تجدد الصراع القبلي أبوجبيهة .. من فنون القول إلى لغة الدماء ..!!

 

الخرطوم : محمد أحمد الكباشي

أخيراً دخلت محلية أبو جبيهة بولاية كردفان دائرة الصراع القبلي من أوسع أبوابه وهي ذات المدينة عرفت حتى وقت قريب بتماسك نسيجها الإجتماعي والتعايش السلمي بين كافة المكونات التي تحتضنها فما إن تجف دموع ودماء معركة قبلية إلا وعادت تلك الدماء تسيل مجدداً بصورة أعنف عن سابقتها لترسم مشهداً مأسوياً جديداً يحمل ملامح الحرب وآثارها الكارثية ورغم المحاولات الرسمية والأهلية لإيقاف نزيف الدعم ومحاصرة الإقتتال القبلي بين قبيلتي الحوازمة وكنانة إلا أن كل هذه الجهود تبددت تحت صوت الذخيرة التي تبدأ بشرارة عمليات نهب أو تفلتات سرعان ما تعم القرى والفرقان قتلاً وحرقاً وتشريداً ونزوحاً فقد كانت الحلقة الأسوأ من الصراع بين القبيلتين منذ بدايته في يونيو من العام الماضي مروراً بأحداث الكور.

تفاصيل يوم عصيب
لم يكن يوم الإثنين الماضي هو يوم النشاط الإقتصادي بمدينة أبو جبيهة حيث يتوافد المئات من بقية المناطق إلى سوق المدينة وفق ما إعتاد عليه الناس هناك وتخصيصه إلى جانب يوم الخميس من كل أسبوع لتكون سوقاً رئيسياً فقد تحول هذا اليوم إلى ساعات من الحرب والإقتتال وبدات الأحداث وفق ما ذكره العمدة النيل حسين عمدة مدينة أبوجبيهة في حديثه لـ (الإنتباهة) أن مجموعةً من الشباب يستقلون (توك توك) كانوا في طريقهم من مدينة أبوجبيهة إلى قرية (الدكوج) شرق المدينة مساء الأحد وإعترضتهم مجموعة مسلحة مكونة من خمسة أفراد وقامت بنهبهم تحت التهديد بالسلاح.وأوضح النيل أن فزعاً من المدينة خرج لملاحقة الجناة مما أدى لوقوع إشتباكات لمقتل إدريس محمد فضل وجرح شخصين آخرين نقلا إلى مستشفى أبوجبيهة لتلقي العلاج وأوضح النيل أن الإشتباكات تجددت يوم الإثنين في الأحياء الطرفية الشمالية الشرقية من المدينة استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة ما أدى إلى سقوط أربعة قتلى على الأقل وإصابة آخرين بجانب نزوح بعض الأسر من الأحياء التي دارت فيها الإشتباكات وأشار النيل إلى استمرار القتال بين الطرفين حتى الساعة الواحدة من ظهر الإثنين،حيث تدخلت قوة من الجيش إلا أنها غير قادرة للفصل الكامل بين الطرفين للتداخل السكني بين الطرفين وناشد العمدة النيل حسين جميع الأطراف للاستماع لصوت العقل وتدخل مزيد من القوات العسكرية لبسط هيبة الدولة وأوضح النيل أن النازحين لم يتلقوا أية مساعدات من المنظمات الإنسانية والجهات الرسمية منذ إندلاع النزاع في يونيو الماضي والآن يعيشون أوضاعاً إنسانية حرجة للغاية.

حظر تجوال
ومع بداية الأحداث تسابقت المواقع الاسفيرية لنقل الأخبار والتي لا تخلو في كثير منها إلى الفبركة وعدم الدقة في التناول إلا أن المدير التنفيذي لمحلية أبوجبيهة العميد معاش سايمون تاب أكد في تصريح لـ (الانتباهة) أن الأحداث وقعت نتيجة لخلافات وثار قديم بين الطرفين مشيراً إلى حرق عدد من القرى فضلاً عن موجة نزوح للمواطنين من أطراف المدينة إلى داخل الأحياء قبل أن تتدخل قوة مشتركة للفصل بين الجانبين وكشف تاب أن الحصيلة الأولية نتجية القتال بغلت (12) قتيلاً من كنانة والحوازمة وثلاثة قتلى من مكونات أخرى بينما تشير مصادر أخرى إلى أن نسبة القتلي تتجاوز الـ (74) قتيلاً بينما بلغ عدد الجرحي أكثر من (19) جريحاً وأشار رئيس لجنة أمن المحلية أن اللجنة أعلنت حالة حظر التجوال يسري من مساء أمس الأول مؤكداً استقرار الأوضاع داعياً الأطراف المتصارعة إلى ضبط النفس.

مأساة أحداث (الكور)
في الثاني من ديسمبر من العام الماضي إندلعت إشتباكات عنيفة بين قبيلتي الحوازمة وكنانة قبل عطلة نهاية الأسبوع منطقة (الكور) التابعة لمحلية أبوجبيهة، استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، وأوضحت بعض المصادر سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، وتسبب الإقتتال القبلي في عملية نزوح كبيرة للمواطنين، تشير المصادر أن الأسباب التي أدت إلى الإشتباكات حادثة نهب، ثم تجددت الإشتباكات بين قبيلتي كنانة والحوازمة استخدمت خلالها الأسلحة الثقيلة مرةً أخرى، سقط على إثرها (15) فرداً، بينما تسبب القتال في موجة نزوح وسط المواطنين داخل مدينة أبو جبيهة، بينما يرى مراقبون من أبناء المنطقة أنها تعيش أوضاعاً مأساوية بسبب الفارين من جحيم الإشتباكات، وكذلك أشاروا إلى عدم تدخل المنظمات المحلية أو دولية للسيطرة علي التدهور المريع، وجهت أصابع الإتهام إلى أفراد من قبيلة الحوازمة بسرقة مواشي تتبع لأفراد من قبيلة كنانة

حوادث متكررة
باتت حوادث النهب والقتل سمةً بارزة للأخبار الواردة من الجبال الشرقية في ظل الإنتشار الكثيف للسلاح بين المجموعات الأهلية لسكان المنطقة وتزيد مخاوف السكان المحليين لجهة السباق المحموم بين الكثير من المكونات على المزيد من التسلح والاستقواء بالأسلحة الثقيلة التي شهدت مواجهات أهلية عديدة في الفترة الماضية واستخدامها بكثافة ويشكل إنتشار السلاح العشوائي في يد المكونات مخاوفاً للأهالي ويتساءل العمدة حسن الطاهر من أين أتى السلاح ؟ وكيف يحدث ذلك في وجود حكومة فيما يرى القيادي بالمنطقة عبد الرحمن كمبال في حديثه لـ (الانتباهة) أن إنتشار السلاح شجع المواطنون على الصراعات ويوجد الكثير من العاطلين عن العمل يقودون الصراعات حول الأرض والحقوق والأصول والثروة وإتهم كمبال منسوبين للحركة الشعبية يعملون على إذكاء الصراع بين الأطراف مع توفير الاسلحة وإتهم كمبال من وصفهم بتجار الحرب بإبتزاز المواطنين بسوق أبوجبيهة مشيراً إلى ما يسمي بـ(صندوق الشر) والذي تم تخصيصه لجمع أموال من التجار لشراء السلاح بحجة توفير الحماية لهم وقال إن بعض المتفلتين منعوا الدعاة من تناول خطب تتحدث عن القتل والنهب.
الموسم في خطر
في ظل الأحداث التي تشهدها مدينة أبوجبيهة ربما يجعل كثيراً من التجار والمستثمرين من خارج المنطقة في لملمة أطرافهم وأموالهم ومغادرة المدينة بحثاً عن الأمن ولم يتمكن (90%) من سكان مناطق الصراع من الزراعة العام الماضي وفقدوا ممتلكاتهم والوضع الإقتصادي والإجتماعي معقد ما لم توجد حلول جذرية ويطالب عدد من المواطنين استطلعتهم (الانتباهة) الحكومة المركزية بتوفير مزيد من الجهود لحل الخلاف ويخشى البعض من أن يتعقد الوضع أكثر من ذي قبل بسبب غياب الأمان الذي يحول دون ممارسة المواطنين لحياتهم الطبيعية تنحدر الأوضاع نحو الأسوأ بسبب تفشي القبلية وتراجع الإنتاج الزراعي بنسبة (25)% وإنحصر الرعي والثروة الحيوانية وهي ثروة قومية أثر ذلك في معاش الناس والإقتصاد القومي، وعزا الإعلامي صلاح أبو روف ترديء الخدمات إلى موجة الصراعات القبلية وقال فقدنا الكهرباء في المنطقة وتوقف إنتاج الذهب، وتعطلت مشاريع التعليم والصحة والبنية التحتية.
تجار حرب
وفقاً للأمم المتحدة مشترطاً حل النزاعات في المنطقة، (إذا لم تحل مشكلة السلاح الذي بحوزة القبائل لن تتوقف النزاعات الأهلية، سيما وأن السلاح منتشر ويستخدم بشكل عشوائي بواسطة المكونات وجمع السلاح هو الخطوة الأولى في الحل ولا يزال دور الحكومة ضعيف رغم أننا وضحنا كل الملابسات للجهات الرسمية، وفي بعض الأحيان يلجأ المتضررين للإجراءات القانونية ولكن (90%) من المجرمين لا يتم القبض عليهم و يفلتون من العدالة ويصعب القبض عليهم بسبب وعورة المنطقة، أن هناك تجار حرب ومستفيدين من تأجيج الصراع بين المكونات المختلفة المتعايشة منذ القدم، والمواطنين لا يرغبون في الحرب بجانب إنعدام هيبة الدولة نتيجة ذلك يقتل المواطنين ويشردوا من مواطنهم الأصلية فيما تستمر المشاكل والتعبئة.
هتك النسيج الإجتماعي
وأثر تسلح المكونات الأهلية في المنطقة الشرقية بحسب عبد الرحمن كمبال على التعايش السلمي وأصبح صعب جداً في منطقة أبوجبيهة على عكس السابق وقال لابد من مواجهة الباطل كل من إرتكب جرماً يجب أن يجد عقابه وأشار إلى أنه لم يفتح أي بلاغ في مواجهتهم المجرمين ولم يقبض على مجرم واحد وتساءل كيف تعالج هذه القضية بالشجب والوقفات الإحتجاج وتبادل الإتهامات خارج دوائر القانون ولجان الحرب تنعقد إجتماعاتها على وضح النهار وأحياناً في مكاتب الدوله تتوعد المسؤولين وتهددهم داخل مكاتبهم وشدد بقوله لابد من محاسبة الجناة وتجار الحرب وخصوصاً الذين يرفضون الصلح هم أشرار لايمكن التسامح معهم ثانياً أن أبوجبيهة لايمكن لأحد أن يدعي ملكيتها هذا خروج عن المألوف.
الأمة يصدر بياناً
في السياق أصدر حزب الأمة بياناً حمل من خلاله الأجهزة الرسمية والأمنية مسؤولية الأحداث داعياً الأطراف المتصارعة إلى ضبط النفس وناشد البيان القيادات الأهلية والسياسية و المجتمعية في المنطقة التدخل العاجل لوقف نزيف الدماء وشكل عبر الأمانة العامـة لجنة لمتابعة الأحداث و التواصل مع كافة الأطراف ذات الصلة في المنطقة وفي المركز من أجل مساعدة المتضررين و إيقاف نزيف الدماء و إعادة الأمور إلى نصابها.

نداء للمكونات المحلية
من ناحيته أطلق دفع الله الرحيمة دعوةً لأبناء الشرقية لعمل نفير تتداعى إليه كل فصائل وشرائح المجتمع على إمتداد الرقعة الجغرافية وتتبناه الإدارة الأهلية والاعيان والشباب والمثقفون والطرق الصوفية يتناول مشاكل المنطقة الشرقية بشفافية للوصول لحل ناجع للصراع ولمعالجة كل مشاكلها وبصورة تسهم بالتأكيد في حل ومعالجة مشكلة جنوب كردفان إجتماعيةً كانت أو سياسية.
فشل الإنتقالية في ملف السلام
ونادى عبد الله إبراهيم سليمان مدير مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان فرع جنوب كردفان كل الأطراف القبلية بتحكيم صوت العقل لوقف نزيف الأبرياء من القبيلتين، وقال لـ (الانتباهة) لقد استبشر كثيرون في ولاية جنوب كردفان خيراً بسياسات حكومة الفترة الإنتقالية، أن تحقق السلام، وتغلق ملف الحرب والإقتتال القبلي إلى الأبد، لكن الحقائق علي الأرض أكبر دليل على فشل هذه الحكومة في إنجاز سلام حقيقي يعيشه سكان الولاية بكل مكوناتها الإجتماعية، وأشار إلى أن أحداث يوم الإثنين ، مؤشر خطير في عملية تسليح القبائل وطالب المنظمات الوطنية والدولية بالتدخل الفوري ومساعدة جميع الأسر التي نزحت إلى داخل مدينة أبو جبيهة.
هجوم ودفاع
إنتقادات حادة صوبها بعض المدونين على مواقع التواصل على الأجهزة الأمنية بعد الأحداث الدامية فيما يلي تدخلها لحسم الصراع في وقت مبكر وفي ذلك يقول عبدالله على القوات النظامية أن لا تسمح بحدوث أي إنفلات أمني داخل مدينة أبو جبيهة، وتحاول أن تفرض هيبتها دون تحيز أو مساندة طرف دون الآخر، وطالب كل القيادات الأهلية في المدينة أن تلعب دور الصلح بين القبيلتين، وتشكل حائط صد، حتى لا تراق المزيد من الدماء، وينصح شباب القبيلتين إيقاف ما وصفه بالعبث، يرى أن إراقة المزيد من الدماء، تشكل حجر عثرة أمام السلم الاجتماعي بين جميع المكونات الإجتماعية في الولاية، التي يعتقد أنها تحتاج إلى السلام، ولا تحتاج إلى صوت الرصاص، وأنها تحتاج إلى الإلتزام بصوت العقل، بدلاً من تجيير العاطفة لتحقيق مصالحة ذاتية، ويقول أن السودان في حاجة ماسة إلى تحقيق سلام حقيقي، يعتقد أن السلام الذي لا يأتي بالاستقرار والمحبة بين مكوناته الإجتماعية، يعتبره سلاماً زائفاً، بل يريد سلاماً يحقق الاستقرار، ويسكت صوت السلاح، وأضاف أن أحداث أبوجبيهة، إذا لم تتدخل الدولة، سوف تنتقل إلى بقية المحليات بولاية جنوب كردفان، هي تعيش نفس (السيناريوهات) الإثنية.
تفاقم الأوضاع الإنسانية
وعلى صعيد ضحايا النزاع، تفاقمت الأوضاع الإنسانية للنازحين الذين فروا إلى داخل مدينة أبوجبيهة بسبب الإشتباكات القبيلة في أن حركة النزوح لا تزال مستمرة من مناطق النزاع إلى داخل مدينة أبوجبيهة وشهدت الأحياء الشرقية موجة نزوح إلى داخل المدينة في الساعات الأولى للأحداث.
وفي ذات السياق حذرت منظمات المجتمع المدني بمدينة أبوجبيهة من خطورة الوضع الإنساني للنازحين في ظل إنعدام المساعدات أن عدد النازحين وفقاً لإحصائيات منظمة بلغ (6651) أسرة وأن عدد القرى التي تم حرقها بلغ (20) قرية في الأحداث التي شهدتها المنطقة في العام السابق.
وأوضح أن أوضاع النازحين الآن تنذر بالخطر وتحتاج إلى تدخل عاجل من المنظمات الإنسانية والخيرية أن أبرز الإحتياجات الطارئة والعاجلة هي مواد الأيواء مثل الخيام والمشمعات والبطاطين والنواميس إضافةً إلى المواد الغذائية والدواء ومستلزمات الأطفال من أدوية وتغذية وملابس. وذكر أن الوضع الصحي يحتاج إلى انشاء مركز صحي طارئ نسبةً للأعداد الكبيرة للنازحين.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى