عادل عسوم: المعنى الصحيح لمقولة (الدين محفوظ).

عادل عسوم
إنها حجة البعض وتبريره عندما تسأله لماذا لاتغضب لربك عندما تنتهك محارمه أو يصدر قرار حكومي أو حزبي ينافي دين الله؟!
السبب في ذلك الفهم المغلوط لمفهوم (حفظ الله الدين) كما ورد في الآية الكريمة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر9.
وكذلك يحتج البعض بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} الفتح 28.
فإن سألته يقول لك: (أنا اصلي واصوم وأحج، والدين محفوظ في الصدور)! .
أي انه لا شأن له بل وليس من واجبه التفاعل مع النوازل التي تحيق بدينه طالما لم تطاله مباشرة وبصورة شخصية!.
ومنهم من يتحجج لك بقول عبدالمطلب ان للكعبة رب يحميها.
وللرد على ذلك:
الآية الأولى لاتتحدث عن الدين، إنما تتحدث عن كلام الله وقرآنه الكريم، وفيها عهد من الله بحفظ القرآن من التحريف.
اما الآية الثانية، فتتحدث عن إبطال الله الملل كلها بهذا الدين حتى لا يكون دين سواه إلى أن ينـزل عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتل الدجال ويحكم بالإسلام كما تقول الصحاح من أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم، وبذلك فليس هناك حفظ تلقائي (ميكانيكي) للدين دون أن يكون للمسلم فيه جهد وفعل.
فحفظ الدين لايكون بالتقاعس و(ربّيع اليدين)، وإلا لما خرج الصحابة والتابعين للضرب في الأرض سعيا منهم إلى نشر دين الله في الآفاق، ولولا ذلك لما وصلنا الإسلام في السودان، ولبقينا على وثنيتتا وبعض من نصرانية وتثليث وإشراك بالله.
وعن قول عبدالمطلب الذي يحتج به البعض، فإنه لم يقل (انا رب الإبل وللبيت رب يحميه) ثم انزوى (مربعا يديه)، إنما فعل مافي وسعه كما روت أمنا عائشة رضي الله عنها:
أورد الزمخشري في الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل في سورة الفيل:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: ان أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه فجهره وكان رجلا جسيما وسيما، وقيل: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، فلما ذكر حاجته قال: سقطت من عيني، جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم في قديم الدهر فألهاك عنه ذود أخذلك، فقال: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه، ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول:
لا هم إن المرء يم‍نع أهله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك
إن كنت تاركهم وكع‍بتنا فأمر ما بدا لك
يا رب لا أرجو لهم سواك يا رب فامنع منهم حماكا
فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي ببحرية ولا تهامية، وفيه أن أهل مكة قد احتووا على أموالهم وجمع عبد المطلب من جواهرهم وذهبهم الجور وكان سبب يساره.
إنتهى
وبذلك فإن عبدالمطلب لم يتقاعس وهو يرى بيت الله مهدد إنما فعل مافي وسعه.
والغضب عندما تنتهك محارم الله واجب لكوننا – في الأصل – لم نخلق الا لعبادة الله انسا وجنا، كما قال ربنا جل في علاه:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56
ومن الغضب لله رد أبوبكر رضي الله عنه–وهو الحليم- على عروة بن مسعود موفد قريش في صلح الحديبية (جاهرا في وجهه بالسوء)!
إن المسلم معني بتطبيق الدين في
واقع الحياة، ومن أقام الدين في نفسه فهو معين على إقامة الإسلام في الأرض، والشريعة فيها واجبات عينية وواجبات كفائية، فالواجبات العينية يلزم كل مسلم إقامتها كالصلاة مثلاً، لكنها ليست كل الدين، والواجبات الكفائية لا بد أن تقوم بها الأمة بأجمعها بحيث إذا أخلت بها أثم جميع أفرادها.
حكى لي زميل دراسة في الجامعة من الفلبين، وهو من الطلبة الدارسين في معهد اللغة العربية للناطقين بغيرها في جامعة أم القرى فقال:
كان الشعب الفلبيني بغالبه على ملة الإسلام، وعندما احتل الاسبان الفلبين شرعوا في إصدار قوانين تبيح التفسخ والانحلال، وكان تبرير الآباء منا أن (الدين في القلوب)، ثم بدأ الاسبان في تغيير المناهج التعليمية، وظل الآباء على قولهم، وإنهم لن يناهضوا الأسبان طالما لم يمنعوهم عن الصلاة، بل لقد كان الاسبان يشيدون بعض المساجد ويدفعون للبعض المال للسفر لأداء فريضة الحج (بخبث وذكاء)!.
قال لي زميلي بأن المنتهي كان نشأة أجيال جديدة كلها متنصرة، عدا ارخبيل ميندناو الذي استعصم فيه أهله بدينهم، ورفضوا كل مساس به من الاسبان وناهضوهم إلى يوم الإستقلال.
الدين يا أحباب لايكون بالتخاذل والخنوع، إنما بالمدافعة، قال ربنا جل في علاه:
{…وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} البقرة 251.
يقول الشعراوي رحمه الله في تفسير هذه الآية:
(الدفع هو الرد عن المراد، فإذا كان المراد للناس أن يوجد شر، فإن الله يدفعه. إذن فالله يدفع ولكن بأيدي خلقه).
لذلك لاينبغي لمسلم أو مسلمة أن يرضى الدنية من دينه، وان تبين للمسلم بأن قرارا ما من السلطات فيه مجانبة لدينه، ودعوة إلى باطل؛ لا ينبغي السكوت على ذلك، بل الرفض والمدافعة طالما اجمع من هم أكثر دراية بفقه الدين بخطله، وإلا فإن عقاب الله سيطال الأمة بأسرها كما قال ربنا:
{وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} الكهف
وقال تعالى:
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ، أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ، وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} الأعراف
اللهم ولِّ علينا خيارنا، واحفظ السودان من جهل بعض أبنائه وكيد الأعداء، انك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.
adilassoom@gmail.com

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى