حراك المؤتمر الوطني.. الاقتصاد قبل السياسة!! الحسين إسماعيل أبو جنة

ظلت ظروف الحياة تلعب بالأسلوب الضاغط «حسب مصطلح كرة القدم» ضد الشعب السوداني الذي تراجعت حظوظه كثيراً في التمتع بمستوى معيشة متطور أو مستقر على الاقل مقارنة بغيره من شعوب الدنيا بالرغم من الثراء الطبيعي في الموارد ظاهرها وباطنها، وبتتبع مؤشر الأداء الاقتصادي للسودان خلال خمسة عقود خلت «1964/2014» نلحظ بوضوح تراجع اطرادي منتظم لمستوى دخل الفرد الحقيقي في السودان لأسباب مرتبطة بغياب الرؤية وعدم القدرة على ترتيب الأولويات بشكل ممنهج وواقعي... حيث ترتب على أثر ذلك تآكل مستمر لكيكة التنمية الحقيقية والبناء الاقتصادي المؤسسي كنتيجة منطقية لتوجيه معظم موارد الدولة وبنسب عالية لتلبية الإنفاق على قطاعات غير منتجة كالدفاع والأمن بسبب انفجار تصاعدي ومستمر لبؤر التمرد والعصيان ضد السياسة المركزية للدولة، والشواهد معلومة... وتداخل هذه الحقائق في العلاقة التكاملية بين الاقتصاد القومي والأمن الوطني، حرم دولة السودان من ميزة التمتع بتوظيف الموارد بشكل ممنهج ومستقرلإحداث نقلات عملية نوعية في حياة المواطن الذي استسلم لدرجة القنوط، وكثير من الظواهر السلبية نبتت في حقول المسرح الاجتماعي فجاء السأم والاستسلام متبوعاً بالصدمة التي حولت السودانيين من خانة الإقبال على الحياة إلى نفق الهجرة والبحث عن العيش الكريم خارج الحدود.
وها هي حكومة الإنقاذ طوال ربع قرن من الزمان «1989/2014» جربت من التجارب ما لا يحصى في سبيل ترقية الأداء الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة بتكامل حصيلة الخدمات الأساسية والضرورية جداً، ولأن السياسة تقود الاقتصاد وليست تتبعه كما هو المنطق السليم في معظم بلاد الدنيا، ها هي المحصلة النهائية لحياة الناس وواقع الاقتصاد الذي ما زال في مربع الأماني والوعود البراقة واستجداء الاستثمارات الأجنبية، وهي حالة أرغمت العملة الوطنية «الجنيه السوداني» على دخول غرف الإنعاش لأكثر من مرة، وللأسف عجز كل نطاسيي الاقتصاد بدءاً بصلاح كرار موديل 1989وانتهاء ببدر الدين الحالي، عجزوا كلهم عن إضافة درجة عافية واحدة تمنحنا الأمل في يوم باكر... ورغم  أنف هذه الحقيقة الصادمة على أرض الواقع تصر التصريحات السياسية المتناقضة على المكابرة والتضليل بأن هناك تحسناً ملحوظاً في جسد الاقتصاد السوداني الذي استسلم للدولار في حلبة المصارعة المفتوحة.. وأي رسم بياني لحركة السلسلة الزمنية لتراجع الجنيه أمام زحف الدولار تحكي عن الفضيحة غير المبررة لمصارع ظل يتقهقر أمام ضربات متتالية تسدد لرأسه المكشوف لعجز في القدرة على عدم توظيف طول الذراعين كميزة نسبية طبيعية أشبه بالموارد التي فتحت شهية التبديد وعدم التوظيف الأمثل، وأخيراً ظهر الفساد وتفشى مما اضطر الحكومة لإنشاء مؤسسات عدلية لمحاصرته ومحاربته والكشف عنه. ورغم ذلك ما زال رأس الجبل تحت الجليد، ولن ينكشف المستور إلا بمزيد من تعلية سقف الإرادة السياسية بمنح تفويضات فعلية وليست شكلية لممارسة مهام تأريخية وأخلاقية تعيد الأمور إلى نصابها!!.. وكل حراك المؤتمر الوطني هذه الأيام وبعد ربع  قرن من  الزمان ينبغي أن ينصب في خانة تحقيق الحلم الاقتصادي والعيش الكريم خصماً على النهم السياسي الذي أورد البلاد مورد الهلاك، ودونكم حالة الاحتقان التي تعيشها الولايات جراء التمرينات العنيفة التي سبقت المؤتمر العام ومهدت له، وعلى مهل يتبختر الفقر والعوز بين السودانيين في صحبة تدهور التعليم مع ارتفاع تكاليفه والصحة ليست بأقل سوءاً ويتبع ذلك حصار اقتصادي خانق وعزلة سياسية ممنهجة ومتصاعدة... وللخلاص من  أمراض الشيخوخة المكتسبة أرى أهمية أن يمتلك القادة الشفافية الكافية لتحرير الاقتصاد من تبعية السياسة لتصبح العلاقة تكاملية وليست العكس، لينفتح الباب أمام مراجعات مهنية عميقة توفر جرعات علاجية نافعة لكثير من الظواهر السالبة في المسرح السياسي والاجتماعي والقانوني. وأعتقد أن هذا هو المرتجي والمفيد عملياً على خلفية أن الحزب قد اتسعت قاعدة هرم عضويته، فلا خوف من الشراكات الذكية، واكتسب من الخبرة ما يكفي لتحصينه ضد الانهيار والغش، وقد نضج بالقدر الذي يؤهله لتقديم تنازلات وطنية دون خوف من التلاشي أو الذوبان كما يتوهم الكثيرون من أعضائه الذين لم يستوعبوا بعد أهمية التفكير الاستباقي لتداعيات انهيار أنظمة الربيع العربي، وأطماع الغرب في إعادة رسم خريطة المنطقة!!