هذا الجهاز المسمى الموبايل..العمدة الحاج علي صالح

كنا سيداتي.. سادتي في قديم الزمان وسالف العصر والأوان لا نعرف هذا التلفون الشنان الريان وفي أوائل الأربعينيات كان بالدامر تلفون واحد للمحادثات يمتلكه أحمد عبد اللَّه حسن التاجر بالدامر ويجلس الناس صفوفاً صباح مساء ينتظرون المحادثة التي يطلبونها ـ ويطلبها لهم أحمد عبد اللَّه صاحب التلفون بالنمرة وإذا كنت داير مستعجل دفع زيادة ويتصل هو بي بنات الكبانية بعطبرة والخرطوم لتسهيل المحادثة وكان التلفون الثاني بمدينة عطبرة يمتلكه السيد إبراهيم أبو شوش وتجد الناس يجلسون صفوفاً هكذا كان يتم الحديث والتلفون ذاته له عمدان من الخشب مربوطة به السلوك عبر البلاد.. أما أنتم الآن سيداتي سادتي قد رحمكم اللَّه سبحانه وتعالى بهذه العولمة والتقدم وصرتم تحملون تلفون الحديث في جيبكم تتحدثون داخلياً وخارجياً هذه نعمة من اللَّه سبحانه تستحق الشكر. ويمكن أن يكون هذا التلفون لمواصلة الأرحام وأعمال الخير ويكون في ميزان الحسنات وهناك أهل الشر والخيانة يستغلونه لمغازلة البنات والمواعيد ليحضرن لهم لجلسات السوء بالنجيلة أو بالحديقة وهذه مفسدة أنظر إلى كل شاب يحمل تلفونه يتغزل مع البنت ويدعوها لجلسة الفساد وأنا بهذا لا أقصد كل البنات والأولاد وهم الذين يتحدثون بما يرضي ضمائرهم ـ إنما أقصد أولئك الصعاليك والصعلوكات الذين يتداعون لبعضهم بهذا التلفون وتقول البنت لصديقها أجيكم الساعة كم وأين وهكذا سيداتي سادتي أكرم اللَّه مستواكم بهذا ALMUBIL أحسنوا مسيرته وأجعلوه تواصلاً وتحية للأرحام والأصدقاء، أما أولئك الذين يستغلونه في الصعلكه ومغازلة البنات سوف يكون مصيرهم بعد الموت ناراً وقودها الناس والحجارة إلاَّ أن يتوبوا ويتوب اللَّه عليهم نسأل اللَّه أن يستفيدوا من هذا التلفون في أعمال الخير ومواصلة الأرحام ونحمد اللَّه أن سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين.
وأحكي لكم قصة التلفون عند الشعراء وهذه القصة حكيتها لسيادة السيد علي كرتي وزير الخارجية في مقابلتي له في أوائل العام الماضي بمناسبة تقديم كتابي مذكراتي عمدة سابق لسيادته وذكرت له قصة شاعر البطانة الشهير أحمد عوض الكريم الذي يحكي سرعة جمله بالتلفون والتلفون هذا الذي وصفه هو تلفون السفير حينما يتحدث من الخارج قال عن سرعة جمله:
أقول فيه جناح أكان الجمال بتطير
على دولة معيز ماده الصباها غزير
تلفوناً يكالمبوا الوزارة سفير
يا سلام يصف سرعة الجمل بالتلفون الذي يتحدث به السفير من الخارج وأجابني الشاعر قائلاً عن سرعة الجمل مثل تلفون السفير الذي يتحدث من الخارج وتعطل كل الخطوط لحديثه وقد أعجب هذا الشعر سيادة وزير الخارجية السيد كرتي وهو الذي كان من قراء استراحاتي بالجرائد وقدمت له كتابي مذكرات عمدة سابق الذي به مجموعة من الاستراحات: سيداتي سادتي إن هذا التلفون الذي تتحدثون به نعمة كبرى من اللَّه سبحانه وتعالى وعليكم أن تعملوا فيه في أعمال الخير وزمان لو عايز تحول لابنك الطالب منصرفات لا تصله عبر الحوالة إلا بعد زمان طويل والحين تصله في دقائق معدودة يا جماعة ويا ساده: هذا التلفون نعمة من اللَّه سبحانه وتعالى وعليكم أن تحمدوا اللَّه قائلين الحمد للَّه الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإن شاء اللَّه سوف أواصل معكم استراحاتي في هذه الصحافة ما دمت حياً وإذا أخذني اللَّه إلى جواره ترحموا عليَّ قائلين يرحم اللَّه العمدة كان رجلاً كتاب وصاحب قلم رفيع هلا هلا.
يا العمدة بقيت تشكر نفسك وإنت تعلم أن شكار نفسه هو إبليس: معليش يا جماعة أنا بقيت بدور الشكر دحين يا سادة شكروني وما تخلوني أشكر نفسي وهي الأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ولكم تحياتي وتحيات الحاج عبد الوهاب من بربر وشكراً.
العمدة الحاج علي صالح
هاتف: «0115995419»

ضعف التواصل الاجتماعي.. الأسباب والعلاج!..الخطيب عوض ماهل

إن وسائل الاتصال الحديثة، قد جعلت التواصل بين البشر كما اسمها يدل عليها، سهلاً جداً. وبالتالي فإن الأفكار المتناقضة او المتفاعلة فيما بينها تصل بسرعة البرق الى الطرف الآخر، بالتالي يمكن أن تحدث فيه أثراً ما في هذا الاتجاه او ذاك. يمكن أن يكون اتجاهها إيجابياً ويمكن أن يكون اتجاهها سلبياً. فانفتاح الثقافات على بعضها البعض، يخلق نوعاً من البلبلة والتشويش في ذهن الرأي العام على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي في آن معاً، لذلك من الواضح أن هذه المخاطر التي يتعرض لها الإنسان كفرد اجتماعي خاضع لوسائل الإعلام اذا لم يكن يتمتع بالمناعة التي تسمح له باتخاذ موقف واعٍ من خلال ثقافته الشخصية والوطنية، ومن خلال معرفته وتكوينه الشخصي بالنسبة للكثير من الأمور، بل وهناك صلة وثيقة بين مستوى ارتباط الإنسان بمحيطه الاجتماعي، وبين استقامة السلوك ودرجة الفاعلية والإنتاج. فكلما كانت علاقة الإنسان بمجتمعه وثيقة دافئة، كان أقرب إلى الاستقامة والصلاح في سلوكه وسيرته، وأكثر اندفاعاً للفاعلية والإنتاج. بينما يساعد الفتور والبرود في العلاقات الاجتماعية على ظهور ونمو السلوكيات المنحرفة الخاطئة.
وقد تحدث بعض المفكرين والباحثين الغربيين عن تأثير ضعف العلاقة في مجتمعاتهم بين الفرد ومحيطه الاجتماعي، في بروز الظواهر السلبية والإجرامية  كمرض الاكتئاب، والشعور بالإحباط، وشدة القلق، سائر الأمراض النفسية، وكذلك ظاهرة الانتحار التي يتسع مداها في المجتمعات الغربية المعاصرة. مع كل ما يتوافر للإنسان هناك من وسائل الراحة والرفاء المادي.
 إن بلداً مثل سويسرا التي تُحظى بمركز متقدم في الاقتصاد والتقنية ومستوى المعيشة والتعليم، هي من بين أكثر الدول التي تنتشر فيها حالات الانتحار لا سيما بين الشباب. وطبقاً لبيانات المكتب الفيدرالي السويسري للإحصاء يقدم نحو «1300» شخص سنوياً على الانتحار ، «900» منهم رجال، والبقية نساء. أي بمعدل «4» حالات في اليوم، وهو معدل يثير القلق في بلد ينعم بالرفاء والاستقرار السياسي، ويصل عدد سكانه إلى نحو «5,7» مليون نسمة.
 وقد وضع عالم الاجتماع الفرنسي (اميل دوركايم 1858-1917م) تفسيرين لمشكلة الانتحار يؤولان إلى ذات الجذر وهو تأثير المحيط الاجتماعي. يتحدث التفسير الأول منهما عن علاقة وثيقة بين الانتحار وعدم القدرة على التكيُّف الاجتماعي، وذلك عندما تفقد المجتمعات المعايير والقيم التي تدعو إلى الترابط والتماسك، فكلما ضعفت تلك القيم ازداد الشعور بالانفراد والعزلة وحب الذات، فترتفع احتمالات إقدام الفرد على الانتحار عند تعرُّضه لأية أزمة، إذ يعتقد الفرد في هذه الحالة إنه صاحب القرار. أما التفسير الثاني، فيربط بين الانتحار والمتغيرات السريعة التي تمر بها المجتمعات، وعدم قدرة الشخص على التكيف معها، مثل الفشل في العثور على عمل، أو عدم تحقيق الأحلام والأمنيات المتعلقة بمستقبل أفضل. وقد درس (دوركايم) آلاف حالات الانتحار ليثبت مصداقية نظريته التي شرحها في كتابه (الانتحار)، ويؤكد باحثون غربيون على عدم قدرة المجتمعات الأوروبية على إيجاد روابط بين الناس تتماشى مع سرعة التحولات التي تمر بها، ليس من الناحية الاقتصادية فحسب، بل أيضاً على صعيد العلاقات الأسرية والشخصية، فيحدث نوع من الانفصال بين الشخص والمجتمع، ولا يعود يجد رابطاً بينه وبين الآخرين، ثم يشعر وكأنه غريب ومعزول.
إن مجتمعاتنا الإسلامية والتي كانت تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والتماسك الاجتماعي، وكانت تحتضن أبناءها بدفء واهتمام، أصبحت هي الأخرى مهددة بفقد هذه الميزة العظيمة، بسبب التحولات الاقتصادية والثقافية التي لم يواكبها تأهيل قيمي، وتطوير في أساليب وبرامج الترابط الأسري والاجتماعي، ما يجري في مجتمعاتنا يجب أن يثير القلق البالغ على المستقبل، وبدأنا نعاني مما تعاني منه المجتمعات الغربية من تفكك أسري، وأمراض نفسية، وحالات إجرام، وحوادث انتحار.
إن ما يجري الآن في مجتمعاتنا، يجب أن يثير القلق البالغ في نفوسنا على مستقبل المجتمع، خاصة أجياله الشابة الصاعدة، وأن يدفعنا للتفكير والعمل لمواجهة هذا المشكل الاجتماعي الخطير، وذلك بدراسة وبحث واقع الترابط الاجتماعي، ووضع البرامج والمعالجات لتطويره ورفع مستواه بما يتناسب مع قيم ديننا الحنيف، والأوضاع الاقتصادية والثقافية المستجدة. مستوى العلاقات الاجتماعية.
فطبيعة حياة الإنسان البشرية تفرض عليه التواصل مع المجتمع الذي يعيش فيه، أولاً لأن الإنسان يأنس بأبناء جنسه، ولا يستطيع أن يعيش من دونهم، أو بعيداً عنهم. وقد ذكر بعض اللُّغويين أن كلمة «إنسان» مشتقة من الأنس، على اعتبار أن الإنسان يأنس بمثله. ولو أنك وفّرت لإنسان كل ما يحتاجه في حياته المادية، وعزلته عن الناس، فإن ذلك بالتأكيد لن يريحه، ولهذا فإن السجن الانفرادي هو من أقسى أنواع العقوبات. فالإنسان بطبيعته يميل إلى أبناء جنسه ويأنس بهم، ولديه دافع طبيعي فطري للتواصل مع الناس. ثانياً: حاجات الإنسان الحياتية تفرض عليه أن يتواصل مع الآخرين، فهو لا يستطيع أن يوفّر كل حاجاته بنفسه، فقد يمرض فيحتاج إلى الطبيب، وهو بحاجة إلى العامل في البناء وغيره، وهو يشتري من السوق، ويبيع إنتاجه، وقد يعمل لدى أحد، أو يعمل لديه أحد، وبالتالي فإن طبيعة الحياة تجعل المصالح مشتركة، والحاجات متداخلة بين الناس، وهذا يفرض على الإنسان حالة التواصل مع محيطه الاجتماعي، لكن هذا التواصل يبقى في مستواه الأدنى، وفي حالته البسيطة الساذجة، إذ أن المجتمع يحتاج إلى نوع من التواصل بشكلٍ أرقى، وهذا يختلف من مجتمع لآخر. وقد كنا نعيش تواصلاً مكثفاً في مجتمعنا، حينما كانت الحياة على بساطتها، وكان الناس يعيشون في مناطق جغرافية محدودة، وضمن اهتمامات بسيطة، لكننا الآن، ومع التطور الذي حصل على واقع حياتنا،لم نعد نعيش درجة التواصل الاجتماعي السابقة. ولعلّ من أبرز الأسباب، انتشار الناس جغرافياً. فما عاد الإنسان مقيماً في نفس الحي الذي نشأ فيه،وانشغالات الناس واهتماماتهم تشعبت في هذا العصر، بعكس ما كانت عليه حياتهم في الماضي، إذ أنهم كانوا بمجرد أن يحلّ الظلام تنتهي جميع أعمالهم ويُصبح الوقت متاحاً للتواصل، وحتى في النهار فإن دائرة الاهتمامات عندهم كانت محدودة. أما في زمننا المعاصر، فقد انشغل الإنسان باهتمامات مختلفة، معرفية وعملية، مما قلل من حصة العلاقات الاجتماعية.
انخفاض الروح الاجتماعية عند أكثر الناس لصالح الاهتمام الفردي، حيث أصبح كل واحدٍ مشغولاً بنفسه، وفي بعض الأحيان حتى عن عائلته وأسرته. هذه الاهتمامات بعضها صحيح وبعضها غير صحيح، لكنها أصبحت على حساب التوجه الاجتماعي، وإن كنا مازلنا نحتفظ بدرجة من التواصل، هو في الغالب تواصل مناسباتي شكلي، كمناسبة الزواج ومناسبة العزاء.
 وما نحتاج إليه هو التفكير في التواصل ذي المضمون. ومضامين التواصل الاجتماعي المطلوب هي.. أولاً التقارب النفسي الروحي. فالحياة بطبيعتها فيها ضغوط ومشاكل، خصوصاً في هذا العصر، فيحتاج الإنسان إلى من يتضامن معه نفسياً، وإلى من يقترب منه روحياً، ليخفف عنه الآلام، ويرفع من معنوياته. ويحتاج الإنسان إلى من يستشيره ليستفيد من رأيه. وتُشير النصوص إلى هذا المضمون، وتُعبِّر عنه بإدخال السرور إلى قلب الأخ المؤمن. وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)،أنه قال: (من لقي أخاه بما يسره سرّه الله يوم القيامة)، وعنه (صلى الله عليه وسلم) قال: (من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على المسلم أو أن تفرج عنه غماً أو تقضي عنه ديناً أو تطعمه من جوع).
ثانياً: التعاون في تيسير شؤون الحياة، لأن كل مجتمع يواجه مشاكل، ولكل قوم في منطقتهم احتياجات، ولا يستطيع الإنسان بمفرده أن يحلّها ويعالجها، إنما يحتاج أن يتعاون مع الآخرين. وكمثال تقريبي، تربية الأبناء في العصر الحاضر عملية شاقّة، إذا أراد الأب أو الأم وحدهما القيام بهذا الدور، ولكن عندما تكون هناك برامج ولجان تخلق الأجواء الصالحة، وتسعى من أجل بناء جيل جديد بناءً سليماً، فهذا يقدم أكبر عون للأسرة على تربية أبنائها. ويؤكد القرآن الكريم على هذا المضمون في قوله تعالى : «وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ...» الآية.
ثالثاً: خدمه الأهداف المشتركة. فللمجتمع تطلعات وأهداف مشتركة، دينية أو سياسية أو اجتماعية، هذه الأهداف المشتركة تحتاج إلى تعاون وتواصل يساعد على تحقيقها، والإمام عليكرم اللع وجهه يُوصي بهذا المضمون في آخر وصيةٍ له ، فيقول: (وعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ والتَّبَاذُلِ، وإِيَّاكُمْ والتَّدَابُرَ والتَّقَاطُعَ). والتباذل هنا بمعنى البذل والعطاء.
التأكيد الديني على التواصل بين الناس محور أساسي في التعاليم والتوجيهات الإسلامية، حيث يذم الإسلام الرهبنة والعزلة، ويدعو إلى أن يتعرف الناس على بعضهم البعض. قال تعالى:« وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» الآية.
 ويجعل خدمة الناس ونفعهم من أفضل وسائل التقرب إلى الله تعالى، كما ورد عنه (صلى الله عليه وسلم) (خير الناس أنفعهم للناس). وإذا كان التواصل الاجتماعي محبوباً عند الله تعالى ومطلوباً في كل وقت وآن، فإن هناك ما يدل على خصوصية ليوم الجمعة في هذا المجال، فهو يوم يفرغ فيه الإنسان لما انشغل عنه أيام الاسبوع. إن ساعات يوم الجمعة غالية ثمينة، وحينما يأتي التوجيه الديني بصرف بعضها في التواصل الاجتماعي، فهذا دليل على أهمية هذا الجانب، وأنه يستحق أن تصرف فيه أغلى الأوقات، وحسب تأكيدات النصوص الدينية فإن أبواب قبول الأعمال عندالله مشرعة يوم الجمعة أكثر من أي يوم آخر، وثواب الأعمال فيه مضاعف، لذلك فإن أجر التواصل الاجتماعي فيه عظيم كبير لذلك لابد من الرجوع الى علاقات اجتماعية كما كنا وكانت دافئة بخيرها، الواحد لنا جميعاً والحمد لله رب العالمين.

البحث عن الرومانسية في الســــودان..بروفيسور: عبده مختـار

قبل ثلاث سنوات، سافرتُ برفقة زوجتي إلى الأردن لإجراء عملية جراحية، وكان يرافقنا من الخرطوم أحد الطلبة الأردنيين، والذي كان يُحضِّـر لدرجة الماجستير تحت إشرافي، حيث جاء الى السودان بتوقيت مقصود لكي يعود معنا في طائرة واحدة. والطالب يعمل في وزارة الداخلية الأردنية. وحقيقة قدم لي خدمة عظيمة (جزاه الله خير الجزاء). وهناك في مطار الملكة علياء في عمان، كانت في انتظارنا زوجته وهي طبيبة صيدلانية. فأخذتنا بسيارتها إلى بيتهما، وأصرَّ الرجل على تناول وجبة معهم قبل مغادرتنا إلى البحث عن طبيب وإلى شقة ننزل فيها مع زوجتي وابنتي الصغيرة.
لفت نظرنا الطريقة التي استقبلته بها زوجته في المطار وتبادل كلمات الشوق والهيام في الطريق من المطار إلى داخل المدينة. ومع أن الزوج فارقها لمدة أسبوع واحد، ولكن استمرت عملية تبادل كلمات الشوق من شاكلة (وحشتني وافتقدتك، واشتقت ليك كثير ...) في أثناء وجودنا ونحن نشاركهما الوجبة في السفرة في داخل منزلهما الأنيق، وبعد أن وجدت زوجتي فرصة للحديث معي على انفراد قالت لي: «يعني ما نسمعه في المسلسلات ليس هو تمثيل فقط، بل هو أسلوب حياتهم العادية». وهي تقصد أن الرومانسية متوافرة عندهم عادي ويعيشونها في الواقع.
وثمَّة مشهد آخر في مستشفى الشميساني بمدينة عمان، حيث خضعتُ لعملية جراحية هناك. وفي غرفة الانعاش كان يشاركنا شخص آخر أردني وكانت ترافقه زوجته. كان ذلك المريض قد خرج لتوِّه من العملية وبدأ يعيش لحظات انتهاء أثر التخدير. فبدأ يئن ويتأوَّه. وكانت زوجته تجلس بجانب رأسه وهي تضع يدها عليه وأحياناً تضع قُبلة على جبهته تخفف عليه. أما أنا في الناحية الأخرى في الغُرفة فكنتُ (آكل ناري براي) بينما زوجتي في السرير المقابل وهي تنظر لي من على البُعد. فقلتُ لها: (شوفي الأردنية دي بتعمل شنو وإنت قاعدة تتفرجي عليَّ بس!!) فقالت زوجتي: (إنتو ما علمتونا كدا)!
أفحمتني وأخرصتني زوجتي بتلك العبارة وردّتْ الكرة إلى ملعبي وملعب كل رجل أو زوج سوداني. ومنذ ذلك اليوم صرتُ اهتم بالرومانسية. فاكتشفتُ شيئاً ما سوف أقوله لكم في آخر هذا المقال.
بمناسبة أسبوع المرأة السعيدة أو يوم المرأة العالمي، هناك فيديوهات ورسائل نصية بالإنجليزية متداولة في الواتساب. ففي رسالة خاصة بالمرأة في يومها ما يمكن ترجمته:
التحية للمرأة لأنها:
تغيِّـر اسمها (طبعاً لأنها تلحق اسمها باسم زوجها- وهذا في الغرب طبعاً)؛ ولأنها تغير بيتها؛ تترك أسرتها، تتحرك معك، تبني معك بيتاً، تحمل لك، الحَمْل يغير جسمها فتصبح بدينة، لا تقوى على العمل والحركة والنشاط أثناء الحمل وآلامه؛ وحتى الأطفال الذين تلدهم سوف يحملون اسمك حتى وفاتك؛ تعمل كل شيء: الطباخة، نظافة بيتك، الاهتمام بوالديك، تربية أبنائك، تشارك في دخل الأسرة، تقدم لك الرأي والمشورة في كل شيء، تصون علاقات الأسرة، تعمل أي شيء لفائدتك، وأحياناً على حساب صحتها وجمالها..
إذن.. مَـنْ الذي يقدم خدمة للآخر؟
أيها الرجال (تقول الرسالة) يجب عليكم تقدير ما تقوم به المرأة في حياتكم. لأن من الصعب أن تكون امرأة، أن تكون امرأة يعني أن تكون بلا سـعر(priceless) أي تقدم المرأة الكثير بلا مقابل.
أستميح القارئ عذراً في تقديم الجزء الأخير من الرسالة بالإنجليزية مع الترجمة: عملت الرسالة على تفكيك كلمة مرأة بالإنجليزية (woman) حرفاً حرفاً بحيث يدل كل حرف على قيم ومعانٍ سامية كما يلي:
الحرف الأول W يشير إلى أُم مدهشة Wonderful mother. والحرف الثاني (O) يعني صديق متميز (Outstanding friend)، والحرف الثالث (M) يعني ابنة رائعةDaughter Marvelous  والحرف الرابع (A) يعني شقيقة بديعة Adorable sister والحرف الخامس (N) يعني أجمل هدية من الله للرجال Nicest gift from god to men
وهناك فيديو فيه إعلان لوظيفة وتتم المعاينة إلكترونياً بالفيديو مباشرة. حيث يقول مقدم الوظيفة وهو مخاطباً الطرف الآخر ويرد على التساؤل عبر الشاشة: إن الوظيفة تحتاج لقدرة كبيرة على التحمل، وصبر، وليس بها وقت  للراحة، وتتطلب الوقوف كثيراً وليس بها إجازة ولا وقت للأكل وتشمل كذا وكذا من مهام ومسؤوليات.. ثم بعد كل ذلك هذه الوظيفة ليست لها مرتب! فجاء تعليق المتقدمين كلٌ على حده،  بصورة مختلفة من التعبير عن الدهشة مثل: هذا فظيع، هذا غير إنساني inhumane هذا جنون، هذا ظلم، هذا مستحيل.. ثم أضاف لهم مقدم الوظيفة قائلاً: لكن هناك شخص يقوم بها. زادت دهشتهم فقال لهم: إنها المرأة/الأم! إحدى المشاركات في (المعاينة) أرسلت كلمات مؤثرة لأمها ثم أخذت في البكاء الشديد..
أعود للرومانسية التي اكتشفتُ من خلالها أن المرأة «مصنع» أو «صندوق» للسعادة. لكن هذا الصندوق مغلق. مفتاحه عند الرجل/الزوج. يتكوَّن معدن المفتاح من معاملة لطيفة وكلمة حلوة (لاحظ أن زوجتك قد تكون مدمنة مسلسلات لأنها تريد أن تعيش بخيالها في هذه الرومانسية الافتراضية، فعليك أن تجعلها واقعاً تعيشه بدلاً عن أن تتركها تهرب بروحها بعيداً عنك)..
إذن.. ليس صعباً أيها الزوج أن تنتج السعادة وتزرع الفرح في حياتك من خلال سلوكيات بسيطة تبدأ بـأن تتجنب أن تدخل البيت عابساً أو (مكشِّر) أو متجهماً، ثم بعد ذلك بقليل من الرومانسية تحصل على حب دائم وسعادة مستدامة..