التوافق الوطنى يقتضى تنازلات من كافة الأطراف وترك العناد

صديق البادى

في الحلقة السابقة ذكرت أن الأستاذ الطيب صالح كتب في بدايات عهد الانقاذ السابق مقاله الشهير بعنوان من أين أتى هؤلاء ؟ ونشره بالصفحة الأخيرة بمجلة المجلة وانطوت صفحة ذلك العهد قبل ثلاثة أعوام ونيف . والآن بعد ثلث قرن من الزمان فان ذلك العنوان يمكن أن يتغير ويصبح الى أين ذهب اولئك وما هو مصيرهم ؟ وقد أمضى ذلك النظام في الحكم والامساك بكل مفاصل السلطة ومؤسسات واجهزة الدولة والجاه والمال ثلاثين عاماً وأضحى الآن في ذمة التاريخ وأصبح من حق كل سودانى ودون أخذ إذن من أحد ان يفتح صفحاته بحياد تام بكل تفاصيلها وتفاصيل تفاصيلها وأسرارها وخفاياها وانجازاتها واخفاقاتها وايجابياتها وسلبياتها ومراكز قواها ومجموعات ضغطها وتجاذباتها وصراعاتها ومؤامرتها الداخلية ومؤامرتها ضد الآخرين وتفتيتهم وتمزيقهم والغاية عندهم كانت تبرر الوسيلة . وعودتهم للسلطة وبسط سيطرتهم وهيمنتهم الاحادية اصبحت الآن من المستحيلات (ولحسة كوع) ولكن يمكن ان يكون لهم وجود جزئى وتقتضى الضرورة ان يقوموا بعملية نقد ذاتى لتجربتهم بكل صراحة ووضوح وشفافية والصبر والاناة لاقامة تنظيم على اسس جديدة تراعى الواقع والمعطيات والمتغيرات مع تجديد الدماء والقيادات ولا يمكن ان يحرم احد من اداء دوره المهنى في مجال تخصصه ولا يمكن ان يحرم من حقوقه الدستورية إذا لم يدأن قضائياً وجنائياً ونأمل في الحلقة القادمة ان تكون لنا معهم وقفة أطول . ولانهم يمثلون جزءً محدوداً من المشهد الكلى فالأوفق ان نقف على المشهد العام للوطن العملاق الجريح بسبب عقوق بعض ابنائه المتصارعين حول كراسى السلطة . والوضع الآن في السودان فيه انعدام رؤية وضبابية وفي ظل هذه الغيبوبة حدثت فوضى وهمجية في الأسواق وارتفعت الاسعار ارتفاعاً جنونياً وتضاعفت اضعافاً مضاعفة مع عدم المبالاة والاحساس بعدم وجود دولة وسلطات يضعون لها اعتباراً مع تدنى في الخدمات وانفلات الأمن مع كثرة المجرمين والجرائم واهمال القطاعات المنتجة وصحب الموسم الشتوى الفائد اهمالاً وعدم اكتراث من وزارة المالية التي لم تصدق للبنك الزراعي بالمبالغ لشراء سماد اليوريا في الوقت المناسب ولم تشترى القمح بالسعر المتفق عليه ليكون مخزوناً استراتيجياً في وقت صدرت فيه تحذيرات مبكره من منظمة الفاو العاليمة وغيرها بأن مناطق عديدة في السودان ستشهد فجوة غذائية وربما يشهد بعضها مجاعة لا قدر الله وبدلاً من توفير وزارة المالية المال اللازم لشراء القمح ليكون مخزوناً استرايجياً للمساهمة في سد الفجوة المتوقعة فانها لم تكترث واضطر كثير من المزارعين المنتجين تحت ضغط الحوجة لبيع كل جل او جزء من انتاجهم لتجار أجانب اشتروه وحملوه في شاحنات ونقلوه لخارج الحدود جهاراً نهاراً ضمن منتوجات ومحاصيل اخرى كالقطن الذي يتم نقله بعد شرائه ونقله رأساً من المحالج بالداخل لمصانعهم بالخارج … وبعض الدول في المنطقة تجد دعماً مالياً ونوعياً ضخماً من أمريكا والدول الغربية ومن الدول العربية النفطية الغنية بكل محاورها ومن دول اخرى مع الحرص على التعامل والتواصل معها باعتبارها بالنسبة لهم دولة مفتاحية ذات وزن وثقل ولكن جل هذه الدول تتعامل مع السودان باستخفاف وعلى سبيل المثال فانها لم تمنح السودان في الثلاثة اعوام الاخيرة (الفترة الانتقالية) الا بعض المساعدات الضئيلة التي يتبعها منن واذى وفرض بعض الشروط والاملاءات والوصاية وظلت في الفترة الانتقالية تتدخل في سياساته الاقتصادية وعلاقاته الخارجية وقوانينه ومناهجه الدراسية … الخ وللدول الخارجيه مطامع كثيرة في سواحل السودان المطلة على البحر الأحمر وتريد ان تسيطر على الموانئ وتضع يدها على كثير من اراضيه الزراعيه الشاسعه الواسعه وظل البعض يضغط لابرام اتفاق معه للسيطرة على الفشقة واستثمارها كمورد زراعى بالنسبة لهم ولآخرين مطامع في اليورانيوم والمعادن النفيسة ولذلك تسعى القوى الاجنبية ليكون السودان ضعيفاً مكتوف اليدين وغير قادر على استثمار موارده وكنوزه وثرواته الضخمة وهم يريدونها مستودعاً استراتيجياً لهم لإستغلاله واستثماره في الوقت الذي يروق لهم في المستقبل ولذلك فان هذه القوى الأجنبية تؤجج الصراعات حول السلطة بين بنيه وما يقوم به مندوبهم الاممى خير دليل على ذلك وقد تجاوز دوره كوسيط ومسهل واخذ يتعامل كأنه وصى على الشعب السودانى وحاكم عام خفى على السودان …

وان ثورة التغيير التى حدثت بدأت مسيراتها بصورة منتظمة في اليوم التاسع عشر من شهر ديسمبر عام 2018م واستمرت حتى سقوط نظام الانقاذ في اليوم الحادى عشر من شهر ابريل عام 2019م اى ان المسيرات والمظاهرات والاعتصامات امتدت لمائة اربعة وسبعين يوماً وبدون خوض في الملابسات والتداعيات التي حدثت في اليومين الاخرين وادت لسقوط النظام فان هدف الاحزاب والتنظيمات التي قادت المظاهرات والاعتصامات هو اسقاط النظام وقد نجحت في مسعاها وحققت هدفها وانتهت مهمتها بنجاح باهر وارادت بعد ذلك ان تصرف الفواتير واشتركت في حكومة حمدوك الاولى وحكومته الثانية واضحت حاضنة له وشاركه بعض عناصرها في الجهاز التنفيذي وفي اللجان ذات السلطات الواسعة مع سعى بعضهم للتمكين لمنسوبيها في الخدمة المدنية كتمكين مضاد للتمكين في عهد الانقاذ وكان دكتور حمدوك في حالة ضيق وتبرم من هذه القبضة الخانقة من قحت وكان يتعامل معها على مضض ولسان حاله يردد قول المتنبي ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى عدواً له ما من صداقته بدٌ .

وقبل سبعة أشهر اذاع الفريق اول عبدالفتاح البرهان بوصفه القائد العام للقوات المسلحة بياناً اعلن فيه حل مجلس السيادة ومجلس الوزراء … الخ وتلقائياً ابعد من سلطة الفترة الانتقالية الاحزاب التي وصفها بانها اربعة طويلة وقد تمددت وبسطت سيطرتها ونفوذها من بلا وجه حق وتفويض عن الشعب وتم اعتقال عدد من المسؤولين الذين تم اعفاؤهم وبعد خروجهم من المعتقل صرح بعضهم بان الانقلاب العسكرى الذي قاده البرهان على حد وصفهم سيكون عمره قصيراً وتوعدوا باسقاطه بهيئات شعبية غاضبة وعاصفة وبدأت حرب كسر الظهر الانتقامية بين الطرفين منذ ذلك الوقت…

وان بعض الاحزاب التي ابعدت تسعى للعودة للسلطة وتدرك بان أملها ضعيف في الوصول لكراسى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع وتسعى لتمديد الفترة الانتقالية لأجل غير مسمى . وفي لقاء صحفى صرح احد المنتمين لاحد هذه الاحزاب بان حزبه يعتبر من الاحزاب الكبيرة وبالرجوع للوثائق والسجلات التي تحوي اسماء اعضاء المجالس منذ المجلس الاستشارى لشمال السودان والجمعية التشريعية والبرلمان الاول الذي اجريت انتخاباته في اواخر عام 1953م مروراً باسماء الأعضاء في كل البرلمانات بمختلف مسمياتها في كافة عهود الحكم الوطني لم اجد للحزب المشار اليه نائباً واحداً فاز في دائرة جغرافية او في احدى دوائر الخريجين ووجدت لهذا الحزب عضواً وربما يكون معه اخر عين في عهد الانقاذ بعد التوقيع على اتفاقية نيفاشا ضمن النواب الذين تم تعييهنهم من التجمع الوطنى وينسحب هذا على احزاب اخرى مماثلة من حق المنتمين اليها ان يعملوا في شتى المهن ويمارسوا حياتهم الطبيعية وينالوا حقوقهم السياسية ولكن ليست لهم قواعد جماهيرية عريضة تؤهلهم للوصول للسلطة أما الاحزاب التي كانت كبيرة بمقاييس الامس وفقاً لنتائج الانتخابات التي اجريت في عام 1986م فان احدها قد انقسم الآن لثمانية احزاب وان الآخر يغنى حاله عن سؤاله وعلى جميع هذه الاحزاب ان تتفرغ لتنظيم نفسها وإقامة تحالفات قوية مثل تحالف احزاب اليسار وتحالف احزاب اليمين وتحالف الوسط العريض الذي يمثل الاغلبية .

وقد اعلن الفريق أول عبدالفتاح البرهان في بيانه المشار اليه الرجوع لمنصة التأسيس وتكوين المؤسسات والأجهزة التنفيذية والتشريعية والعدلية ولكن هذا لم يتحقق حتى الان ونأمل ان يتم قيام هذه المؤسسات على جناح السرعة بلا تأخير وإبطاء بتعيين رئيس وزراء غير متحزب ومؤهل تأهيلاً رفيعاً وصاحب خبرات تراكمية وقدرة على القيادة والإدارة في صمت من ذهب بلا ثرثرة وان يكرس وقته للعمل والا يخضع لتوجيهات اي اطراف خارجيه او داخلية مع تكوين حكومة كفاءات رفيعة من وطنيين غير متحزبين مع ضرورة تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي من ذوي الخبرات والتخصصات مثل ان تكون لجنة الزراعة من الزراعيين في شتى التخصصات والمزارعين وان تكون لجنة التعليم من المعلمين واساتذة الجامعات ومجالس الأباء في المدارس وان تكون اللجنة القانونية من القانونيين ولجنة الصحة من الاطباء وكافة العاملين في هذا المجال ولجنة الاقتصاد من الاقتصاديين والمتخصصين في الشؤون المالية والمصرفية والعاملين في هذا المجال في القطاع الخاص و… الخ مع ضرورة اعادة تكوين المحكمة الدستورية لتباشر مهامها وفي غيابها اختل ميزان العدالة بكل اسف مع ضرورة تكوين المفوضيات وان تحكم او بالاحرى تدار الولايات بالاداريين تجنباً للصراعات السياسية مع الابقاء على مجلس السيادة بتكوينه الراهن متجاوزين ترهله العددي مراعاة للتوازنات والتعهدات وان يوحد منصب رئيس المجلس ونائب الرئيس للمكون العسكري شريطة ان يلتزم المجلس بالقيام بسلطاته السيادية الرمزية حفظاً لهيبة الدولة دون تدخل في عمل الجهاز التنفيذي ومن اراد ان يقدم اي خدمة جليلة للوطن من ماله الخاص فاليفعل مشكوراً ماجوراً بصفته الشخصية وان يقوم المكون العسكري بالمهام المتعلقة بالأمن والدفاع والمهم هو تحديد مهام السلطات السيادية والتنفيذية والتشريعية والعدلية لئلا يحدث تداخل في السطات بينها .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى