من لا يستطع عليه الاستقالة... ربـيع عبـد الـعـاطـي عبيد

>   إن العمل فى الدول المتقدمة، والتي تتطلع نحو النهوض لا يُكلّف به إلا القادرون والمتميزون فى أدائهم، والمعروفون بإنجازهم، المستند إلى الكفاءة والتأهيل، إذ يبقى فاقدو الموهبة، ومدمنو العطالة بعيداً عن المواقع الحساسة، والمملوكة بكاملها للجماهير.
>   والدول التي سبقتنا في مضمار الصناعة والحداثة، وتكنلوجيا الاتصال والمعلومات، لم يتم ارتيادها لتلك الآفاق بمجموعات تعوزها المعارف العلمية، ولا التجارب العملية، وإنما توسلت بالعلماء الأفذاذ، والشخصيات التي أصابت ذروة سنام المعرفة، بالدراسات العميقة، والخبرات المصقولة، فكان الذي نراه من دول عملاقة، وبيوتات لا تهتز في مجالات الاختراع والإبداع.
>    وفي بلادنا، لاأرى أن دولاب الدولة، وصناعة السياسة في مكاتبها، تختط هذا المسار، وإنما إنشغل ولاة الأمر بتحديات اختلطت فيها جوانب الأولوية، واضطربت معايير التسلسل، فكانت البداية ليست من الخانة الأولى، بل قفزت إلى العاشرة، أو ما فوق ذلك، وهذا هو مصير الذي أجهدته وطأة التكاليف، وهاجمته صروف الزمان، بمصائب وابتلاءات فاضطربت لديه موازين التسلسل، وغابت عن عقله حسابات المنطق فراح هنا وغداً هناك فكانت النتيجة بأنه لا غداً ولا راح.
>   والنصيحة التي نأمل أن يستمع إليها من أُسندت إليه أية مسئولية، ألاّ يتطاول على مهمة ليس لديه ما يكافئها، وألاّ يجعلنا نهدر زمناً هو مخصومٌ من عمرنا، أو مالاً كلفنا جمعه الغالي والرخيص، فنحرق ثروة بجهلٍ تأبطنا، ونُفشِلُ سعياً بُذِلَت من أجله أنفس وضحى في سبيله شهداء، هم ثمرة الفؤاد، وفلذات الأكباد.
>   والاستقالة من المنصب ليست عيباً لمن وجد أنه عاجز، أو أن هناك من هو أجدر منه على سد ثغرة ظلت مكشوفة، ومسؤولية استمرت دون أن تجد من يتحملها، ويعطيها ما تستحق من جهد ووقت.
>   فالمعتمد لمحلية من المحليات إن ظل أهلها يجأرون بالشكوى، ويعانون من أكوام القمامة وسوء التنظيم، ورداءة الطرق، وجيوش الذباب،  ودربكة الحركة، عليه إلاّ يتجاسر بالبقاء فى موقعه، وإلاّ فإن العبء لإعفائه يقع مباشرة على من عينه، وأوكل إليه مثل هذه المهمة، وإن لم يفعل، فالظلم ظلمات يوم القيامة ولات ساعة مندم.
>   والوالي بأية ولاية الذي تعيش رعيته على الكفاف، ومواطنوه على العذاب، فلا يكلف نفسه بالمرور على بيت للمسكين، ولا يربت على كتف لليتيم، ويبقى فقط مستريحاً في قصره الفخيم، وبين حراس أمنه، ورعيته غير آمنه، ولا مطمئنة، فهو والٍ أقل ما يقال عنه إنه سفيه قومٍ وجد نفسه على رأس أمة، فخيب ظنها، وأفشل أملها، ومن الخير له ألف مرة أن يبارح الموقع، ويترجل عن هذا الكرسى، بدلاً من أن تلاحقه لعنات الجماهير، وقبل ذلك يحل به سخطٌ من الله، وبؤسٌ يجعل مصيره أسوأ من مصير النمرود بن كنعان.
>   ومدير المؤسسة الذي يغلق بابه عن موظفيه، أو عن الجماهير التي تطلب خدمة يفترض فيه أن يقدمها لهم فهو مدير فاشل، ينبغي أن يصُدر بحقه قرارٌ للإعفاء قبل طلوع الشمس، وليس بعد غروبها، وهذا النمط من المديرين في المؤسسات والوزارات والهيئات ما أكثرهم، وإن اضطررنا سنورد أسماءهم ومواقعهم، دون خشية، في مقالات لنا بإذن الله قادمات، وعليهم أن  يستعدوا لحلاقة رؤوسهم  قبل أن تحلق لهم على وجه الإجبار والإكراه.

عـــمـــارة تــحــت الأرض!..محمد التيجاني عمر قش

المكان عبارة عن غرفة صغيرة، مفروشة بقطع بالية من الموكيت، توجد بها طاولة متهالكة ودفاتر مبعثرة وبعض أقلام قديمة، وكراسي بلاستيكية وبراد ماء، في حي شعبي بشرق الرياض يتخذها أحد سماسرة تحويل العملة مكتباً له. في تلك اللحظة كان بالغرفة عدد من الأشخاص بينما كان صاحب المحل منشغلاً بمكالمة هاتفية مطولة، كان صوته يعلو فيها وينخفض، وأحياناً يحلف بالطلاق مثلما يفعل تجار العملة عادة ليوهموا عملاءهم من الحاضرين بتذبذب الأسعار! دخل إلى تلك الغرفة رجل تبدو عليه سيما الذكاء والعبقرية، تكسو محياه الهيبة والوقار، ويخالط ذلك كله بعض علامات الأسى والحزن العميق. سلّم وجلس حيث انتهي به المجلس. وضع صاحب الدار سماعة الهاتف على الطاولة بعد أن أنهى مكالمته ثم التفت إلى ذلك الرجل مرحباً به فقال:
ــ معليش المكالمة شغلتني عنكم شوي.
ــ بسيطة يا سيد جلال.
ــ اسم الكريم منوه؟
ــ صابر.
ــ مرحباً يا باشمهندس صابر.
قال تلك العبارة ونهض من الطاولة ليصافح زبونه!
ــ في الواقع أنا من طرف صاحبك علي.
ــ نعم. أخونا علي راجل حبوب وهو فعلاً اتصل علي وكلمني عنك يا مهندس صابر.
ــ الله يجزيه عنا ألف خير. وهو واعدني أننا نتقابل هنا!
ــ نعم اتصل عليْ وقال جاي.
ــ ما في مشكلة. ننتظر على بال ما تخلص مع الجماعة ديل.
التفت جلال إلى زبائنه وكأنه يقول لهم استعجلوا فلدي عميل مهم جداً الليلة. سلّم كل من الحضور ما لديه من مبلغ ودون جلال اسم وعنوان المستفيد في السودان وأنصرف الجميع إلا صابراً وشخصي. وصل السيد علي بعد ذلك بقليل. بدأ يتحدث عن أحوال السوق ويمزح مع جلال حتى ارتفعت أصواتهما بالضحك. ومن ثم قال علي:
- يا ريس زي ما كملتك في التلفون المهندس صابر دا عنده مبلغ كبير عاوز يحوله. - جداً نحن حاضرين للخدمة.
- طيب يا أخ جلال دي أول مرة نتعامل فيها معاك وأنا في الحقيقة لا أعرف طريقة التحويل حقتكم كيف؟ هكذا سأل صابر.
- بسيطة جداً وسوف تجدنا عند حسن ظنك إن شاء الله.
- يا باشمهندس أخونا جلال دا زول ثقة ومعروف لدينا وعشان كدا ما تشيل هم واعتبر غرضك مقضي وعلى مسئوليتي.
- توكلنا على الله يا أبو علوة.
أخرج صابر عشر رزم من الريالات من حقيبة صغيرة ووضعها على طاولة جلال. لم يكن الأخير يتوقع أن يكون المبلغ بهذه الضخامة فنظر إليه بشفقة ودهشة. ثم قال:
- بالله يا علي عد المبلغ دا كم.
-  مائة ألف يا ريس.
-ربنا يزيد ويبارك يا باشمهندس.
- الله  يجزيك خيراً. بس طريقة التسليم كيف؟
- إن شاء الله بعد يومين يمشي زولك الموكل في الخرطوم ويجد المبلغ جاهز عند أخوانا في السوق العربي. اطمئن يا زول ما في عوجة تب.
ودعنا صابر ثم انصرف. التفت إلى علي وقلت:
ــ  يا أخ علي ممكن أسألك؟
ــ  تفضل!
ــ المهندس باين عليهو مغلوب على أمره.
اعتدل علي في جلسته وظهرت على وجهه مسحة من الحزن فقال بصوت مبحوح:
- تخرج المهندس جلال من كلية الهندسة بمرتبة الشرف في الهندسة المعمارية واختير معيداً في الكلية وبعدها تحصل على منحة مجانية من جامعة عريقة في ألمانيا حيث حصل على درجة الماجستير في تخصصه ثم عاد للعمل بالجامعة، ولكن لم يمكث بها طويلاً لأنه تحصل على عقد للعمل لدى واحدة من كبريات الشركات الهندسية في الرياض بمخصصات عالية جداً. خلال العشرين سنة الماضية لم يكن صابر يستطيع دخول السودان؛ لأنه كان من المعارضين لحكومة مايو. اشترى المهندس صابر قطعة أرض متميزة في كافوري لأنه من سكان بحري وكلف إخوته، الذين أنفق على تعليمهم وتربيتهم حتى تخرجوا من الجامعة، بالإشراف على المباني. كان الإخوة من وقت لآخر يرسلون له صوراً للمنزل الذي أشرف على تصميمه بنفسه؛ فكان يقول لهم إن هذا الهيكل غير مطابق للتصميم فصاروا يوهمونه بأن البلدية قد طلبت إجراء بعض التغييرات. سقطت حكومة مايو وعاد صابر إلى السودان محملاً بالهدايا للأسرة والأصدقاء. وبعد يومين، ذهب ليتفقد منزله؛ فلم يجد سوى حفرة كبيرة في الموقع!  في مساء ذلك اليوم استدعى إخوته بحضور والده وأحد المحامين ثم قال:
- أنا خسرت قطعة أرض ولكنكم خسرتم أخاكم الكبير. عموماً، أحمد الله على ما حصل وأريد منكم أن تحددوا واحداً منكم لأسجل له القطعة. نكسوا رؤوسهم خجلاً ولكن قال أوسطهم:
- سجله باسم معتز لأنه أصغرنا.
سألت علياً ولكن لماذا يحول هذا المبلغ:
فرد بقوله:
- لقد وجد عمارة شبه مكتملة عن طريق أحد أصدقائه وهو الآن بصدد شرائها.
قمت لأنصرف وقام علي ولكنه رجع من الباب قائلاً  لجلال:
-حقنا يا ريس.

من سيرة صحابي جليل، وداعية إسلامى معاصر..الطيب شبشة

من كرامات الأدعية النبوية الشريفة، كرامة  ذلك الدعاء الذي أسر به سيدنا  النبي الرسول محمد بن عبد الله «عليه الصلاة والسلام» لخادمه الصحابي الجليل «أنس بن مالك» والذي كان يدعو به عقب كل صلاة فجر كما علمه الرسول الكريم، وكان قد دعا به صباح ذلك اليوم جاءه فيه عبد الله بن أبان الثقفي، الذي قال: وجهني الحجاج في طلب انس بن مالك، فظننت أنه يتوارى عنى، فأتيته بخيلي ورجلي ، فإذا هو جالس على باب داره ماداً رجليه:
فقلت له: أجب الأمير !
فقال: أي الأمراء؟!
فقلت: أبو محمد الحجاج.
فقال وهو غير مكترث: أذله الله وما أعزه .. لأن العزيز من عز بطاعة الله، والذليل من ذل بمعصيته، وصاحبكم قد بغى وطغى وخالف كتاب الله وسنة نبيه«صلى الله عليه وسلم» والله لينتقمن الله منه.
فقلت: اقصر عن الكلام، واجب الأمير، فقام معنا حتى حضر بين يدي الحجاج.
فقال الحجاج: أنت انس بن مالك ؟
قال: نعم
قال: أنت الذي تدعو علينا وتسبنا؟
قال: نعم
قال: ومم ذلك؟
قال: لأنك عاص لربك، مخالف لسنة نبيك«صلى الله عليه وسلم» تعز أعداء الله وتذل أولياء الله.
قال الحجاج: أتدري ما أريد ان أفعل بك ؟
قال أنس: لا
قال الحجاج: أريد أن اقتلك شر قتله.
قال أنس: لو علمت أن ذلك بيدك لعبدتك من دون الله، ولكن لا سبيل لك إليّ!
قال الحجاج: ولم ذلك؟
قال انس: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمني دعاء، وقال لي «من دعا به في كل صباح لم يكن لأحد عليه سبيل»، وقد دعوت به في صباحي هذا.
قال الحجاج: علمنيه.
قال أنس: معاذ الله ان أعلمه احداً ما دمت أنت في الحياة.
قال الحجاج: خلوا سبيل!
قال الحاجب: لنا في طلبه كذا وكذا يوماً حتى أخذناه، فكيف تخلي سبيله؟
قال الحجاج: رأيت على عاتقيه أسدين عظيمين فاتحين فيهيهما! يريدانني! الدعاء النبوي الشريف كما أعلنه أنس بن مالك«ر»
وقبل أن يتوفاه الله علم سيدنا أنس بن مالك الدعاء لإخوانه وهو كالآتي: «بسم الله الرحمن الرحيم... باسم الله خير الأسماء.. باسم الله الذي لا يضر مع اسمه أذى... باسم الله الكافي.... باسم الله المعافي ... باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم..... باسم الله على نفسي وديني .. باسم الله على أهلي ومالي.. باسم الله على كل شيءٍ أعطانيه ربي .. الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. أعوذ بالله مما أخاف وأحذر ... الله ربي ولا أشرك به شيئاً، عز جارك وجل ثناؤك وتقدست اسماؤك ولا إله غيرك... اللهم اني أعوذ بك من شر كل جبار عنيد وشيطان مريد ومن شر قضاء السوء ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم» -1-
أهم إنجازات الداعية الإسلامي المعاصر عبد الرحمن السميط في أفريقيا
في تاريخنا الحديث والمعاصر، رجال مسلمون شاهقون ،عشقوا قارتنا السمراء، وأحبوا إنسانها أياً كان عرقه، ولونه  فأحبوا له الهداية كما خبرتهم بمعناها وأسبابها تعليم دينهم  الإسلام الحنيف ووظفوا كل طاقة وقدرة على العمل والإنجاز والعطاء، للإنسان الأفريقي، بعد ان لمسوا  في واقع أفريقيا آثار دروس التجارب القاسية والمريرة التي عاشها الإنسان الإفريقي لعدة قرون تسيد عليه خلالها المستعمرون الأوربيون الذين لم يكتفوا بنهب ثروات قارته الغنية  بل عمدوا بعنصرية وقحة لاسترقاقه  عبداً، بيعاً وشراءً، عاش حياته كما لو أنه ألف رجل في واحد، وهو الداعية المحسن عبد الرحمن بن حمود السميط «1366 هـ / 15 أكتوبر 1947- 8 شوال 1434 هـ / 15 أغسطس 2013» وهو كويتي، ومؤسس جمعية العون المباشر - لجنة مسلمي أفريقيا سابقاً - ورئيس مجلس إدارتها ورئيس مجلس البحوث والدراسات الإسلامية، ولد في الكويت عام 1947، قضى أكثر من 29 سنة ينشر الإسلام في القارة السمراء ما يقرب حوالي 972 مسلماً يومياً في المعدل قبل أن يصبح ناشطاً في العمل الخيري.لمحة من إنجازاته التي لا تحصى  خدمة للإسلام في أرجاء  أفريقيا. قام عبد الرحمن  السميط ببناء وتشغيل 102 مركز إسلامي متكامل وعقد 1450 دورة للمعلمين وأئمة المساجد ودفع رسوم الدراسة عن 95 ألف طالب مسلم فقير، وتنفيذ وتسيير عدة مشاريع زراعية على مساحة 10 ملايين متر مربع وبناء وتشغيل 200 مركز لتدريب النساء وتنفيذ عدد من السدود المائية في مناطق الجفاف، وفضلا عن ذلك تكفل السميط بإقامة عدد من المخيمات الطبية ومخيمات العيون للمحتاجين مجاناً للتخفيف على الموارد الصحية القليلة ضمن إطار برنامج مكافحة العمى وتقديم أكثر من 200 منحة دراسية للدراسات العليا في الدول الغربية:
> أسلم على يده أكثر من 11 مليون شخص في أفريقيا بعد أن قضى أكثر من 29 سنة ينشر الإسلام في القارة السوداء.
> مؤسس جمعية العون المباشر«مسلمي أفريقيا سابقا».
> رئيس تحرير مجله الكوثر.
> بناء ما يقارب 5700 مسجد ورعاية 15000 يتيم وحفر حوالي 9500 بئر إرتوازية في أفريقيا.»
> إنشاء 860 مدرسة و4 جامعات و204 مراكز إسلامية.
>  قام ببناء 124 مستشفى ومستوصفاً و840 مدرسة قرآنية.
>  قام بدفع رسوم 95 ألف طالب مسلم وطباعة 6 ملايين نسخة من المصحف وتوزيعها على المسلمين الجدد.
> نفذ عدداً ضخماً من مشاريع إفطار الصائمين لتغطي حوالي 40 دولة مختلفة وتخدم أكثر من مليوني صائم.
> دفع رواتب شهرية لـ 3288 داعية ومعلماً.
>  توزيع 160 ألف طن من الأغذية والأدوية والملابس.
-------------
المصادر:
عن مجلة النور العدد(121) بتاريخ  ديسمبر1994 -1
2-مجلة الكوثر العدد (167) بتاريخ أغسطس 2013م.