حول النسيج الاجتماعي د. حسن التجاني

استوقفنى مقال أخى الدكتور حسن التيجانى عن تهتك النسيج الاجتماعي، وأعجبتنى الحلول التى وضعها، فهو يكتب كباحث واستاذ جامعى وصحافى ورب أسرة ظهرت بصماته فى تربيتها.. فله التحية والتقدير.
وأقول إن النسيج الاجتماعي قد عني الإسلام بتماسكه، وذلك من خلال عنايته بالأسرة التى وضع اسس قيامها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بتحديد المعايير التى يتم بموجبها اختيار الزوج: «إذا  جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، ألا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير». واختيار الزوجة «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها». ويحدد المعيار الأمل للاختيار «فاظفر بذات الدين تربت يداك».
ولا شك أن الأسرة إذا قامت وفق هذه الأسس والمعايير فإنها تقوم بعملية التنشئة الاجتماعية السليمة، لأن الوالدين هما مرجعية الطفل في ما يسلكه من سلوك وهما مصدر تدينه وعدم تدينه، فهو عبارة عن صفحة بيضاء ملساء طيعة تستوعب ذبذبات وهمسات الأهل وسلوكهم، والطفل يرضع ذلك مع حليب الأم وحماية الأب وسلطته، ويخزن كل هذه المشاعر والأفكار ويعتمدها فى الأيام اللاحقة مما يعنى أن تدين الأسرة وقاية للطفل من الانزلاق فى مهاوى الجريمة والانحراف، وعدم تدينها تحفيز للسلوك المنحرف. وإلى هذه التنشئة الاجتماعية أشار الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه».
وقد جاء القرآن بموجهات تعين الأسرة على التنشئة الاجتماعية السليمة، فها هو لقمان الحكيم يجسد لنا صورة الأب المثالى الذى يجلس ابنه أمام ناظريه واعظاً له وموجهاً، بداية باعتماد عقيدة التوحيد وعدم الشرك بالله «وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنى لا  تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم»، مروراً ببر الوالدين والإحسان اليهما «ووصينا الإنسان بوالديه....» والعبادات «يا بنى اقم الصلاة....» والتفاعل مع المجتمع والتأثير فيه «وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك...» الى آخر هذه الوصايا التى وضعت لتكون أنموذجاً للآباء ليحتذوا به فى تعليم ابنائهم بالقيم والمثل.
وتتكامل الأدوار، فقد يكون الابن اوفر حظاً فى العلم من الأب، فله أن يقوم بدوره كما فعل ابو الأنبياء ابراهيم عليه السلام «يا ابت انى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنى اهدك صراطاً سوياً.. يا ابت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً... يا أبت انى اخاف ان يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً»، وأهم ما نستفيده من هذه الآيات هو اعتماد ثقافة يا بنى ويا أبت، فنجد فى أيامنا هذه ابناءً ينادون آباءهم وأمهاتهم بالحاج والحاجة و «الجلكين» وأب ينادى ابنه بعبارة «يا ود الناس» وغيرها من العبارات التى تساعد فى تهتك النسيج الاجتماعي بضياع مصطلحات الأبوة والأمومة والبنوة. كذلك من الموجهات التى تعين على عملية التنشئة الاجتماعية حديث «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر...» وذلك للدور الكبير لهذه الشعيرة فى تقويم السلوك ونهيها عن الفحشاء والمنكر.
كذلك مما يعين على هذه التنشئة اتزان الوالدين فى عواطفهما نحو أبنائهما، فالعطف الزائد يؤدى الى تعطيل عملية التكيف لأنه يربك الأبناء ويمنعهم من الفطام والانفصال، كما أن العطف الناقص يحبطهم ويتركهم عرضة لمشاعر الغبن والظلم، وحينها سنجد صورة الأب صاحب السلطة الفاعلة الحانية وغير الزاجرة من ناحية، وصورة الأم صاحبة العاطفة المنعشة وغير المخدرة من ناحية أخرى. وتتم هذه التنشئة اذا كان الوالدان قدوة لأطفالهما، لأن التربية بالقدوة هى أنجع الوسائل على الإطلاق واقربها الى النجاح، فمن السهل وضع منهج للتربية ولكن هذا المنهج يظل حبراً على ورق ما لم يتحول الى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته مبادئ هذا المنهج، فالولد الذى يرى والده يكذب لا يتعلم الصدق ولو قرأ مجلدات فى الصدق، كذلك الذي يرى أمه مستهترة لا يتعلم الفضيلة. نعود إن شاء الله لتكملة دور الأسرة وما يليها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية ممثلة فى المدرسة وجماعة الرفاق.
د. هجو الإمام
من الوهج:
شكراً أخي دكتور هجو على التناول العلمي التأصيلي الدقيق.. وحقيقة المجتمع يحتاج لمداخلاتكم بحكم التخصص العلمي وأنتم اختصاصيو علم الاجتماع الذي أصلتم فكرته.. بما قال الله وقال الرسول.. وهذا التأصيل الذي ذكرتموه هو أهم مفاهيم التنشئة الاجتماعية التي نحتاج التذكير بها في مجتمعنا الإسلامي المحافظ بإذن الله وفضله.. ونكرر شكرنا أخي دكتو هجو، ونعشم في مواصلة دعمكم للوهج في ما يخص قضايا المجتمع كله.. مع تحياتي.