وزير الدفاع الجديد أولياته الجنود والسلام حديث أكثر من رائع!!..عبدالسميع دفع الله

لم يكن اختيار الفريق الركن عوض بن عوف لمنصب وزير الدفاع محض مصادفة أو موازنة أو ترضية، فالرجل عبارة عن مجموعة خبرات متراكمة وطاقة تعمل كمد وجزر المحيطات، وربما لن تسع الصفحات إن شرعنا في ذكر السيرة الذاتية له، بيد أننا يمكن أن نقول إنه القائد العسكري والدبلوماسي والخبير الأمني وابن البلد الشهم الكريم المتواضع والأمين والوطني الغيور، فكلها عناوين إن تم تفصيلها فسنحكي عن كتاب ضخم من الصيت الحسن والسيرة العطرة الطيبة.
نهار السبت التاسع والعشرين من أغسطس المنصرم أدى الرجل القسم وزيراً جديداً للقوات المسلحة السودانية، وحين خروجه كعادة الوزراء الجدد الإدلاء بتصريحات وفي الغالب والعادة أن تكون تصريحاتهم تقليدية مع وعود جوفاء بأن يحفظ الأمانة ويعمل وفقاً لتوجيهات الرئاسة السودانية مع شوية تمنيات للشعب بتحقيق إنجازات قد ينفذها أو ينساها حال مغادرته موقع أداء القسم خاصة بعد أن يغرق في بحور الوزارة وتفاصيل المنصب.
ولكن وزير الدفاع الجديد الفريق عوض بن عوف كان موفقاً بدرجة كبيرة في تصريحاته الأولى المقتضبة والهادئة الرزينة كيف لا والرجل لا يبدو أنه فرحان ومسرور بالمنصب، فهو يعتبره نوعاً من الأمانة ثقيلة الحمل وفوق هذا وذاك فهو لم يسع أو يجر وراء المنصب، فقد تقلب الفريق عوض بن عوف طوال مسيرته في عدة مسارات، فمن عالم الجيش ولج إلى الأمن والمخابرات وعمل مستشاراً أمنياً بسفارتنا بالقاهرة في تسعينيات القرن الماضي، وعاد ضابطاً رفيعاً بجهاز الأمن الخارجي، ثم عاد مرة أخرى للقوات المسلحة في رئاسة هيئة الأركان ثم رئيساً لهيئة الاستخبارات، ومنها تقاعد برتبة فريق تاركاً سمعة طيبة في الأوساط العسكرية. ومؤخراً تم تعيينه سفيراً في سلطنة عمان. وقد كان خير سفير وممثل لبلده وهو ما دعا السلطان قابوس لتكريمه وتقليده بأرفع الأوسمة حين مغادرته السلطنة قبيل انتهاء فترته بعد تكليفه بمنصب وزير الدفاع بالسودان.
ونعود إلى تصريحات الرجل، حيث تحدث السيد وزير الدفاع في فاتحة تصريحاته حول نقطتين فقط وقد كانتا مؤشراً واضحاً على أن الرجل متفهم للقضايا المحلية والإقليمية والدولية، ولذلك جاءت تصريحاته الأولية وهو يشير إلى أن أولى أولياته هي الاهتمام بالجندي السوداني. وقال بالحرف «اهتمامي سيكون بالجنود قبل الضباط» و«بالسلام قبل الحرب». ويا لها من تصريحات رائعة بحق وصادقة!! ففي العادة وزير الدفاع في دولة تعاني من وجود مجموعات من حركات التمرد التي ما زالت تنشط في جنوب كردفان وبعض الجيوب بولاية شمال دار فور، في العادة أن يتحدث وزير الدفاع عن الحسم والضرب بيد من حديد ووعود بالقضاء على التمرد وغيرها من الكلمات التي لا تخدم قضايا السودان المعقدة.
ولكن أن يتحدث الوزير الجديد بلغة جديدة ووعود طيبة مفادها أن أولياته في الوزارة السلام وليس الحرب، مع حديث طيب ومناشدة للمجموعات المتمردة و إعطاء إشارة الأمن والأمان بأنهم في حال قرروا أن يلعنوا الشيطان وينبذوا الحرب، فسيجدون كل التعاون، وستكون حدود السودان مفتوحة لهم وستؤمن القوات المسلحة دخولهم وخروجهم في حال اتفقوا أم لم يتفقوا!! حديث رائع وفى غاية النبل ونتمنى أن تلتقط الحركات المتمردة تلك الإشارات لتجرب حلاوة السلام، فقد شبعت من مرارة الحروب ولا جديد منذ ما يقارب العقدين من الزمان، فإلى متى ستعيشون وكم سنعيش نحن فلم يتبق من العمر الكثير، فأمة محمد متوسط عمرها ستون عاماً أو أقل من ذلك.

الإصلاح.. المحاور والمعالجات..د. ربـيع عبـد الـعـاطـي عبيد

> إن كلمة إصلاح، كلمة محببة للراغبين فى الإصلاح، والمصلحين على حدٍ سواء، ولا يرفضها إلا الذين لا يعجبهم العجب، ولا الصيام فى رجب كما يقول بذلك القائلون، ولكن تبقى توجهات الإصلاح لدينا، هى الأولى، والإرادة نحوها هى الأبقى، وعلى الذين يسعون بخلاف ذلك، فلن يذهب كيدهم ما يغيظ.
> وبالوقوف على موجبات الإصلاح، وعناصره، قد لا يستطيع المرء حصر جوانبها ومطلوباتها، لكنه السعى الذى ينبغى ألا ينقطع، والجهد الجامع لمن جمع فأوعى، وفكر واقتدى، وتوكل على الله فما تأبطه القنوط، ولا استبد به الهوى.
> ومن كانت أهداف الإصلاح، هى غايته ومحطته التى يقصدها، فإنه قد سلك طريقاً نهايته هى السلامة، وأوله الدعاء المستجاب بإذن الله الذى قال فى محكم تنزيله «أدعونى أستجب لكم»
> وما دمنا، قد اعتمدنا الإصلاح منهجاً ورؤية، ومخرجاً من كل أزمة أطلت برأسها، ومشكلة لاحت نذرها، فإننا بهذا النهج نكون قد سلكنا مسلكاً سوياً وصراطاً للهدى، ليس هناك ريب من استقامته، وضمان الوصول به إلى ما نرمى من غايات، وما نستهدف من أهداف.
> فالمجتمع، لا يصلح أجياله، وترتقى قيمته، إلا باتباع نهج الطهارة والأمانة، وسمو الأخلاق، ليكون رضاء الله فوق رضاء العباد، وعبادته هى التى نتوسل بها لخير الدنيا والآخرة على نحوٍ ليس فيه تمييز أو اختلاف. وإذا كان الهدف الأسمى لمن يتولون أمر هذه الرعية، قائماً على الإبقاء بما يتطلبه، والخضوع لما يرفع عنها البلايا والرزايا، لما ترددوا فى الاجتهاد لاختيار البطانة الصالحة، التى لا تأكل إلا إذا أكل النّاس، ولا تشعر بالدعة والراحة، بينما يلتهم الجوع ويفتك العطش بجزء من الرعية هو الغالب بين النّاس.
> والإصلاح لا يتم إلا باتباع، سياسة راشدة، وحكم عادل، يكون الضعيف فيه هو القوي حتى يؤخذ الحق له، والقوى هو الضعيف حتى يؤخذ الحق منه، ولا يجوز مطلقاً، ونحن ندعو إلى الإصلاح، بأن نغمط حقاً لمواطنٍ، بسبب إجراءات قضائية مطولة، تجعله يتنازل عن حقه مرغماً لا طوعاً، أو يشكو إلى الله لقاء ما حاق به ظلمٍ، علماً بأن الله سينصر المظلوم ولو بعد حين.
> وإصلاح الاقتصاد لا تؤتى أكله وتثمر ثماره، والمرء إذا نام ليلة، ثم أصبح عليه الصبح، تناقصت سلعه، وخُصِم ما يساوى 50% من رأسماله بسبب تناقص قيمة العملة السودانية، وازدياد نسبة التضخم، فيجد فجأة بأن الذى فرط فيه من سلع ٍ لا يستطيع أن يعوضه، وهكذا يؤول رأسماله إلى الصفر، فيتحول بعد أمدٍ قصير من تاجرٍ كانت مخازنه تفيض بالبضاعة، إلى متهم تلاحقه بلاغات المصارف لعجزه عن سداد قيمة المرابحات.
> والذين يتوقون نحو حريات واسعة، ورأى يلقى احتراماً من الأقليات والأغلبيات، فى عالم التنظيمات الحزبية، لا يطالبون بالحرية، وهم يرون بأم أعينهم بأن المسألة قد تجاوزت الحرية إلى المغانم والمنافع، ولا يحترم شخص أو يوهب تسهيلاً إلا إذا كان من الذين ضاقت بهم مساحات الحرية الواسعة، فلم يجدوا منها ما يروي ظمأهم، ويستجيب لحاجتهم، فلجأوا إلى رفع السلاح والتمترس خلفه، ليس من أجل حريات كانت مساحتها ضيقة، وإنما لأن الأمر لم يعد مربوطاً بحرية، بقدر ما هو صراع حول السلطة، وفى هذه الحالة كما نعلم جميعاً فإن السلطة أصبحت ذات صلة وثيقة بما يملكه المرء من مالٍ وسلاح، والإصلاح المستهدف لا بّد أن يضبط هذه المعادلة التى أصبحت فى وقتنا الحاضر على درجة من الاختلال.
> والإصلاح فى نهاية المطاف، ليس شعاراً تلوكه الألسنة، وإنما هو مشروع ضخم، لا نقول بأنه كالسفر القاصد، أو الرحلة التى لا تحفها المخاطر، فقليلون هم الذين يركبون فى سفينته، وكثيرون هم الذين يعتقدون أن الإصلاح سينسف عليهم ما اكتسبوه من مال حرام.. «وما أكثر النّاس لو حرصت بمؤمنين» صدق الله العظيم.

ردي على الدكتور الجمهوري محمد محمد الأمين عبد الرازق «4 ــ 5»..ايوب صديق

كنتُ أرجو أن يكون هذا الردَ الرابع والأخير في ردودي على الدكتور الجمهوري محمد محمد الأمين عبد الرازق، ولكن تسلسل أسباب الحديث، أوجب أن يكون هذا هو الرد قبل الأخير. أتناول هنا ما استهل به الدكتور رده الاول عليَّ، حيث قال فيه إنني أعمل: «على تشويه قامة روحية، هي مصدر فخر للشعب السوداني بما قدمت من فكرة سودانية من قلب الإسلام، وبما شاهد العالم من مواقف رفعت رأس المثقفين السودانيين عالياً، بين حملة الفكر في العالم». هذا قول الدكتور الجمهوري. فأنا لو كنتُ أعتقد اعتقاده هذا في محمود لما كتبتُ ما كتبت، فما كتبتُ إنما يدل على رأيي في مُلهِمه ومعتقده. أما قوله عنه إنه: «مصدر فخر للشعب السوداني» فهذا يذكرني بكلام السياسيين عندنا، إذ تجد منهم من ينتمي إلى حزب صغير لا يتجاوز أعضاؤه رواد أحد المقاهي، ثم تراه يتحدث للناس باسم الشعب السوداني. ثم كم هم أنصار الحزب الجمهوري من المثقفين السودانيين الذين رفع محمود رأسهم عالياً بين حملة الفكر في العالم؟ وكم بقي منهم الآن بعد أن مضت في محمود سنة الله في خلقه؛ فمات بعد أن قال إنه لن تُمس منه شعرة، وزعم منكم من زعم بأنه لن يموت حتى يعم فكره أرجاء الغبراء؟
عندما أورد الدكتور الجمهوري نص ما قاله الطيب صالح عليه رحمة الله في حق زعماء الإنقاذ، معتبرًا قوله مقياساً للوطنية الصادقة، وأنه قاله إبان عمله في هيئة الإذاعة البريطانية، الأمر الذي لم أفعله أنا حيث قال عني: «يبدو أن السيد أيوب صديق، له مشرب غريب نقيض للطيب صالح، فهو مؤيد للكبت وإقصاء الآخر، وغارق في التطرف إلى أخمص أذنيه كأنه كان يعمل في إذاعة «داعش» لا إذاعة لندن!!» أولاً أنظر عزيزي القارئ إلى عبارة الدكتور الجمهوري التي وضعتُ أنا تحتها خطاً وهي: «غارق في التطرف إلى أخمص أذنيه»، ومن الواضح أن الدكتور لا يعرف أن الأخمص جزءٌ من القدم وهو باطنها الذي يتجافى عن الأرض، وليس هو جزءاً من الأذن، فيا لك به من «عالم» جمهوري. فأخبرته بأن الطيب قال ذلك بعد ما ترك العمل في هيئة الإذاعة البريطانية في عام 1976م ولم يقله إبان عمله فيها، إذا ليس مسموحاً للعاملين بها الكتابة عن البلدان الأخرى إلى آخر ما قلته في موضعه.
لكن الدكتور الجمهوري الذي يروم نصر قوله بالباطل، عمد إلى جزء آخر من قولي، الذي ذكرتُ فيه ما قمتُ به من عمل لرفد مكتبة القسم العربي بمادة إذاعية من السودان، وكل ذلك كان بجهد شخصي، حيث قلتُ: «كان لعلمي بضعف الإعلام عندنا في السودان، ولحاجة الإذاعة كذلك لأي مادة من السودان، ولعلم القائمين عليها بعدد مستمعيها فيه، ولاهتمامهم بما تذيعه ولمكانتها في نفوسهم، وكنتُ أجد منهم كل تشجيع على ما أقوم به من جهود إثرائها بالمادة السودانية»، وانظر قارئي العزيز إلى العبارة الأخيرة من قولي وهي:«وكنتُ أجد منهم كل تشجيع على ما أقوم به من جهود إثرائها بالمادة السودانية» وهي عبارة أعني بها المسؤولين القائمين على أمر الإذاعة، حيث كانوا مسرورين لرفد مكتبة الإذاعة بتلك المادة التي كانت في حاجة شديدة إليها والتي تسهم في جذب مزيد من المستمعين السودانيين إليها. ورغم هذا الوضوح في التعبير انظر ماذا قال هذا الدكتور الجمهوري، الذي لا يعرف أين يكون الأخمص: «هل فعل السيد أيوب كل ذلك مخالفة لقانون الإذاعة البريطانية، ثم تركه الإنجليز يستمر كل هذه السنين!!؟؟» هذا قوله، فماذا تقول عزيزي القارئ في رجل كهذا؟ أما أنا فأقول؛ إما أنه لا يدرك ما يقرأ، وإما أنه يمضي مَقودًا بعادةٍ غالبةٍ عليه في لي عنق الحقيقة ولا يمنعه من ذلك شيء من الحياء. وواقع الأمر أن النظر إلى النص ببصر غاله الغرض، وبصيرة ران عليها الهوى، أمر يحجب وضوح كلماته ولو كانت الاستعانة عليها بعدسة قراءة مكبرة.
قال الدكتور في مقاله الثاني الآتي نصه: «والغريب أن السيد أيوب قال إن الأستاذ محمود اعتنق العقيدة المزعومة في الأربعينات، مع إن دعوة الرسالة الثانية بدأت عام 1951م، ففي الأربعينات كان الأستاذ محمود يعمل في إطار ملء فراغ الحماس ضد الاستعمار ولم يطرح أفكاره الدينية إلا بعد نهاية الأربعينات»، هذا ما قاله الدكتور الجمهوري وهنا جانب الحقيقة، فالذي قلته نصاً هو: «فإذا بذلك الإنجليزي العجوز يقول إنه كان هناك رجل إنجليزي بهائي في السودان، وكان يدرس محمود محمد طه العقيدة البهائية في كوستي عام 1945م»، هذا ما قلته، وما هو التناقض بين أن يعتنق المرء أمراً في مرحلة ما، ثم بعد أن يختمر ذلك الأمر في نفسه يبدأ ممارسته أو نشره بين الناس، بعد فترة تطول أو تقصر؟ وهذا معلوم مشهود. ثم كيف عرف ذلك الإنجليزي محموداً ومن كان يتلقى عنه هذه العقيدة إن لم يكن فعلاً التقى به في تلك السنوات؟
«يتبع»