الصلات الطيبة.. هنا السودان «4»..محمد الياس السني

بعد رحيل الحبيب محجوب عبد الحفيظ، جلسنا في فراش العزاء واجتمع كبار المسؤولين ودار نقاش حول استمرارية البرنامج.. كنت واثقاً من عدم نجاح البرنامج بعد رحيل محجوب، إلا أن السيد وزير الثقافة والإعلام وقتها عبد الله محمد أحمد.. أصر على المواصلة خصوصاً بعد أن أخبرتهم بأن البرنامج على أعتاب تنفيذ مشروع الزواج الخاص بأصدقاء البرنامج من المعوقين، وأننا قطعنا فيه بوجود محجوب شوطاً كبيراً.. وعبر حلقة حزينة داخل الأستديو تحدثنا جميعاً واستقر الرأي على أن يشارك في التقديم كل التيم العامل في البرنامج والمتعاون معه بداية بالبروفيسور فيصل محمد مكي وشخصي والأستاذة حنان البدوي والمخرج «محمد سليمان دخيل الله».. إلى أن نكمل المشروع الذي بدأه معنا الراحل وبعدها يتم بحث كيفية استمرار البرنامج.. وحقيقة لم يفت علي وصف حال أصدقاء البرنامج والمتعاملين معه عقب وقوع خبر رحيل محجوب عليهم.. وخصوصاً عند تسجيل أول وثاني وثالث حلقة من البرنامج بعد الرحيل والتي أعتقد أن «دخيل الله» المخرج رحمة الله عليه كان قد أبدع تماما وهو يلاحق بكاميراته دموع الحضور تتساقط والألم يعتصر والحزن يلف الجميع.. وأنين الناي يعم أرجاء الاستديو ويتمدد متسللاً خارج الاستديو لتلف الأحزان أفراد الأسر في منازلهم وهم يتابعون الحلقات برغم الحدث السعيد الذي كنا ننقله بزواج قرابة الثلاثين من أصدقاء البرنامج، وكانت كل المحال التي وعدت بدعم المشروع عند كلمتها والفنادق فتحت غرفها وحضر عقد القران الجماعي كل قيادات الحكومة.. الرئيس ونائبه الأول الشهيد الزبير محمد صالح وكان موكب العرسان وهم  في ثياب الزفاف وكامل الأناقة والجميع يترحم على روح الراحل محجوب عبد الحفيظ ويسألون الله تعالى أن يجعل هذا العمل الكبير في ميزان حسناته وقد نذر نفسه إلى أن لاقى ربه وهو يسعى من أجل إسعاد هذه الفئة التي ابتلاها الله.. ولا تزال ألسنتهم تلهج بشكر الله ان قيض لهم هذا الرجل ومن معه لمساعدتهم.. ولا يزال بعضهم يقابلني في الطريق فيستوقفني للتحية والشكر. وقد حكى لي بعضهم أن الله قد رزقهم بأبناء وبنات أطلق بعضهم على ابنائهم أسماء«محجوب» ومحمد وحنان ولعلي بهم قد شبوا الآن عن الطوق وشقوا طريقهم في العلم أو العمل.. أما البرنامج وعقب أن قمنا بإكمال ما بدأناه مع الراحل محجوب في أيامه الأخيرة، بدأنا بالانسحاب من حلقاته التي لم تعد تحظى بالمشاهدين والمتابعين والمستفيدين مثلما لم يتمكن البروفيسور فيصل أن يبقي على مشاهدين للحلقات بعد ذلك بعد أن أصبحت الحلقات تخرج من الاستديو للمسؤولين في مكاتبهم.. ولم تعد تلك الشريحة تحظى بالاهتمام الذي كانت تجده قبل رحيل محجوب.. هنالك أحداث ومفارقات وحكاوي تخطيت حروفها لظروف حتمتها الأيام وجريانها قبل وبعد حادثة الرحيل المر.. ولا تزال حروف محجوب عبد الحفيظ ونحن نتجاذب الحديث في الشهور الأخيرة تعاود رنينها في أذني وتعليقاته قبل رحيله بأيام وكلمات ظللت استعيدها في ذاكرتي، فقد نعى نفسه أكثر من مرة بل ووصف شكل جنازته في طريقها إلى المقابر وتعدى كل ذلك بوصفه للناس وهم يشيعونه.. و.. و.. لا بد من التوقف هنا.. وأعود لتلك الحلقة التي بثها برنامج«هنا السودان» إنها وقفت فقط في وصف للبرنامج ولمحجوب ولمن وقف معه من على البعد هذا حسب «منتج البرنامج» الذي هو صديقي وأخي «شكر الله خلف الله» الذي كنت أتمنى أن يبذل بعض الجهد ليعطي برنامجه المزيد من المعلومات الدقيقة.. وأقلها وصول أسرة محجوب للوقوف على أحوالهم خصوصًا أنه عندما رحل ترك «طفلة» في أحشاء أمها «أرملته» التي هي الآن لا شك أصبحت أماً وابنه الذي صار رجلاً «الرجال قليل».. وما زلت صراحة «متلخبط» لما يحدث في التلفزيون بين كلمتي «المنتج» و«المعد».. وحسب معلوماتي المتواضعة ان الإنتاج يتعلق أيضاً بالتمويل إلى جانب الإشراف العام على التنفيذ مثلما أن «المعد» هو صاحب «الفكرة» في كل حلقة، وإن كانت الفكرة ثابتة مع تنوع الطرح والتناول.. أما السيناريو فهو التفصيل والسرد والأسلوب.. وما إلى ذلك مما تتنزل به الفكرة.. أخي شكر الله..«هنا السودان» ليس برنامج جلسات داخل الأستديوهات.. ولمة ناس.. ومذيع ومذيعة كأنها في «صبحية» «هنا السودان» معناها كل شبر من أرضنا الطيبة وكل صفة من صفات أهلنا الأحباء الذين حملوا للعالم الصفات التي عرف بها كل من يقول«أنا سوداني» أو «أنا من السودان» فتقع في قلب المستمع قبل أذنه من صفات عرف بها السودان، بما قال الحاردلو رداً على من قال له السودان دا شنو؟؟.. فكانت «تقول لي شنو؟؟ وتقول لي منو؟؟» وحكى له عن الصافي.. الوافي.. الشافي.. الكافي.. والزاد والزينة.. ووكتين ينزل المستور.. وكذلك «اسماعين ود حد الزين» في «بلادي» أمان وناسا حنان.. يخودوا النار عشان فد دمعه.. كيف الحال أكان شافوها سايلة دموع؟؟
أخي شكر الله.. زدْ في جهودك فالبرنامج كبير وتوثيقي للتاريخ.. الذي لا يرحم.. ولا يتحمل تقصيراً أو أخطاء.

حافظوا على الرجل السفارة..حازم عوض الكريم

إنها شهادة تقدير واعتزاز في حق وزارة الصحة الاتحادية ووزارة الخارجية لنجاحهما في قيام البرتوكول السوداني التركي في العلاج الذي تم توقيعه في 2007، وجرت إجازته بوساطة البرلمان التركي وبدأ تطبيقه في 2009م، فتركيا دولة عملاقة وصديقة ولديها علاقة قوية وتعاون في المجال الصحي مع السودان، وقدمت دعماً كبيراً، وآخره المستشفى الدولي في مدينة نيالا ويضم «150» سريراً، وفتحت مجال التدريب للممرضين والسسترات، ولديهم استعداداً لدعم السودان وفرص العلاج المجاني بتركيا، مما يخدم صحة المواطن وعلاج الأمراض. رغم الطفرة العلاجية في السودان، إلا أن بعض التخصصات غير موجودة ومستوى الخدمات الصحية متطور ومن هنا جاءت مبادرة لعلاج المرضى ولمعالجة الحالات غير المتوفرة أو بها صعوبة وهي فرصة لعلاج «100» حالة مجاناً فيما يتكفل المريض بالإقامة وأي مصروفات أخرى وهم يتكفلون بالعلاج مجاناً، وكل هذا يتم بوضع لائحة تنظم العلاج بالخارج عبر بوابة القمسيون الطبي واللجنة الفنية التي توصي بالعلاج بالخارج بعد استيفاء جميع أوراق الشخص وتعرض هناك التقارير على المراكز المتخصصة لكي تجد المنطقة المناسبة لعلاج المريض، وترسل الموافقة على علاج المريض المجاني، وهناك سكرتارية تقوم بالاتصال بالمريض والتنسيق معه وتتكفل تركيا باستقبال المريض بالمطار والحجز وتسهيل الحصول على التأشيرة. فهناك أشخاص نادرون من حولنا قد لا ننتبه إليهم بغفلاتنا، ولكنهم دائماً ما يتركون بصمتهم وسيرتهم الحسنة ويصنعون الأمل في حياة الناس، ما يثير بالتأكيد الاهتمام والفضول الصحافي لما يتمتعون به من كاريزما وحضور وتأثير كبير في محيطهم الاجتماعي، ويشكلون مادة إعلامية مهمة للصحافة تستحق أن تقدم للقراء كأنموذج جدير بالتعرف عليهم وتوثيق تجاربهم الثرة في الحياة. ما دعاني إلى كتابة هذا المقال، هو الدور الذي يقوم به أنموذج لهؤلاء الأشخاص في واحدة من أهم وأبرز عواصم العالم، وهي (مدينة أنقرة بتركيا).. حيث يعيش رجل مميز وقامة رفيعة، درس وأجاد لغة البلد وتزوج من امرأة تركية أنجبت له أبناء بارون.. وتوثقت علاقته بعد مرورالسنين بالمؤسسات التركية، وكان جديراً بالأمانة والتكليف، وأصبح محل ثقة وتقدير الكثيرين. ففي وقت سابق اعترف نائب الصحة الدولية بوزارة الصحة بأن لديهم مشاكل يسعون إلى حلها وهي مشكلة حاجز اللغة، وقال إن الأطباء الأتراك لا يتحدثون غير التركية، وقال إنهم لا يتابعون مباشرة مع المرضى فهم يحصلون على تقارير من المستشفيات عن حالة المريض. وبحمد الله وتوفيقه هذا الهاجس لم نشعر به في رحلتنا الى أنقرة كمرافقين لشقيقنا المهندس جمال عوض الكريم بعد أن تم اختيار السوداني المؤدب من قبل وزارة الصحة ليقوم بمتابعة شؤون المرضى السودانيين الذين يسافرون للعلاج بتركيا بموجب البرتوكول السوداني التركي، فتجدُه يتابعُ بشكلٍ شخصيٍ ومباشرٍ لأي مريض يتم إرساله للعلاج هناك، فيستقبله بالمطار حتى يبلغه مأمنه في المستشفى المعني ويحجز الفنادق ويدل على كل ما يهم المريض ومرافقيه ويحضر العمليات في كثير من الأحيان ويتصل مطمئناً على المرضى حتى بعد عودتهم الى السودان، ولا يترددُ في مراجعةِ الدوائرِ الرسميةِ وغيرِ الرسميةِ لاحتواءِ أيِّة مُشكلةٍ وحلها. فقد اجتمعت البساطة والحكمة والخبرة والنبل والذكاء الاجتماعي لتزيل الحواجز بينه وبين الآخرين، ويشهد له مئآت الأشخاص من كبارالقوم والمسؤولين وعامة الناس بالهمة العالية والإنسانية الرائعة وحُسن الاستقبال والبشاشة، حتى تشك في أنه المرافق للمريض، لقد جعلَ هذا الرجل من مسشفيات أنقرة واحةً يستظلُ بظلها أبناؤنا وكثير من أفراد الجالياتِ العربيةِ والإسلاميةِ، واستطاعَ بشخصه وبصفتِه أن يعكس الصُّورةِ الحقيقية للسوداني (الجدع) بتميُزِه بصفاتٍ ترفع من قامته بين إخوانه السودانيين بتركيا. يقولُ الشاعرُ العربيُّ القديم: «إذا كنتَ في حاجةٍ مُرسِلاً.. فأرسلْ حكيماً ولا تُوصِه». هذا البيتُ من نفائسِ الشِّعرِ الذي يصفُ بإيجازٍ بديعٍ معاييرَ اختيارِ من تُرسلُه لإنجازِ ما يُهمُك.. إنه الأستاذ / عربي نقدالله..رجل سوداني قدم الكثير لأهله وعشيرته وبلاده، ومد جسور التواصل مع الأشقاء في تركيا، فكان أنموذجاً يشرف بلاده ويعكس وجهها المشرق ويعبر عن المواطن السوداني الوفي المخلص الأمين، وهذا مثال لأجمل ما تقدمه الدبلوماسية الشعبية من دور مهم وكبير. ومن هنا ندعو ونناشد وزارة الصحة الاتحادية ومن قبلها وزارة الخارجية بتكريم عربي نقد الله.. وتذليل صعوبات كثيرة يعاني منها دون أن يقصر في أداء واجبه الوطني أبسطها وسيلة تنقل «سيارة»، تحية باسم كل المرضى الذين كان الأخ عربي مرافقهم الحقيقي، تحية ممزوجة «بنحن جند الله جند الوطن»، راجين من المولى عزَّ وجلَّ له التوفيق والسداد، هامسين في آذان وزارتي الصحة الاتحادية والخارجية : (حافظوا على الرجل السفارة).

انتخابات 2015 الواقع الجديد..نجوى مداوي

ما زالت الساحة السياسية في انتظار أن يستوعب البعض حقيقة أن الانتخابات قد تم إجراؤها في السودان وأن نتائجها قد تجاوزت مرحلة القبول  بامتياز ولا أعني بالنتائج كسب المرشحين بل أعني بها موافقتها لمعايير الجودة العالمية، مما لا تتيح لأحد الطعن في مصداقيتها ذلك من ناحية ومن ناحية أخرى ما سجله الناخبون من مشاركة تجاوزت 46% من جملة المسجلين في كشوفات انتخابات عام 2010م،  نسبة لا تتيح لأحد أن يدّعي أنه قد قام بعمل بطولي  استطاع به منع الناس عن المشاركة. ولم يكن هناك سبب لجولة ثانية كما توقع الذين عملوا لإفشالها.   هذا الواقع الذي يصعب على البعض فهمه يثبت أن إرادة الشعب السوداني أقوى من الذين يتربصون به  حتى ولو كان الثمن ذلك العدد من الشهداء الذين  سقطوا في جنوب كردفان من أجل تأكيد هذه الإرادة. هذا الواقع يعني أن هؤلاء الذين يدّعون الوصاية على الشعب السوداني كاذبون. وهؤلاء الذين يسمونهم  بالأحزاب الأساسية «المقاطعة» لا وجود لهم، ويؤكد على أنهم مجرد نخب من صنيعة الاستعمار  يستخدمونهم لإعاقة تقدم ونماء السودان.    ويعني هذا الواقع أيضاً أن الشعب السوداني قد تجاوز هؤلاء بتأكيده على الوسيلة التي يريد بها  تداول السلطة، وأن الشرعية لا تؤخذ إلا منه، والذين  يريدون أن يتحدثوا باسمه أو يديروا أجندة تخص مصالح السودان عليهم أن يأتوا عبر منافذ هذه الشرعية. وهي المنابر الـتي صوّت لها الناخبون  وعليهم أن يفهموا أن نجاح هذه الانتخابات كان حدًا فاصلاً بين كل الأوضاع السياسية قبلها وما ينبغي أن يترتب عليه الوضع بعدها. «45» حزباً سياسياً ونشطاء مستقلون ارتضوا بنهج الصندوق ومن ورائهم الشعب السوداني ما يزيد على «6» ملايين ناخب أدلوا بأصواتهم مقابل «7» ملايين في انتخابات «2010م» ولم يكن يومها يتحدثون عن مقاطعة بل كان الصراع الانتخابي الأشد في السودان لوجود مسألة الجنوب على المحك. فإذا كان 25% من الناخبين في كشوفات السودان هم مواطنو دولة الجنوب فإن عملية حسابية بسيطة تكشف أن نسبة المشاركة الفعلية في هذه الانتخابات تتجاوز الـ70% وهو كسب قام به الوجدان الوطني في السودان فلا يدّعي أحد فضلاً عليه وهو تأكيد لإرادة هذا الشعب كأكبر واقع ينبغي التعامل معه بحقه، وأول واجب لهذا الحق في ظل الحديث الدائر هذه الأيام عن  الحوار والمفاوضات، أن تتفق القوى الوطنية التي فوضها الشعب ومن رضي بالتداول السلمي للسلطة «تحت قيادة البشير صاحب أكبر تفويض شعبي» أن يتفقواعلى رؤية موحدة لمشكلة السودان وعناصرها. هناك أرضية جيدة للملمة أطراف هذه المشكلة من خلال الرؤية التي قدمها السيد الرئيس في أجندة الحوارالوطني. كان يمكن أن ينجح ذلك الحوار بتلك الأجندة إذا لم يرسم  البعض على إمكانية تأجيل الانتخابات بواسطة الآلية الخفية في منظومة التفاوض. أما والانتخابات قد قامت فإن هدفهم اليوم هو تجاوز هذا الواقع كأنها لم تقم. لذلك يجب أيضاً على ذات القوى الوطنية الاتفاق على توصيف مناسب للذين ما زالوا يحملون السلاح «حركة شعبية أو ثورية» أو أذناب الاستعمار الذين يسندون هؤلاء الخارجين على الشرعية من الذين  يقتلون الأبرياء وينهبون ممتلكاتهم بفرية انتزاع الحقوق لهم، ينبغي الاتفاق على توصيف يناسب تلك الأفعال. أمريكا بلد الديمقراطية لا تملك لمثل هؤلاء إلا واحدا من احتمالين«القبض عليهم للمحاكمة أو قتلهم» لأنهم خارجون عن القانون والدستور. أما نحن فنعطيهم احتمالاً داعماً لأفعالهم المجرمة ــ غرف في فندق وثير ومائدة للتفاوض يذبح عليها سيادة الوطن لأن البعض يتوهم أن هؤلاء انعكاس لأزمة سياسية بالسودان! بالله أين هذه الأزمة السياسية أمام أكثر  من94% من الناخبين من كل الأحزاب عندما يتفقون على مرشح واحد حزبه السياسي لم تتجاوز نسبته الـ 70%؟ أين هي الأزمة السياسية والانتخابات لم تسجل إخلالاً أمنياً واحداً إلا من هؤلاء الخارجين على القانون الذين أرادوا منع الناس عن ممارسة حقوقهم. إن الذين يريدون أن يتجاوزوا هذا الواقع بالرجوع إلى المربع الأول في مسألة  الحوار والمفاوضات بلا اعتبار لما أفضت إليها الانتخابات ويتحدثون في الإعلام كأن شيئاً لم يحدث ويرددون الآلية الأفريقية ــ منبر الإيقاد، إعلانات برلين، اجتماعات أديس التمهيدية كأنما هذه مقدسات طقوسية يرضون بها ذلك الوثن «الخارج عن القانون» وكأنما شهداء الوطن قرابين لم تبلغ السقف الذي يرضيهم  للسلام، يدللوهم حتى «يعودوا إلى رشدهم» ويترجوهم للانضمام لآلية«77+». كم هي الدعوات التي قدمتها الحكومة لهم والمنابر التي أقامتها لتتيح لهم توضيح رؤيتهم؟ كم اتفاقية وقعت من أجل السلام؟ هل كانت لهم استجابة غير إعداد المزيد من العتاد الحربي وقتل المزيد من الأبرياء في هبيلا والدلنج وكادقلي ومناطق أخرى؟هل نسينا حجم العتاد في معركة دنقو؟ إلى متى نظل نمارس هذه الازدواجية في التعاطي مع هذه المسألة. إن هؤلاء لن ترضيهم هذه الدعوات إلا أن تخلي لهم الساحة من الوطنيين وتسلم سيادة البلاد للجنائية الدولية ليعود نوع جديد من الاستعمار القائم على أقلية الداخل والذراع الخارجي ذلك ما خططوا له. ينبغي أن نعيد قراءة  الإرث التراكمي لتفاصيل مشكلة السودان حتى نتفق على شكل الأزمة لقد تحدثنا كثيرًا عن عناصرها الاجتماعية العميقة التي هتكت النسيج الاجتماعي للسودان وما زالت مكوناتها الجهوية فاعلة في تعميق الشرخ.  
إن قضية الحوار والمفازضات ما عادت بعد الانتخابات قضية حزب واحد ولا دور «لمكلف» بل تحولت إلى قضية لمؤسسات الدولة المنتخبة التي فيها كل ممثلي الأمة الذين جاءوا بالتفويض من الشعب بجانب الأحزاب الوطنية ذات الطرح السلمي، يجب شرعنة أي تحرك سياسي لأية آلية عبر هذا التفويض حتى لا تؤخذ مآلاته على حزب أو جماعة واحدة. كذلك الواقع الجديد يجعل كل المسميات التي تشخصن قضايا السودان جهوياً «مثل مسميات المنطقتين وما يعرف  بالمشورة الشعبية»، يجعلها من أسمال الماضي العقيم الذي لم يلد حلاً أبدًا لأنها وضعت لتبطن مسار الانفصال «بتقرير المصير». كل أهل السودان دفعوا بمن يمثلهم إلى هذه المؤسسات فلا خصوصية وضع لمنطقة يخرجها إلى منابر أخرى فتنقص بذلك عن السودان، فقط المطلوب مقاربة أوضاع مناطق السودان بالتنمية ليموت الشعور بالظلم  فينتشر السلام الاجتماعي المنشود.