غرب دارفور تتجاوز مطبات الصراع جبل مون.. الصعود إلى قمة السلام

حميدتي: تجار الحرب لا يريدون للسودان استقراراً ونحن لهم بالمرصاد

 

الجنينة: محيي الدين زكريا
بخلاف الاخبار المتواترة هذه الايام التي تحمل بين طياتها تفاصيل الدماء والدموع، كانت الكلمة هذه المرة للغة الحوار لا للبندقية وللغة السلم والسلام، ليتأكد ان الصلح خير. ومن هنا انطلقت تفاصيل لقاء مشهود في الصباح الباكر ليوم امس الاول، ومع رذاذ حبيبات المطر بدأت الوفود تتقاطر صوب قيادة الفرقة 15 مشاة بمدينة الجنينة التى احتضنت مؤتمر الصلح منذ بدايته.. وجماهير غفيرة وصلت إلى المكان من مختلف المكونات الاجتماعية من شتى محليات الولاية بمسمياتهم المختلفة، وداخل سرادق الاحتفال كل شيء أعد بدقة وتنظيم دقيق من لجنة مشتركة من طرفي الصراع تقف خلفها لجنة السلم والمصالحات بقوات الدعم السريع التي تضم في عضويتها قيادات سياسية وامنية وممثلين لاطراف العملية السلمية، يتقدمهم ذلك الشاب الرشيق النحيف القيادي بالجبهة الثورية الأستاذ تيجاني الطاهر كرشوم، وكان يتحرك وسط الإعلاميين كالنحلة، كيف لا وهو رئيس لجنة الإعلام والعلاقات العامة.
حول جبل مون
محلية جبل مون انضمت الى ركب محليات ولاية غرب دارفور عام 2010م، عقب التوقيع على وثيقة سلام بين حكومة الولاية وحركة الأحرار والإصلاح، وتتكون من اربع وحدات إدارية هي صليعة وقوز منو ومستريحة ومنشورة، وتعد المحلية الأفقر بين رصيفاتها الثماني رغم خصوبة اراضيها.
وثيقة الصلح
وبذلت لجنة السلم والمصالحات بقوات الدعم السريع جهوداً مضنية طيلة الشهر الماضي تكللت بالوصول الى هذا المؤتمر، وقد تلا وثيقة الصلح الاستاذ محمد موسى جنقالة وقال: (اتفق الطرفان على أن يكون هذا الصلح شاملاً وعدم العودة للحرب مهما كانت الاسباب والمبررات، وان يحتكم الجميع الى صوت العقل، ويتم دفع التعويضات وجبر الضرر الذي وقع حسب الأعراف والممارسات والسوابق من قبل نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو.
المجرم لا قبيلة له
على أن يلتزم الطرفان بعدم حماية المجرمين من اللصوص والقتلة وكافة الاعتداءات، وفتح الطريق بين صليعة والجنينة دون الاعتراض، وان يتعامل الجميع مع هذه الظواهر السالبة بالحسم بواسطة القانون، بالاضافة الى تسهيل عودة النازحين واللاجئين الى قراهم التي هجروها بسبب الحرب.
وكذلك اتفق الطرفان على تكوين آلية فنية مشتركة من الجانبين برئاسة دورية لحل مشكلات توقيت الطلقة المبكرة، مع حفظ واحترام الحق الادبي للمسيرية مع الأحقية التاريخية للأرض والالتزام التام بحق العيش للجميع وفق المواطنة، واحترام القيم والعادات والتقاليد والموروثات).
فزع مشترك
واتفق الطرفان على الفزع المشترك حال حدوث اية حادثة تخل بالسلم الاجتماعي، حيث وقع عن قبيلة الرزيقات الامير مسار عبد الرحمن أصيل، فيما وقع عن قبيلة المسيرية الأمير حافظ الشيخ، وكانت منطقة جبل مون (80 كلم شمال مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور) قد شهدت في نوفمبر الماضي أحداثاً قبلية دامية راح ضحيتها نفر عزيز من طرفي القتال، واصيب العشرات ونهبت مواشٍ كثيرة، وشهدت المناطق والقرى الواقعة في محيط جبل مون احتقاناً قبلياً خطيراً ونشر خطاب الكراهية بين المكونات الاجتماعية، وسعت بعض الجهات لزيادة وتيرة الخلافات واذكاء نار الفتنة بين طرفي النزاع في تلك المنطقة التي تمتاز باراضٍ زراعية خصبة، فضلاً عن الروابط الكبيرة والعميقة التي تربط أطراف القتال. وخلال اكثر من شهر بذلت لجنة السلم والمصالحات جهوداً كبيرة من أجل تقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع، حيث وصل وفد كبير من قبيلة المسيرية شمل الادارات الاهلية والعقداء والشباب الى مدينة الجنينة، وانخرط الوفدان في لقاءات مباشرة وتحديد مسارات التفاوض في النقاط التي يعتقد طرفا النزاع انها سبب الحرب الاخيرة، وسادت اللقاءات روح الاخاء والود.
رئيس اللجنة
ومن ناحيته ثمن رئيس لجنة السلم والمصالحات برئاسة قيادة الدعم السريع العقيد موسى حامد أمبيلو جهود القيادة لدعم المصالحات القبلية بالبلاد، لافتاً الى أن اتفاق الصلح بين الرزيقات والمسيرية بالجنينة تم بدعم سخي من نائب رئيس المجلس السيادي الفريق أول محمد حمدان دقلو، وأشار إلى مساهمته أيضاً في إنجاح عملية السلام بجوبا مع حركات الكفاح المسلح، كما أعرب عن شكره لقيادة الدعم السريع قطاع غرب دارفور برئاسة العقيد محمد ناجي وقائد درع السلام بمتحرك كلبس العميد آدم ابو شنب، بجانب دور أطراف العملية السلمية وأعضاء لجنة السلم والمصالحات وقيادة الفرقة (15) مشاة ورئاسة الشرطة وجهاز الأمن، فضلاً عن المشاركة الفاعلة لقيادات الإدارة الأهلية والمرأة.
عقوبات مشددة
وشدد أمبيلو على ضرورة محاسبة كل من ينقض بنود اتفاق الصلح بين الرزيقات والمسيرية من خلال نقل المتفلتين إلى سجن بورتسودان دعماً لتعزيز الاستقرار بالمنطقة.
ممثل قبيلة الرزيقات الأمير عبد الرحمن اصيل كان متحمساً جداً، وفي بداية كلمته داعب حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي وقال: (الفل مارشال دي انا عرفتها).
من يرعي الصلح؟
وقال مسار في كلمته: (نحن مع المسيرية اخوة ولا وساطة بيننا، وسنظل متماسكين وعلى قلب رجل واحد، ويربطنا حبل ويقطعنا سيف، وهذا الصلح أنموذج يحتذى به). وتابع قائلاً: (نمد ايدينا بيضاء لكل من يريد السلام وهذا الصلح مسؤولية وامانة). وطالب الدولة بحماية ورعاية هذا الصلح بفرض هيبة الدولة وردع المجرمين وحسم الفوضى في الشريط الحدودي مع الجارة تشاد.
ومن جانبه قال ممثل قبيلة المسيرية الأمير حافظ الشيخ: (ان هذا الصلح يعتبر المخرج الاساسي لمشكلاتنا)، واشاد بلجنة السلم والمصالحات بقوات الدعم السريع، وأضاف قائلاً انها اتبعت أنموذجاً متفرداً في التفاوض سادته الشفافية والوضوح. وقال: (نحن توافقنا على محاربة المتفلتين وقطاع الطرق وفرض هيبة الدولة ومحاربة الظواهر السالبة).
وقد اضاف حضور السلاطين سعد عبد الرحمن سلطان عموم دار مساليت وهاشم عثمان هاشم سلطان القمر بعداً اهلياً ومجتمعياً كبيراً لهذا المؤتمر، لاسيما انهما الشاهدان عليه. وقال هاشم: (هذا الصلح يمثل فتحاً كبيراً ومدخلاً عظيماً للاستقرار). وأشار إلى أن هذه الولاية تدمرت بسبب الحروب وتفرق النسيج الاجتماعي. وطالب بضرورة التعامل الجدي مع جسم العقداء.
فيما وصف السلطان سعد الصلح بانه خطوة شجاعة لانهاء الحروب والنزوح، واكد قدرتهم على الوصول الى السلام اذا خلصت النوايا. وقال: (إذا كان هنالك من تتقاطع مصالحه الشخصية مع السلام والامن عليه أن يترجل). وأشار إلى أن الإدارة الأهلية معيق للسلام.
حميدتي يتعهد
ومن جهته قال نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو في كلمته: (حضرنا هذه المرة نحمل خيامنا للبقاء أطول فترة، ولن نغادر حتى نقف ميدانياً على كل صغيرة وكبيرة، ونزور كل الأهل والمناطق التي شهدت أحداثاً ونجد حلاً لتلك المشكلات. ونأمل أن يضع هذا الصلح حداً فاصلاً وحاسماً للصراع بين القبيلتين. وليس هناك منتصر في القتال بين الأشقاء وأبناء البلد الواحد وإنما الجميع خاسرون، وفي مقدمتهم السودان الذي خسر بسبب هذه الصراعات العبثية أرواحاً بريئة بسبب الأحداث المصطنعة التي تديرها أيادً خبيثة).
الترويج للكراهية
واشار حميدتي الى أن الذي يحدث الآن من فتنة يتطلب الوقوف والتفكير بعمق لنعرف السبب الحقيقي الذي يقودنا إلى هذه النزاعات والصراعات التي تهدف إلى زعزعة أمن واستقرار البلاد وتقويض السلام الذي تحقق.
وتساءل قائلاً: (من هو المستفيد من إشعال نيران الفتنة وتأجيج الصراع، ومن هو الذي ينشر خطاب الكراهية والعنصرية؟، وغرب دارفور كانت مثالاً للسلم والتعايش الاجتماعي طيلة سنوات الحرب، فهناك أكثر من (43) قبيلة كانت تعيش في سلام تام في مدينة الجنينة وحدها).
بالمرصاد

وقال: (إن تجار الحرب والأزمات أعداء الوطن والشعب لا يريدون لهذا السودان أن يستقر وينعم بخيراته الوفيرة، لكننا لهم بالمرصاد، ولن تهدأ هذه المؤامرات والفتن إلا بالوحدة ونبذ الفرقة والشتات وحل المشكلات والخلافات بالقانون أو بالحكمة والحوار والجودية بدلاً من السلاح). واعترف حميدتي بتقصير الدولة في أداء واجباتها المتمثلة في بسط هيبتها وتحمل مسؤوليتها في حفظ الأمن وملاحقة المجرمين والمخربين والذين يسعون بالفتنة. وقال إن المجرم لا قبيلة له، وإن من يتعدى على حقوق الناس يتحمل مسؤولية أفعاله لوحده وليس للقبيلة الحق في حمايته والدفاع عنه، وقطع بأن الدولة لن تسمح باستمرار هذه الفوضى والانفلات الأمني وانتشار الجريمة وتهديد أمن واستقرار الناس.
أزمة غذاء
وقال إن الموسم الزراعي على الأبواب وهناك أزمة غذاء في العالم والسودان، ودارفور ليست استثناءً عن العالم، وقال: (يجب أن نعمل سوياً لإنجاح الموسم الزراعي من خلال توفير الأمن والعودة الطوعية للنازحين وفتح المسارات والمراحيل والصواني للرعاة). واضاف ان دارفور ليست بمعزل عن ازمة الغذاء التي يعاني منها العالم. وفي رده على سلطان دار مساليت سعد عبد الرحمن قال حميدتي: (وفرنا كل احتياجات النازحين من خيام ومؤن ومياه وباخرتين محملتين بكافة المعينات، واذا هذه الاحتياجات لم تكف لماذا لم ترجعوا الينا؟).
وفي هذه الأثناء قال والي غرب دارفور خميس عبد الله ابكر ان الولاية فقدت بسبب هذه المشكلات أرواحاً عزيزة في معارك طاحنة بين أبنائها في حرب الكل فيها خاسر،
واضاف خميس متحسراً قائلاً: (ما خرجنا من مشكلة إلا ودخلنا في مشكلة أخرى أكثر تعقيداً من التى قبلها). وتساءل قائلاً: (هل الدولة عاجزة عن حماية شعبها)، وأضاف خميس قائلاً: (نستطيع أن نقول إننا توصلنا لبعض المؤشرات التي تقودنا إلى حقيقة من الذي يقف وراء هذه الإشكاليات، وسوف نكشفها للمواطنين عندما تكتمل كافة الأدلة).

محصلة الصراع
وعموماً رغم المخاوف من عدم صمود مثل هكذا مؤتمرات كما حدث في العقود الثلاثة الاخيرة، الا ان هذه الاتفاقية تختلف شكلاً موضوعاً عن وثائق الصلح التي حدثت في السنوات الماضية، لجهة أن الولاية تشهد في مناطق متعددة حروبات وصراعات بين عدة قبائل، في وقت ارتفعت فيه اصوات قوية تنادي بطي صفحة الحروبات القبلية التي راحت ضحيتها في السنوات الاخيرة مئات القتلى والجرحى، وتكشف للكثيرين ان هنالك جهات مستفيدة تعمل على إشعال الحروبات لاقل الاسباب، وتعمل على تضخيم الأحداث واخراجها من مضمون القتال القبلي الى مسميات تتماشى مع خططهم وبرامجهم ومتطلبات الجهات التي تحركهم من الخارج.
تطور خطير
فضلاً عن تطور الحروبات القبلية، حيث شاهدنا قبائل تتقاتل باسلحة ثقيلة مدافع ودوشكات وكل انواع الاسلحة الخفيفة، لذلك كان الدمار اكبر والخسائر فادحة.. ولكل هذا وغيره أصبح الصلح والتسامح والتسامي عن الصغائر الهدف الأساسي لتلك الاصوات التي تتوقع نجاح هذا المؤتمر الذي ربما يفتح الباب لعقد مؤتمرات صلح اخرى بين مكونات اجتماعية كبيرة تقاتلت في عدة مواقع داخل الولاية، وأثرت كثيراً في اللحمة الاجتماعية في الولاية، واضطرت مئات الاسر الى مغادرة المدينة الجميلة التي كانت شعاراً للخضرة والجمال.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى