الفترة الانتقالية في ظل التحالفات الإقليمية

د.صلاح محمد إبراهيم

جاء الحرك الجماهيري في السودان في وقت تشهد فيه المنطقة العربية تحالفات وإستراتيجيات جديدة في الجوار الإقليمي والدول التي هي الفاعل الأكبر في الشأن السوداني، سواء كان ذلك من الجوار المصري الشقيق أو الجوار العربي القريب والمؤثر عملياً واقتصادياً في الشأن السوداني منذ فترة طويلة، مع زيادة الطفرة النفطية خلال العقود الماضية ، لذلك لابد من أن يكون لهذه الدوائر المجاورة حساب كبير لدى الذين يديرون هذا الحراك ، فالسودان خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها وربما لسنوات طويلة لن يستطيع أن يواصل تقدمه ونموه دون التعاون اللصيق مع هذه الدوائر العربية بالدرجة الأولى.
الدائرة الأفريقية التي ترفع عصا وما تحدده من سقف زمني لانتقال السلطة إلى المدنيين هي في الواقع ليست دائرة ذات ثقل أو تأثير كبير إلا من ناحية بروتوكولية دبلوماسية ، فهي ليست ذات تأثير على التعاون السوداني والعلاقات السودانية العربية، وهي ليس لديها دعم مؤثر سياسي أو اقتصادي كبير تقدمه للسودان داخلياً أو خارجياً أقوى من الدائرة العربية ، كما أن الدول الغربية التي يتجول سفراؤها بين موائد رمضان بين المعتصمين هو مجرد تعبير ليس له طابع عملي أكثر من كونه نشاط علاقات عامة وجمع معلومات ، ولا يتوقع أن تساعد الدول الغربية بصورة فاعلة السودان خلال الفترة الانتقالية بخلاف برامج الإغاثة ، فتاريخ التعاون الغربي مع السودان كان جله خلال المراحل الشمولية وليس الديمقراطية .
لكل ذلك يصبح من المهم لكل القوى التي لها علاقة بالحراك الجماهيري أو المجلس العسكري الذي يدير عملياً البلاد الآن أن يضع في الاعتبار أن نجاح الفترة الانتقالية يعتمد على تركيبة الحكم في كل المستويات على الجهة التي تتمتع بعلاقات أو قبول إقليمي خاصة من الدول ذات الثقل في المنطقة، والتي هي أيضاً دول مؤثرة في الدوائر الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، وأقصد بذلك مصر ودول الخليج خصوصاً دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية ، وفي واقع الأمر أن المطار العائم ( حاملة الطائرات لنكولن) التي دخلت البحر الأحمر الآن في طريقها إلى الخليج، هي في الأساس تعبر عن انحياز الولايات المتحدة لدول الخليج ضد التهديدات الإيرانية بجانب المصالح الأمريكية ، وعلينا أن لا نتوقع في ظل علاقاتنا مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الانتفالية تعاوناً ودعماً اقتصادياً كبيراً يحتاج له السودان ، لأن السودان الآن لا يحتل أولوية في السياسة الأمريكية وخلال السنوات القادمة ، وهو يدخل ضمن الدائرة الأفريقية في الخارجية الأمريكية وليس الدائرة العربية ، لذلك على الذين يتسلمون ويديرون القترة الانتقالية أن يحصلوا على تأكيدات وضمانات قوية من الدول العربية الفاعلة الآن في المنطقة حتى يتمكنوا من الانتقال بالبلاد إلى المرحلة الجديدة أي كان شكلها بطريقة سهلة ودون عقبات سياسية اقتصادية يحتاج لها السودان عاجلاً .
هناك شعارات كثيرة تطرح الآن على الساحة السياسية بين حكم مدني كامل وتراجع العسكريين وتمثيل محدود لهم في السلطة الانتقالية ، وبين أن يكون للعسكريين ترجيح في إدارة الدولة على المستوى السيادي، وبين الطرحين علينا أن ننظر إلى المصلحة الوطنية العليا، وأن نعتبر مما يدور في الساحة الإقليمية والدولية والتحالفات المطروحة ، فمهما كانت درجة الاستقلالية التي نريدها للسودان لا نستطيع أن ندير شئون السياسة وفقاً للمزاج السوداني ، فاستقلالية القرار السياسي على المستوى الدولي أو الإقليمي أصبحت الآن من أفكار الماضي ، في ظل تشابك المصالح وتعقدها ، والسودان دولة هشة ويؤكد ذلك تجول السفراء في ساحات الاعتصام وهذا أمر لا يمكن أن يحدث في بلد مثل الجزائر الآن التي تفور بالثورة ، ولم يحدث من قبل في ميدان رابعة العدوية في مصر ، إذ لا يجرؤ سفراء الدول على تعدي حدود عملهم الدبلوماسية والتدخل في الشئون الداخلية في مثل هذه الظروف.علينا أن نتعامل مع حالة الانسداد التي وصلت الآن في ما حدث بعد الحادي عشر من أبريل على ضوء المصالح الحقيقية للبلاد بعيداً عن الشعارات بين صلاحيات توزع دون أن ندري أين من الأفضل أن تكون هذه الصلاحيات في هذه المرحلة ، ومن الذي يحظى بالدعم الإقليمي في المقام الأول ، ومن الذي يمكن أن يساندها ويقبلها على المستوى الإقليمي، فالمرحلة الانتقالية سوف يظل السند الرئيس لها هو الدول العربية الأربع التي أعلنت مساندتها للسودان وهي معروفة ، والتقليل من تلك المساندة أو الدعم يمكن أن يدخل السودان في متاهات لن تحقق المستقبل الديمقراطي الذي هو في بطن الغيب وحوله جدل كثيف من ناحية شكله ومضمونه والذي هو شعارات براقة مذاقها يختلف على أرض الواقع.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق