الدكتورة بخيتة أمين:..تلك قصتي مع الرئيس الأسد

حوار: أفراح تاج الختم

الدكتورة بخيتة أمين من أعلام المجتمع السوداني المثقفات فهي تنحدر من أسرة لها اهتمام بالعلم والصحافة، فأخوها مصطفى أمين أسس وكالة سونا للأنباء.. درست الصحافة فى بريطانيا في مؤسسة طومسون البريطانية ونالت الماجستير من جامعة ريدنق ودرجة الدكتوراه في الصحافة من جامعة الخرطوم، تقلدت وظائف كثيرة منها رئيسة قسم الصحافة وعلوم الأخبار بكلية السودان الجامعية للبنات منذ تأسيسها عام 1990م وهي الآن عميد كلية أم درمان لتكنلوجيا الطباعة والصحافة وتتمتع بعضوية الكثير من المؤسسات والاتحادات الصحافية داخليًا وخارجيًا منحتها الدولة وسام الإنجاز في عام 1989م.. والدكتورة بخيتة صحفية مميزة ممسكة بتلابيب المفردة وهي صاحبة العمود المميز «جرة قلم» بصحيفة الرأي العام، التقتها «الإنتباهة» بمكتبها بإدارة مكافحة المخدرات، فهي مسؤولة الإعلام بالإدارة فكان الحديث معها ممتعًا وهي تحكي لنا عن تجربتها الصحفية وعن علاقتها بالطيب صالح وزواجها من الإعلامي إبراهيم دقش والكثير الذي حكته لنا بمنتهى الصراحة والشفافية:

ــ  دراستك في مؤسسة طومسون وجامعة ريدنق وذكرياتك فيهما؟
درست في بريطنيا ما فوق الجامعة، والغربة في جامعة ريدنق وفي مؤسسة طومسون علّماني عظمة الصبر والإصرار على الانتصار ومنحاني طموحًا بامتداد نهر التايمز حتى نجحت.. عملت عاملة في مؤسسة للأزياء بريطانية وكنت أغسل أطباق المطابخ وأنظف أرضيات الكافتريات وأُحيك الملابس، وعملت في مخبز أحمر للتوست وأجدت صناعة الشوكولاتة بكل مسمياتها وذلك فى نهاية الأسبوع.. وكنت أشتاق إلى أبنائي وأحضن دموعي لأنهم كانوا بعيدين عني..
ــ  عمودك المميز بصحيفة الرأي العام «جرة قلم» والقضايا التي عالجتِها من خلاله؟
 «جرة قلم» عندي ريشة صنعتها بيدي ربع قرن مضى لتعبِّر عن حقائق الحياة، وتتساوى فيها قسوة القراء أحيانًا بهمومهم عند الليل، والليل عندي كالقبر ليس فيه راحة، أحاول أن أملأ فراغات الفجر وإشراقات الضحى بجرة قلم واحدة علها تنفع الناس وأكتبه بحبر يعبر عن الناس وقضاياهم وأُعطره بحقائق الحياة رضي الناس أو لم يرضوا.
ــ  من خلال مسيرة عملك الطويلة والمتواصلة ماهي أهم الحوارات التي أجريتِها وحوار عالق بالذاكرة؟
أهم الحوارات التي أجريتها حواري مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أديس أبابا، ومع الرئيس السوري حافظ الأسد عندما تم انتخابه كرئيس للجمهورية، وقد كنت حافية الأقدام عندما أطل حافظ الأسد على صالون الصحفيين عند الثانية صباحًا وكان هناك أكثر من «100» صحفي وإعلامي ينامون على تلك الوسائد، ولما فوجئت بطنين الباب ينفتح كنت الوحيدة التي لم تنم فنادى عليّ الرئيس حافظ الاسد «ياسودانية تفضلي ودخلت على بهو قصر فخيم» وأجريت معه حوارًا قصيرًا ولكنه كان خبر العالم ليلة ذاك ليصبح مانشيت معظم صحف الوطن العربي في أواخر السبعينيات، وكان الحوار لصالح صحيفة «الصحافة» التي كنت أعمل بها ولما استيقظ فجرًا مندوب وكالة الأنباء السورية «سانا» وجدني خارجة من صالون الأسد وطلب مني أن ينقله لصالح الوكالة فرفضت وكافأتني صحيفة الصحافة بمبلغ مالي. وفي يوم سفري أهداني الأسد كميات من الحلوى السورية وقنينة عطر وبطاقة شخصية فيها عنوانه وداره.
ــ  تجربتك كأول مراسلة لإذاعة صوت أمريكا؟
تربطني علاقات وثيقة مع الإعلاميين العالميين، وبحكم وجودي في بريطنيا لسنوات كنت أتعامل مع «بي بي سي» القسم العربي وكنت أترجم حالات طالبي اللجوء وبدأت أكتب مقالات عن مشاهدات عربية في بريطانيا «لبي بي سي» ومنها تواصلت العلاقات مع أصدقاء لي في إذاعة صوت أمريكا فكانت تجربة مفيدة للغاية وبعدها انتقلت إلى كتابة عمود الأربعاء في الأهرام القاهرية.
ــ  وماذا عن عملك بمجلة سيدتي؟
أنا مسؤولة تحرير سيدتي بالخرطوم منذ العدد الأول لها وللآن، وآخر موضوع نشرته بها هذا الشهر هو قصة الصبية أم شوايل التي رماها والدها في البئر.
ــ الكتب التي أصدرتِها؟
وماذا عن كتابك أخوات تحت الشمس الكتاب الحائز على جائزة أحسن الكتب عن المرأة السودانية في بريطنيا؟
أصدرت كتاب «حروف من قرص الشمس» حوى عمودي «جرة قلم» وقسمت الكتاب لقراءات، وكتاب حول الطيب صالح هو كتاب الطيب صالح نخلة على جدول الإبداع.. أيضًا كتاب أخوات تحت الشمس وأخيرًا كتاب الصحافة النسائية في السودان وصدر بالإنجليزية وبالعربية وقصدت أن أودعه بالمكتبات العالمية الأكاديمية كإحدى الإصدارات النسائية السودانية ليعرف العالم أن هناك صحفيات كتبن قبل نصف قرن ومازال خرير أقلامهن يسيل حتى الآن.
ــ  عملك بمجلة مريود للأطفال منذ تأسيسها حتى عام «1982م» ونحن الآن نعاني من غياب مجلات للناشئة.. إلى ماذا تعزينه؟
غياب مجلات الأطفال أمرٌ عجيب، وكيف لدولة بها مجلس أعلى للطفولة ووزارة للثقافة أن تغيب عنها مجلات للناشئة، وليتك يا ياسر يوسف وزير الإعلام لو فكرت في إعادة إصدار مجلة مريود ولو بالشراكة.
ــ هل الجيل الحالي يستطيع قيادة العمل الإعلامي؟
الجيل الذي أمامي لا ينجح في تحمل رسالة الإعلام طالما أصبح الكمبيوتر الهم الأساسي لكل طالب، والقلم وقلم الرصاص لا وجود له، وهذا يعني أن الطلاب يريدون القفز بالعمود على آلة الكمبيوتر متناسين الأقلام والكراسات، لذلك لا بد من توفير معينات العمل التكنلوجي حتى تشبع عقول الطلاب.
ــ  علاقتك بالأديب العالمي الطيب صالح خصوصًا أنه جمّل لك أحد كتبك بتعليق جميل في آخر الغلاف؟
الطيب صالح كان صديقًا لأخي العقيد عثمان أمين سافرا لبريطنيا ليدرسا وسكنا في بيت واحد وكان الطيب أكثر مهارة من أخي عثمان في تجهيز وجبة الفول، وكنا نبعث إليهم بزيت السمسم والجبنة البيضاء من السودان وعندما مات أخي عثمان حزن عليه الطيب صالح وبعث لي برسالة يقول فيها لن أنجح في أن أصف عثمان «عثمان أخى وسيظل حبه في وجداني» وعندما سكنت ابنتي الصغيرة سماح مجاورة لمنزل الطيب صالح بلندن كنت كلما أزوره وأطرق على بابه أجده يقرأ أو ممسكًا بخرطوش الماء ويسقي الزرع وأقول له «يا الطيب يا خوي انت طيب؟» ويضحك ويقول أنا طيب وانت كيف وكيف ناس أم درمان وحي ود البنا وحال الشجرة الكبيرة التي كنا نجلس تحتها أنا وعثمان، وكلما ذهبت لندن نلتقي ونتهاتف ونشرب الشاي معًا وأحمل له معي دومًا «المنين» لأنه يحبه
ــ  ما الذي أبكى الطيب صالح في منزلكم بأم درمان؟
عندما جاء للسودان بعد طول غياب دعوته لدارنا بأم درمان وقال لي أقلي البن وتعالي باللقيمات وجهزي الشاي الصاموتي جاء هو ومنصور خالد ومحمد الحسن أحمد وهاتفت الفنان سميرة دنيا وجاءت ولم تكن في بيتنا دلوكة وكانت هناك علبة لبن فارغة أمسكت بها لتدق عليها والدموع تبلل عيونها وهي ترى الطيب صالح لأول مرة وفاض منزلنا من الضيوف وتنادى كل أهل الحي كلٌّ معه طعام أو شاي وغنت سميرة دنيا «يجو عايدين الليلة عايدين ناس الطيب الزينين» ولما تعالت الصفقة والرجال يلوحون بعمائمهم «بكى الطيب صالح»
ــ  زواجك من الخبير الإعلامي إبراهيم دقش، كيف تم؟
كان زواجًا نموذجيًا التقينا عند كافتيريا جامعة القاهرة الأم وكنا نتغيب من المحاضرات لنتحاور ولنحب بعضنا البعض ونطلب من أصدقائنا أن يعطونا المذكرات وأنا فى السنة الثالثة من الجامعة وهو كذلك وقررنا أن نتزوج وقد بقي على سفره للندن أشهر وتزوجنا سنة 1968م وكان زواجًا تقليديًا لان دقش جاء من أسرة فقيرة وأنا كذلك والمهر كان «200» ج وقليل من قنينات العطر التي أهداها له أصدقاؤه، أما الملابس وغيرها فقامت أسرتي بتوفيرها وكانت والدتي واختي فطونة واقعيين ويقولون للناس عندما يسألوهم «كل الذي أعطاه لها مهر نتمنى أن يكون عربونًا لزواج سعيد» وتغنى في زواجنا الفنان الرائع الراحل عثمان حسين وشرحبيل أحمد وميرغني المامون وقد قام بدفع مستحقاتهم صديقنا محمود أبو العزائم.
ــ سفرك إلى بريطنيا مع زوجك وكيف بدأت حياتكما هناك؟
في بريطانيا بدأت الحياة الفعلية والضائقة المالية فدخلت في كورسات لتعلم الإنجليزية وعملت في مصنع لحياكة الملابس وكبائعة في أحد الدكاكين في مدينة ريدنق وكنت عاملة أنظف الأرض واستطعنا أن نؤسس منزلاً جميلاً هناك وقد أوكلت لدقش شراء الكتب والمراجع وأنا أشترى احتياجات المنزل، وقد عبرنا طريقًا مليئًا بالعقبات فالحياة في لندن مليئة بالتضحية والعزيمة ومليئة بالنجاحات إذا أصررت على ذلك.
ــ  تقييمك للصحافة السودانية اليوم؟
الصحافة السودانية متدنية، وأنا عندما أبتاع سبع أو ثماني صحف لا أشعر أن هناك جهدًا واضحًا، نفس المانشيت في معظم الصحف وما يحدث الآن هي صحافة مكاتب، وحتى القضايا المطروحة فيها تطرح كالمجبور على شرب الماء الساخن.
ــ تمتعك بعضوية الكثير من اللجان والمجالس وماذا عن عضويتك في الاتحاد الدولي للصحفيات والكاتبات بكندا وعضويتك في الاتحاد الدولي للصحفيين في بلجيكا باعتبارك أحد المؤسسين له؟
مازالت علاقتي بالمنظمات متصلة وسأبعث لهم بإصدارتي في القريب حتى يتوطد الود ويعمق التواصل.
علاقتك مع السيدة جيهان السادات زوجة الرئيس المصري الراحل أنور السادات؟
كانت جيهان السادات مهمومة بقضايا المرأة وكثيرة الزيارات لمنظمات المجتمع، وكلما أسافر للقاهرة أجتمع بالصحفيات اللاتي شكلن تنظيمًا اطلقن عليه اتحاد النساء العرب، وكنا نلتقي هناك والتقيت بها في عدد من المرات وهي كانت تتمنى أن تحذو المرأة المصرية حذو المرأة السودانية خصوصًا في مجال اتخاذ القرار وذلك في عهد السادات.
ارتباطك بأم درمان وإنشاؤك لكلية تحمل اسمها تخليدًا لها كلية أم درمان لتكنلوجيا الصحافة والطباعة، حدثينا عنها؟
هي كلية متفردة في تخصصاتها وربما أضفنا إليها برنامجين هما تقانة المعلومات وإدارة المؤسسات الإعلامية لتكتمل الصورة، وهي قامت من أجل خلق صحافة متخصصة وطباعة فنية متخصصة، واللغة الإنجليزية عندنا من مكونات التطور التقني ولكننا أدخلنا مادة الخط بذات كراسات القرن الماضي لتجويد الخط، وهذه الكلية قامت من أجل إعداد جيل جديد من الصحفيين يجيدون صناعة المهنة بكل المهنية والمصداقية ويعرفون قيمة الحرف وقدسية الكلمة بعيدًا عن دعم أي نظام أو حزب

أحدث التعليقات

  • ضيف - هديل محمد بخيت

    الرابط الثابت
    الدكتوره بخيته امين هي بمثابة امآ لي قبل ان تكون استاذتي ومثلي الاعلي تقف حروفي عاجزه في وصف روعتها وجمال اسلوبها ورقت تعاملها معنا درستني اربعة اعوام تمنيت ان تدوم امد الدهر وتمنيت ان لو استطيع ان افعل شيآ يوفيها حقها لكي كل الود والحب والتقدير استاذتي وأمي.
    قبل 5 ايام
    اعجيني0
مشاهدة التعليقات الأخرى