11 من سبتمبر الحادث والتداعيات ..حسن محمد صالح

مرت خلال الأيام الماضية ذكرى 11سبتمبر من العام 2001م عندما فوجئ العالم بتلك الهجمات التي هزت العاصمة الأمريكية واشنطن وأدت لتدمير مبنى التجارة الدولية الذي استهدفته عدد من الطائرات المدنية الأمريكية كما استهدفت الهجمات مبنى البنتاغون أو وزارة الدفاع الأمريكية. وقد أدان العالم كله تلك الهجمات على الولايات المتحدة الأمريكية في حينها كما أدان منفذي الهجمات الذين لم تتضح هويتهم إلى يومنا هذا. وكان المتوقع أن تجد تلك الهجمات تحقيقاً نزيهاً يكشف المتورطين فيها على وجه التحديد بعد أن أشارت أصابع الاتهام لأعداء الولايات المتحدة الأمريكية وما أكثر أعداء هذه الدولة في العديد من بلدان العالم فقد توقع البعض أن تكون تلك الهجمات من نمور التأميل وهي منظمة عرفت بعداها للولايات المتحدة الأمريكية التي دمرت مدينتي ناجازاكي وهيروشيما عبر القنبلة الذرية في الحرب العالمية الثانية. وجاء احتمال آخر أن تكون الهجمات بفعل المنظمات الصهيونية التي تدبر كثير من الجرائم داخل الولايات المتحدة وخارجها لمصلحة إسرائيل ولو على المدى البعيد وكما نشاهد الآن فإن أمن إسرائيل قد صار هو الأولية القصوى لدى الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك احتمال أن تكون من نفذت الهجمات في ذلك التاريخ هي منظمات أمريكية تشعر بالظلم من جَراء السياسة الأمريكية وكانت الأحداث التي شهدها العام السابق واضطرت الحكومة الأمريكية لفرض حالة الطوارئ خير دليل على وجود مثل هذه المنظمات والجماعات. وهناك احتمال من بين هذه الاحتمالات من غير أن يكون الراجح وهو قيام تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن بتنفيذ تلك الهجمات على الولايات المتحدة وأن يكون من نفذها بالفعل هو تنظيم القاعدة والقاعدة  لاتخفي معارضتها للسياسة الأمريكية تجاه البلاد الإسلامية والشعور بالظلم لدى الشعوب الإسلامية من جَراء هذه السياسة المهينة والمذلة للإنسان العربي والمسلم والتي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية وبامتياز في حق الشعوب والإنسان الذي يرى أمريكا تتحالف مع الأنظمة المستبدة في المنطقة ضد إرادته وحريته وطموحاته المشروعة في الحياة الكريمة. والدولة العظمى أي الولايات المتحدة (كما هو معلوم جعلت سياسة القطب الواحد عقب سقوط الإتحاد السوفيتي منها  إمبراطورية عسكرية) لم تجرِ تحقيقاً في الحادث ولم تنشر نتائج هذه التحقيقات على العالم وبناءً على تصريحات منسوبة لأسامة بن لادن وأقوال هنا وهناك قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو دولتين إسلاميتين هما أفغانستان والعراق وانتهى الغزو الأمريكي بتدمير الدولتين وتغيير نظام الحكم بالقوة حيث أقصت الولايات المتحدة حركة طالبان عن الحكم لصالح حلفاء الولايات المتحدة في أفغانستان وأسقطت بالقوة نفسها حكم الرئيس العراقي صدام حسين وأسرت رئيس البلاد وهو صدام وسلمته لخصومه السياسيين لكي يعدموه بالطريقة التي زادت من تعقيد الوضع في العراق إلى يومنا هذا.
وأخطر التداعيات والمترتبات على السياسة الأمريكية التي أعقبت هذه الهجمات (مجهولة الهوية) هو إعلان الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الابن (المنتسب لليمين المسيحي المتطرف) الحرب ضد الإرهاب ومن ثم إرهاب العالم كله تحت مسمى هذه الحرب ورفعت الولايات المتحدة شعار من ليس معنا في الحرب على الإرهاب فهو ضدنا كما بنت الأحلاف والقواعد العسكرية وفتحت أكبر معتقل في العالم هو معتقل غوانتنمو في قطعة أرض كوبية تحتلها أمريكا ليكون هذا المعتقل خارج أراضيها حتى تنجو من المساءلة القانونية بموجب الدستور الأمريكي الذي يمنع مثل هذه الأفعال داخل الأراضي الأمريكية والأمر كله لا يخرج عن كونه تحايل واحتيال على الشعب وعلى القانون.
لقد دفع العالم كله فاتورة أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتحولت هذه الأحداث من نزاع أمني محدود إلى صراع فكري وأيدولوجي قائم على فكرة (صدام الحضارات)  وتقسيم العالم إلى عالم متحضر وهو المعسكر الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ـ الدولة ذات المثل والقيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ـ كما تدعي وعالم البرابرة الذين يريدون تدمير الحضارة الغربية والأمريكية وتغيير أنماط الحياة الغربية وهؤلاء البرابرة بالنتيجة المباشرة لهذا التقسيم هم البلاد العربية والإسلامية. وكما يقول تزيفتان تدوروف في كتابه ـ الخوف من البرابرة ما وراء صدام الحضارات ـ إن وضوع صدام الحضارات يطفو للسطح بين عالم غربي متحضر متخم بالثروة والرفاه وعالم لم يتمكن بعد من الاستفادة من النهضة. وكما يرى الفلاسفة الأوربيون والفرنسيون منهم على وجه التحديد وفي رؤاهم هذه انعكاس لسياسة الولايات المتحدة الخاصة بمكافحة الإرهاب كما تدل رؤاهم على أن العالم الأوربي قد طفح به الكيل من السياسة الأمريكية التي تقود الأوربيين من غير هدى وإلى كتاب  مبين لكي تحقق من خلالهم مصالحها وتخدم أغراضها. ويرى هؤلاء الفلاسفة أن أوربا اليوم ترزح تحت الخوف من فقدان مكانتها وقدرتها العسكرية والاقتصادية والخوف من المستقبل أمام تنامي التهديدات ومن رأي هؤلاء أن تشق أوربا طرقها وتضع نفسها خارج العباءة الأمريكية وتدير حوار مع الآخر أو من يقول الأمريكون إنهم برابرة وهم العرب والمسلمين الذين اتخذت السياسة الأمريكية منهم أعداء وإرهابيين حاليين ومحتملين  بناءً على أشياء من بينها الإسلام وقد تجلت هذه السياة في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة وموقف الولايات المتحدة من الاستخدام المفرط للقوة من جانب إسرائيل وقتل المدنيين وتدمير المنشآت بما فيها المنشآت التابعة للأمم المتحدة من غير أن تجد إسرائيل مجرد إدانة من قبل الولايات المتحدة الأميريكية على موقفها في غزة.
والناظر لتداعيات الحادي عشر من سبتمبر يلاحظ بجلاء  أن الضحية غائبة عن معادلة الحوار وإمكانية الحوار بعيدًا عن قعقعة الحرب والسلاح التي تقودها الولايات المتحدة باسم مكافحة الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. والضحية هنا هو العالم العربي والإسلامي من المغرب العربي إلى باكستان وقد عجز هذا العالم عن استغلال رؤى وإطروحات العديد من المفكرين الغربيين الذين يرون في طموح الولايات المتحدة الأمريكية طموحاً غير مشروع وهي تشن حربها ضد الإرهاب على أساس حضاري وثقافي كما أن هذا العالم الموصوم بأنه بربري في مقابل الحضارة الغربية لم يستفد من مواقف بعض الدول المناوئة للسياسة الأمريكية المتعلقة بالحرب على الإرهاب  وخاصة الموقف الفرنسي والموقف الألماني من غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق وموقف الشعب البريطاني المعارض لسياسة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير الملتحمة تماماً مع السياسة الأمريكية الخاصة بمحاربة الإرهاب وغزو العراق بحجة القضاء على أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الكيمائية التي لا وجود لها بل كانت كذبة أطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن وروجت لها وسائل الإعلام الغربية وانتهت بتدمير العراق كما هو الحال تماماً مع الإرهاب وأحداث الحادي عشر من سبتمبر التي لم تنقضِ عجائبها إلى يومنا هذا.

المزيد من المقالات...

  1. الصحافيون السودانيون الأعلى سقفاً في ممارسة الحريات الصحفية.. الطيب شبشة
  2. اختناقات مرورية وكوبري الجيش!!..د. حسن التجاني
  3. رداً على الافتراءات على الجعليين والقبائل العربية المسلمة في وسط وشمال السودان وقائع الجعليين.. حقاً كانت منصات قيم وفخر وشرف «11 - 18»..د. عثمان السيد إبراهيم فرح
  4. ما هو تواصل الأجيال؟..د. ربـيع عبـد الـعـاطـي عبيد
  5. السودان وعُقدة البند الرابع في مجلس حقوق الإنسان ..طه يوسف حسن - جنيف
  6. أنصار السنة ومشروع وحدة الصف الإسلامي...الركابي حسن يعقوب
  7. رُكبتي.. ورُكْبة البشير.. في الرويال كير..محمد الياس السني
  8. رداً على الافتراءات على الجعليين والقبائل العربية المسلمة في وسط وشمال السودان وقائع الجعليين.. حقاً كانت منصات قيم وفخر وشرف «10 - 18»..د. عثمان السيد إبراهيم فرح
  9. رداً على الافتراءات على الجعليين والقبائل العربية المسلمة في وسط وشمال السودان وقائع الجعليين.. حقاً كانت منصات قيم وفخر وشرف «9 - 18» د. عثمان السيد إبراهيم فرح
  10. أحاديث ما بعد إغلاق المركز الثقافي الإيراني د. محمد الهادي الطيب