ثورات الغضب.. حقوق الإنسان ليست منحة

عثمان محمد الحسن

لست من هواة الضجيج والاحتفالات بأية مناسبة اجتماعية أو سياسية، ولا أحب الأعياد وصخبها، بل أعشق الهدوء والسكينة، وأنفر من كلمات المجاملة المستهلكة يومياً، ولكنني أعجبت وسررت بتلك الأصوات الهادرة التي ارتفعت من حناجر الشباب الذين طالبوا بحقوقهم، حيث أننا نقف اجلالاً واحتراماً لثقافة ما نسميه الحراك السلمي الذي يعبر بشكل مباشر عن صحة وقيمة الوطن، وهي مقدمة لحوار وطني بين أبناء الوطن جيشاً وشعباً من أجل رؤية ومستقبل أفضل للوطن، حيث يمكننا القول بأن الأصل في أزمات الحكم في السودان ومنذ استقلاله وقد انعكست سلباً على مجمل مناحي حياة المواطنين في الآونة الأخيرة، هو ذلك الفشل الذي لازم نخبه السياسية وطريقة إدارتها لشؤون المحك في البلاد.. فضلاً عن تفاوتها في نسب فشلها ونجاحها، فهي جميعها تشترك وتتقاسم المسؤولية في عجزها عن تحقيق تطلعات شعبها ووضعه في المكان اللائق لعظمته بين شعوب العالم، مما أسفر عن هذا الحراك الذي قاده الشباب وغيرهم من طوائف الشعب السوداني، إذ لم يكن غضب الحراك الذي اجتاح شوارع البلاد بسبب خُسارة مباراة رياضية أو اكتشافاً جديداً، لكنه انتفاضة الكرامة ضد ضياع حقوق الإنسان السوداني من صحة وتعليم وعيش كريم وعزة نفس، فشباب السودان بل الشعب كله ليس هو الذي يفرط في كبريائه بسهولة حتى أصبح الآخرون يعايرونه بأشياء سخيفة مثل أكل الفول والبوش فطوراً وغداءً وعشاءً وأحياناً وجبة واحدة .. رغم أنها من نعم الله سبحانه وتعالى.. انتفاضة الكرامة هذه البداية الجديدة لإعلاء كرامة كل سوداني في بلده قبل أي مكان آخر، كرامة في العلاج والصحة لا الاهمال ليدفع حياته ثمناً لذلك, كرامته في كل جوانب حياته في المواصلات وغول الأسواق، وفوق كل هذا وذاك مسؤوليته نحو أسرته في الحياة الكريمة بعيداً عن كل صور الفساد والاستقلال والجشع، وعندما خرج شباب ابريل خرجوا ليبرهنوا للعالم أن لهم قضية وحقوقاً مهضومة جار عليها من أفسدوا الحياة العامة في بلادهم وتاجروا بهذه الحقوق، فجاء ارتباطهم بوطنهم وبمشكلات أمتهم تعبيراً صادقاً عن حقوق الإنسان في العيش الكريم التي خرج من أجلها الكثيرون ولم يعد منهم الكثيرون .. خرج الشباب متسلحاً بوعي حر، فألهبوا حماس الأمة وقادوها وعياً وفكراً وشكلوا وجدانها وأحاسيسها بعد أن ظلوا يعيشون حالة اغتراب عن الوطن طيلة أعوام.
إن تلك العقول والحناجر الشابة ما خرجت الا لتبحث عن شيء تعشقه تدافع عنه بالدم الغالي لأن جيناتهم فيها الحماس وحب الوطن .. لأنهم خرجوا من رحم هذا الشعب بلا ضغائن أو أحقاد أو تبعية، فالنزعة الوطنية لديهم فاقت كل شيء وعلت فوق كل النزاعات الأخرى .. وهنا لا بد لنا أن نعي دورنا جيداً بكل أطيافنا وواجهتانا السياسية، حيث يتوجب علينا اتباع تلك الطرق والوسائل الحكيمة التي تحفظ الحقوق والكبرياء دون تكبر أو بزهوٍ ليؤكد الشباب مركزية وطنهم ودوره المحوري ومكانته الحضارية دون أن يثيروا مشاعر الحقد مع بعضهم البعض .. إن الوطن مسؤولية والقيادة مسؤولية، فعلينا أن نحافظ جميعنا على هذه المبادئ، وأن ننظر برؤية ثاقبة الى طبيعة المعادلة السياسية الراهنة، ولعل الجميع في ترقب للوصول الى ذلك الكنز .. تلك سادتي في مجملها هي حقوق الإنسان وما أكثر منظماتها العالمية والاقليمية والتطوعية، ولكن أين هي من غزة فلسطين ومن مسلمي الروهينقا يشردون ويقتلون وتحرق ديارهم وكبار العالم يغضون الطرف عن القتلة والمجرمين، فمن يحمي هؤلاء أليست لهم حقوق؟ ليظل السؤال يطرح نفسه، لقد ظلت أمريكا ومنذ اكتشافها قبل نحو خمسة قرون وهي تشيد حضارتها باضطهاد السكان الأصليين للقارة وإبادة الهنود الحمر، واتخذوا من رعي البقر مهنة حتى اكتشاف الثروات الهائلة لاحقاً، فجلبوا من إفريقيا أولئك الأُناس وحولوهم الى أدوات عمل ترتهن بإشارة السيد الابيض في حقولهم ومزارعهم وفقاً لمفهومهم الذي ينادي بحقوق الإنسان، حيث نمى وتطور لدى بعض الدول الأوروبية واعتنقته كمبدأ زائف، فهل حقاً يؤمن الغرب بمبدأ حقوق الإنسان؟ إن الإجابة تبدو صعبة على تلك الدوائر، وإلا لماذا لا تقوم أمريكا بالضغط على إسرائيل لوقف تلك المجازر الوحشية وتدمير غزة وإنسانها؟ ولماذا لا تغلق تلك المعتقلات الرهيبة حيث تمارس أبشع انواع التعذيب الذي لا يمثل الا ذلك القدر من الانحطاط البشري، وتلك هي أبسط حقوق الإنسان.. كلمات حق أريد بها باطل، وقد آن الأوان ليعترف الكبار في هذا العالم وفي مقدمتهم الولايات المتحدة بحقوق الشعوب المضطهدة في العيش الكريم، حرية وعدالة مسنودة بسلام وأمن مستدام، ولعمري لن يهدأ للشباب بال ويستقر له حال، إلا بعد أن ينتصر لإرادته وينال حقوقه كاملة، وهي في الأصل ليست منحة.
خارج النص:
> المتاريس والحواجز التي يضعها الثوار على الطرقات الرئيسة لإعاقة حركة سير المواطنين لا تخدم قضية الوطن .. فمن يطالب بالحرية عليه احترام حرية الآخرين.
> إن أكبر هزيمة سياسية وأخلاقية للقوى الحزبية، هي أن تفقد قوة تميز بين الخير والشر والحسن والقبيح، وتعلي مصالحها الضيقة على مصلحة الوطن في المشهد الراهن.. فهذه الأحزاب لا يظفر وطنها بالأمن والاستقرار والتقدم أبداً.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق