ما يحدث الآن بعيون دبلوماسي

السفير الصادق المقلي
مندوب بريطانيا في مجلس الأمن..يشيد بثورة الشعب السوداني.. تحدث عن انعكاسات التطورات السياسية الراهنة في السودان وانعكاساتها على البلاد بصفة عامة وعلى دارفور بصفة خاصة.. واستنكر الأحداث الدامية التي جرت في معسكرات النازحين مؤخراً.. ولعل أهم عبارة تضمنتها كلمة المندوب البريطاني.. هو قوله (على المجلس الانتقالي إن كان يريد استعادة الثقة بينه وبين الشعب السوداني من جهة والمجتمع الدولي من جهة أخرى، أن يسارع في تسليم السلطة لحكومة مدنية تبسط فيها الحريات الأساسية وخاصة حقوق الإنسان وحق التجمع السلمي و ألا يفض هذه التجمعات بالعنف..
وأشار إلى أن السودان في مفترق طرق، وأن المجلس الانتقالي أمام اختيار.. عليه أن يستمع للشعب وأن يحترم المطلب الشعبي المشروع بقيادة مدنية وحكم مدني وعهد جديد وسودان جديد يحظى باحترام المجتمع الدولي وعلى المجلس أن يمكن من الانتقال إلى نظام يحترم حقوق الإنسان و الديمقراطية والمحاسبة لمن ارتكب جرائم في النظام السابق.. وأهم من ذلك أشار المندوب البريطاني إلى أن هذا الانتقال سوف يساعد في تدفق الموارد والمساعدات من العالم للمساهمة في استقرار الوضع وتحقيق السلام في دارفور من جهة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في السودان.. اشاد بدور المرأة في الثورة وببسالة الشعب السوداني وأعرب عن وقوف بلاده مع السودان.
‏ يا ليت لو استمع المجلس الانتقالي لهذه لكلمة المندوب البريطاني في مجلس الأمن لكي يعي تماماً أن رؤياه الحالية تجاه الوضع الانتقالي في السودان من شأنها أن تفاقم من الأزمة الاقتصادية ومعاناة الشعب السوداني وإحكام طوق العزلة الدولية والإقليمية حول السودان، وبالتالى فقدان أي أمل في إنهاء المقاطعة الاقتصادية ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب واستمرار مقاطعة السودان من قبل الدول والمؤسسات النقدية الدولية المانحة والقارضة والتي كانت وما برحت أُس الداء في الاقتصاد السوداني بفعل السياسات الطائشة الفاشلة والرعناء للنظام المباد..
هذا من جهة، ومن جهة أخرى إطالة أمد الصراع في دارفور و ديمومة السودان بين مطرقة مجلس الأمن تحت الفصل السابع، وسندان مجلس حقوق الإنسان في جنيف.. اعتقد أن في كلمة المندوب البريطاني رسالة واضحة وتحذيرية للمجلس الانتقالي وضرورة أن يسارع في الانتقال دون تلكؤ إلى حكم مدني وديمقراطي وإلا بهذا النهج من المماطلة كسباً للوقت و مؤازرة لفلول النظام البائد تعيد السودان إلى المربع الأول بإعادة إنتاجه.. وليعلم المجلس الانتقالي أن طريقة تعاطيه مع الأزمة السياسية الراهنة سوف تطيل أمد النزاع في دارفور وتؤلب على السودان من جديد المجتمع الدولي الذي ينادي على ضوء هذه التطورات الجديدة في السودان بضرورة الاسراع في حل النزاع وبسط الأمن والاستقرار في دارفور وضرورة تعاون السوداني مع الاتحاد الأفريقي من جهة، والمحكمة الجنائية الدولية من جهه أخرى..
ولعل في موقف المجتمع الدولي هذا سند كبير للثورة في السودان وكروت رابحة لتفاوض قادة الثورة مع المجلس الانتقالي .
هذه الثورة وجدت الإشادة العالمية المستحقة من شعوب وحكومات العالم.. مجموعة من الكنقرس الامريكي تقدمت بمشروع قرأر للخارجية والادارة الأمريكية تحث فيها على دعم العملية الانتقالية وتسليم السلطة للمدنيين.. والضغط على المجلس الانتقالي بأن تطبيع العلاقات ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب مرهون بتحقيق التحول الديمقراطي في السودان.. وشدد على ضرورة النقل السريع للسلطة من الجيش إلى المدنيين.
المجلس الانتقالي يتحدث في رده على وثيقة قوى التحرير والتغيير وكان تحالف المعارضة اقترح مسودة دستور للسودان وذلك بالإشارة إلى مصادر التشريع وعلاقة الدين بالدولة واللغة العربية.. ولعل في هذا مدعاة لدغدغة مشاعر المواطن السوداني المسلم.. فتحالف المعارضة قدم فقط مقترح لإعلان دستوري للفترة الانتقالية ولم يقدم مسودة دستور هو من صميم صلاحية الشعب بعد عقد مؤتمر دستوري يتوافق عليه الجميع خلال او في نهاية الفترة الانتقالية.. ولعل المجلس الانتقالي لا يدرك أن المعضلات الأساسية الاقتصادية
the main economic hurdles
التي أدت إلى اندلاع الثورة وسقوط نظام الإنقاذ سيكون عصي عليها حلها في ظل رؤياه عن الترتيبات الانتقالية.. وهناك خمس معضلات اقتصادية ألقت بظلال سالبة وانعكست سلبياً على معاش الناس.. وهي 1.العزلة الدولية التي جعلت السودان خارج المنظومة الدولية الدبلوماسية والنقدية.. فالسودان لم يستفد من استحقاقاته مما يسمى بمظروف التنمية للمقدم للدول الاعضاء في تجمع الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والدول الأفريقية الكاريبية الباسيفيكية طيلة سنوات الإنقاذ.. كما حرم السودان بفعل العقوبات الاقتصادية من دعم الدول والمؤسسات والصناديق الدولية، وبصفة خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حتى صندوق التنمية الأفريقي.. وقد سافر يوماً وفد من الجامعات السودانية لابيدجان مقر الصندوق وتم إخطار الوفد بتعذر تقديم اي عون لهم بسبب المقاطعة الاقتصادية الأمريكية.. فتعنت المجلس الانتقالي ومماطلته في الانتقال إلى حكم مدني سيفاقم من هذه الأزمة الاقتصادية التي يكتوي بها الشعب السوداني.. ومن الآثار العكسية لهذه المقاطعة الأمريكية وإدراج اسم السودان في قائمة الدول للراعية للإرهاب انهيار اهم بنيات ومشاريع التنمية الاقتصادية كالخطوط الجوية السودانية.. البحرية والنهرية والحديدية ومشروع الجزيرة والقطاع الزراعي والصناعي واضمحلال الصادرات السودانية.. والانتاج والإنتاجية وتزايد معدلات التضخم والعجز الكبير في ميزان المدفوعات.. تلكؤ المجلس الانتقالي في تفكيك الدولة العميقة سوف لم يلبِ أحد المطالب الأساسية للثورة والمتعلقة بمراجعة وتصفية مئات الشركات الحكومية وشبه الحكومية التي ظلت تعمل بمنأى وبحصانة تامة من المظلة الضرائبية وولاية المالية على المال العام.. وتعاطى المجلس الانتقالي مع الحراك الثوري والالتفاف حول أهداف الثورة و إصراره على تنظيمات سياسية كانت لآخر لحظة جزء من النظام المباد سيجعل المجلس في مواجهة مع تحالف المعارضة وبصفة خاصة الحركات المسلحة التي كانت تحارب الإنقاذ ومن لف لفها من أحزاب الفكة.. ولعل هذه المواجهة ستعيق من أي تقدم في سبيل حل النزاع واستتباب الأمن في دارفور، وبالتالي يجد المجلس الانتقالي نفسه في مواجهة مع المجتمع الدولي، كما نوه لذلك مندوب بريطانيا لدى مجلس الأمن الدولى.. مثلما يجد المجلس الانتقالي نفسه في مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.. الاتحاد الأوروبي و الاتحاد الأفريقي والمنظمات ذات الاهتمام بحقوق الانسان وبالتالي يستمر السودان قيد النظر في مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان في جنيف.. خلاصة القول أخشى ألا تجعل شهوة السلطة المجلس الانتقالي ألا يأخذ بعين الاعتبار هذه التحديات الداخلية والخارجية وأن يجد المواطن السوداني نفسه أمام إعادة إنتاج للنظام البائد ويعود. بالبلاد إلى للمربع الأول من دوامة عدم الاستقرار السياسي و ديمومة معاناة الشعب السوداني المغلوب على أمره.. فالمجلس الانتقالي أمام اختيار صعب كما قال المندوب البريطاني أمام مجلس الأمن.. أما أن يعبد الطريق أمام الانتقال السريع إلى حكم وسلطة مدنية تعيد السودان إلى محيطه العالمي و يحظى باحترام المجتمع الدولي ويحقق الأمن والاستقرار في دارفور، وإما خيار الرجوع بالسودان إلى مربع النفق المظلم وتفاقم الازمة الاقتصادية والعزلة الدولية والإقليمية .
‏ المجلس الانتقالي أمام اختبار.. إما أن يسرع في الانتقال الى سلطة مدنية ويكسب احترام الشعب والاسرة الدولية.. أو يعيد البلاد إلى مربع العزلة الدولية ونفق الإنقاذ المظلم ز
‏ خطاب المنسقة السامية للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان الأوروبي مؤخراً كان مخصصاً حصرياً للوضع في السودان. خلاصة الخطاب هي رسالة واضحة بعدم الاعتراف باللجنة الأمنية والمجلس العسكري ولقد كانت رسالة لاتحمل خيارين إنما خيار واحد فقط وهو تسليم السلطة كاملة لحكومة مدنية وعدم الاعتراف بأية حكومية عسكرية في السودان وعدم التهاون مع الذين يحاولون قمع اي اعتصام . حل الصراع والحرب الأهلية في دارفور رهين بانحياز المجلس لمطالب الثورة وإنهاء تدويل الأزمة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق