي حامل للقيم ورابط بين الجماعة يوفر لها الحماية والمصالح. أما القبلية (Tribalism) فهي تنطوي على عصبية. حيث يصبح لها مدلول هُـويوي  أي يعطي عضو القبيلة إحساساً وإدراكاً بأنها تشكل له هوية تطغى على الهويات الأخرى بما فيها الهوية الوطنية. وتصبح هي نزعة وتشكل لأعضائها تصوراً بوجود حدود اجتماعية وحدتها الأساسية هي القبيلة. وبما أنها ترتكز إلى تقاليد وقيم وأخلاق ونظام وهيكل فيه توزيع للسلطة «مثل زعيم القبيلة والناظر والشيخ والعمدة»، فهي إذن تأخذ طابع المؤسسة السياسية «التقليدية».
 وفي تقديري إن النزاع (dispute) وما يتبعه من الصراع القبلي (conflict) في السودان وفي كل الدول المتخلفة ــ  يرتبط ببنية الدولة ونظامها السياسي. كما أن الظروف الموضوعية هي التي تنقل النزاع الاجتماعي إلى صراع سياسيو فالنزاعات الاجتماعية موجودة في كل المجتمعات، وكذلك الصراعات القبلية خاصة في المجتمعات المتخلفة. لكن تحولها إلى عنف وتصاعد حدة التوتر وزيادة الصراع خاصة المسلح يصبح ظاهرة ومعضلة تتجاوز طبيعة النزاع القبلي التقليدي، حيث أن المجتمعات التقليدية التي قوامها نظام قبلي تندلع فيها هذه النزاعات والصراعات من حين إلى آخر بسبب النزاع حول المرعى أو عمليات ثأر قبلي، ولكنها عادة تكون محدودة ويتم احتواؤها بالأعراف القبلية. أما زيادة المعدلات عبر فترة زمن قصيرة مع الاختلاف في التردد «تكرار عدد الحروب» وفي عدد الضحايا وفي حجم الضحايا «كما يجري الآن في السودن»، فهذا يصبح ظاهرة تؤثر على التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي. وبمثلما هي تستحق الدراسة هي أيضاً تعكس فشل السياسات.
ومن أكبر أسباب زيادة النـزاعات القبلية في اتجاه معاكس لسير الحداثة والعولمة في السودان، غياب التعليم والوعي. فقد زرتُ بعض المناطق التي مازالت فيها القبيلة هي المسيطرة على حركة المجتمع والإدارة الأهلية هي الحاكمة وسط العرب الـرُّحّـل، فلاحظتُ أن الحروب أحياناً تندلع لسبب بسيط وتافه ويمكن السيطرة عليه عند بدايته، لكن سرعان ما ينتقل الأمر من مشكلة صغيرة بين شابين من قبيلتين مختلفتين أو حتى بطون من قبيلة واحدة ويتطور إلى صراع وحرب بين القبائل. والغريب في الأمر كانت مثل هذه الأحداث تتم معالجتها بصورة أفضل وحسمها في مهدها في الماضي أكثر من ما هو الحال الآن في الحاضر!!
والسبب الآخر في زيادة النزاعات القبلية هو الحضور الضعيف للسلطة الرسمية في الريف بعد حل الإدارة الأهلية، مما أدى إلى إذكاء روح العصبية القبلية، ثم إعادة الإدارة الأهلية بصورة مسيسة وليست كنظام اجتماعي تنتجه ميكانيزمات المجتمع التقليدي في تطوره الطبيعي، حيث أدى التدخل السياسي إلى إضعاف لميكانيزمات المجتمع مما أدى إلى انهيار عناصر الضبط الاجتماعي، فكانت النتيجة فراغاً إدارياً وأمنياً أدى إلى حدوث التوتر والنزاعات بين القبائل. ومع المناخ السياسي المضطرب وانتشار السلاح أدى ذلك إلى انتقال الصراع القبلي إلى صراع مسلح. وزادت كثافته وتضاعف عدد الضحايا وزادت وتيرته ومعدلاته.
ومن متابعتي لإحصاءات الصراعات والحروب القبلية في السودان، لاحظتُ أن فترات الصراع القبلي في دارفور مثلاً ــ كانت متباعدة جداً في الماضي، فمثلاً من نـزاع عام 1932م لم يحدث نزاع إلا في عام 1956م  أي «24» سنة. مع ملاحظة أن تلك كانت فترة الاستعمار البريطاني، حيث تركت الإدارة البريطانية آليات المجتمع تعمل في حفظ الأمن وحل المشكلات دون التدخل المباشر منها. ثم حدث نزاع 1957م بين قبائل عربية «الميدوب، الزيادية، والكبابيش»، ثم لم يحدث صراع إلا في عام 1964م، ثم توالت النزاعات في النصف الثاني من الستينيات لكن بمعدل نزاع واحد في العام الواحد في المتوسط «نزاع واحد في عامي 64م و66م، ونزاعان في 65م، ولا يوجد نزاع في عام 67م، بينما وقعت ثلاثة أحداث قبلية في عام 1968». ثم لم تسجل الاحصائيات أي صراع قبلي في الأعوام 1969 و1970 و1971 و1972 و1973م، ثم بدأت الصراعات تتوالى في السنوات التالية بعد إلغاء نظام مايو للإدارة الأهلية منذ عام 1971، فشهد العامان 1974 و1975 نزاعاً واحداً في كل عام، بينما شهد عام 1976م أربعة صراعات قبلية. وعلى الرغم من زيادة الصراعات القبلية من منتصف السبعينيات وحتى النص الثاني من الثمانينيات من القرن العشرين، إلا أن النقلة في المنحنى حدثت في عام 1989م الذي شهد أربعة نزاعات قبلية، ثم توالت النزاعات في التسعينيات من القرن العشرين بوتيرة أعلى مقارنة بالعقدين السابقين «ستة نزاعات في عام 1991مثلاً».
أما في العقد الأول من الألفية الثانية «2000 ــ 2010م» فقد شهد «25» صراعاً دموياً كبيراً. ثم في ما يعادل نصف تلك الفترة  «2010 ــ 2014م» فقد وقع أكثر من «30» نزاعاً.
هذا مؤشر خطير يستدعي الوقوف والدراسة التي يمكن أن تقترح الإجراءات والسياسات اللازمة لمعالجة المشكلة من جذورها.