بعد التوقيع عليه أمس.. ميثاق سلطة الشعب.. ضوء في آخر النفق

الخرطوم: أحمد طه صديق
حينما عرضت تنسيقية لجان المقاومة بالخرطوم في فبراير الماضي مسودة ميثاق سياسي أطلقت عليه (ميثاق سلطة الشعب)، هدفت الى أن توائم بين نضالها في الشارع الذي لم يتوقف حتى بعد تفجير ثورة ديسمير وما صحاب بعد ذلك من تداعيات الأحداث والمواقف السياسية من السلطة المدنية أو العسكرية بعد قرارات الخامس والعشرين من اكتوبر التي فض فيها قائد الجيش الشراكة مع منظومة الحرية والتغيير وحل حكومتها المدنية، فمنذ ذلك تداعت العديد من الأحداث التي شكلت منعطفاً حرجاً في مستقبل البلاد، وكانت خلالها لجان المقاومة تصعد مقاومتها التي لم تهادن فيها رغم سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، وهي ترفع شعارات اعتبرتها من الثوابت رافضة فيها أي نوع من الشراكة والتفاوض مع العسكر، في حين كانت لمركزية الحرية والتغيير مواقف مختلفة نوع ما حينما لم ترفض الالتقاء مع الوساطة الأممية الافريقية من حيث المبدأ، لكنها اعلنت رفضها المطلق لمشاركة العسكر في الحكم، الا أن احزاباً من ضمن منظومتها كانت لهم مناورات من وراء الستار وبعضها ربما كان تحت ضوء خافض مع العسكر، وهي تيارات ترى أن اعادة الشراكة مع المكون العسكري وفق شروط مغايرة تمثل الخروج من عنق الزجاجة، وهي دعوة في ما يبدو تجد دعماً من الجانب العسكري الذي يواجه ضغوطاً كبيرة من الشارع الشبابي من خلال التظاهرات الاحتجاجية التي لم تتوقف ولم يهدأ أوراها حتى في لهيب صيف رمضان الماضي، ومضت لجان المقاومة في ذات خطابها السياسي المعلن بشعاراته المعروفة الرافضة للتقارب، بل الاقصاء التام لحكومة الخامس والعشرين من اكتوبر ومحاسبة قادتها.
ميثاق سلطة الشعب
وترى لجان المقاومة المتبنية لميثاق سلطة الشعب الذي اعلنته قبل عدة أشهر وقامت بتنقيحه أخيراً أنه البديل السياسي للأزمة التي تواجهها البلاد، وحددت فيه شكل الحكم وانتقال السلطة وسط آراء متباينة حوله في الشارع السياسي من متحفظة ورافضة وداعمة له، وحتى الحزب الشيوعي الذي اتهم بأنه كان خلف الميثاق قام بعد مراجعته بقراءة حول بنوده تحفظ فيها على بعض منها بلغة مرنة واحياناً بإشارات لطيفة، بينما اعتبره قيادي في الحرية والتغيير آنذاك أنه يؤسس لدكتاتورية ربما لأنه عندما تم عرضه تحدث عن شروط للتوقيع عليه استثنت مركزية الحرية والتغيير وطالبتها بالاعتذار والاعتراف بالاخطاء كشرط مسبق، وهو رأي ينسجم مع خطاب الحزب الشيوعي المناهض للخط السياسي للحرية والتغيير، حيث وصفها مبكراً بعد انساحبه منها بأنها تقود خطاً للهبوط الناعم مع العسكر، حيث قاد الحزب وقتها العديد من التظاهرات ضد حكومة حمدوك وطالب بإسقاطها، وهي دعوة لاقت ارتياحاً من قوى النظام القديم، وهو أمر جعل المراقبين يتهمون الحزب الشيوعي بأنه يمارس نوعاً من الانتهازية السياسية بدفع لجان المقاومة ضد الحكومة المدنية آنذاك ومنظومتها الحاضنة، بغرض تحقيق مكاسب سياسية مرحلية يحرق بها المراحل التي تبدو عصية على الحزب، في ظل خريطة سياسية لم تتغير بالقدر الكافي منذ الاستقلال ولم تفسح مكاناً اريحياً للحزب الشيوعي. ويرى المراقبون أن الميثاق السياسي من تنسيقية لجان المقاومة ربما يمثل عقبة جديدة تعقد المشهد السياسي الراهن باعتباره يطرح نفسه كخيار أوحد مدعوم بالوقود الثوري للشارع الشبابي، وهو ما قد يمثل نوعاً من الترهيب الفكري في ساحة سياسية متأزمة وملغومة وتحتاج فيها إلى تلاقح العديد من الأفكار وفتح النوافذ والأبواب دون مواربة طالما التزمت الرؤى بالمصلحة الوطنية المناهضة لقوى النظام البائد.
كما يرى البعض أن الرؤية السياسية للحكم لأي بلد لا يمكن لفصيل محدد أن يؤطر خريطتها مهما كان له القدح المعلى في قيادة الكفاح على الأرض، فالرؤى السياسية تحتاج إلى التداول الحر الهادئ البعيد عن سلطوة الريادة ورهبنة القرار، لأنها تتعلق بمستقبل وطن كالسودان مليء بالتباينات السياسية ولم يخرج بعد من قوقعة الإرث السياسي القديم ببعده الطائفي والقبلي والإثني، وهي موجودات لا يمكن القفز عليها بقفزات ثورية فوقية.
أخيراً إننا نحسب أن ميثاق لجان المقاومة في حاجة إلى تدويل أكثر، كما أن لجان المقاومة في حاجة أيضاً إلى إعمال فكري سياسي حر في قواعدها بعيداً عن أية مؤثرات تمثلها قلة محددة مدفوعة بأفكار مختلف عليها في بلد يعج بمكوناته السياسية الثورية الناضجة، إذ أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يتم تأطيره في قوالب جامدة وإن حسنت النوايا.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى