إزالة الجداريات بساحة الاعتصام.. الذواكر حيّة لا تخـــــــون

الخرطوم: هادية قاسم المهدي

عقب فض الاعتصام من أمام القيادة العامة بدت حملات نظافة تغطي كافة المساحات التي كان يتواجد فيها المعتصمون، لم تهتم هذه الحملات بنظافة الشوارع فقط بل درجت على طلاء الحوائط التي كانت تحتضن جداريات ثورية كان بها من الإبداع ما يحكي عن مهارة منفذيها . فبعض الحوائط تم طلاؤها تماماً بطلاء أبيض مثل حائط مسجد الجامعة وغيره. (الانتباهة) رسمت ملامح إخفاء ذلك الإبداع وتناولت آراء متباينة فالى ما جاء من حديث :-
بيضاء تماماً
أمام مسجد جامعة الخرطوم ومن الناحية الشرقية بدت الحوائط بيضاء ويبدو أن من قام بطلائها قد اجتهد فيها حتى يخفي كل الرسومات وما صاحبها من تعليقات، تلك الرسومات التي كتبها الشهداء بدمائهم فطفقوا يحتفون بها استعداداً للاحتفاء الأكبر بعد ان تسلّم السلطة الى الحكومة المدنية . ولكن هؤلاء لم يعلموا أن أيادي خفية ستطول إبداعهم بعد أن بطشت بهم وأنها ستمسح بجرّة فرشاة ملامح نقوشهم التي أنفقوا فيها جام طاقتهم .
سجن كوبر
تحت نفق جامعة الخرطوم وقبالة الناحية الشمالية كان يوجد (سجن كوبر ) وهو عبارة عن تقسيم لزنازين أفلح من رسمها بمهارة، فيما كانت زنزانة المخلوع البشير تتوسط بقية الزنازين وكانت أسماء المساجين المكتوبة على سطح الحائط تنال إعجاب الثوّار الذين ظلوا عند زيارتهم للسجن الشكلي ينهالون على المساجين ضرباً بحذاء معلّق بالقرب منهم .وعند مروري بهذه المساحة كان الطلاء الأبيض قد أخفى ملامح الرسم الجميل ولم يبقَ في أعقابه سوى بعض الإشارات .
تشويه جزئي
قطعاً لم يستطع عمّال الطلاء أن يطلوا الأرض التي تقع في مساحة الاعتصام كلها خاصة وأن بها رسومات كثيرة ،لكن هذا العجز لم يمنعهم من تشويه جزئي لبعض المساحات وإخفاء ما بها من إبداع .وقد كان الثوّار آنذاك يطوفون حولها في تمعُّن وسرور وهم يقرأونها قراءة المندهش من إبداع خرج للملأ ليسطّر إرهاف حس الفنانين الذين ينادون بالسلام والحرية والعدالة .
شموخ وشواهد
بعض الجداريات لم يتم طلاؤها فاللوحة التي يظهر فيها الثوّار وهم يرفعون أياديهم تأهباً للتفتيش لا زالت شامخة، وكذلك الوجه البريء للشهيد الأستاذ أحمد الخير لا زال يتطلّع بعينيه التي يخيّل للناظر بأن الدمع ينهمر منها ،وكأن القدر أراد للوحته أن تكون شاهداً على ما دار من حدث وحديث فبقيت ترقب الهدوء الذي أعقب الضجيج .
استياء
عدد من الذين استطلعتهم ( الانتباهة) أبدوا غضبهم واستياءهم من إخفاء الجداريات الإبداعية التي رسمها الثوّار أثناء فترة الاعتصام ، ومنهم من قال إن ذلك تاريخ لا يحق لأي جهة أن تزيله فالشوارع التي لا تخون تشهد على ما كان – بحسب رأيهم .
أمر طبيعي
فيما أكد عبد الرحمن – أربعين – في حديثه للصحيفة أن ما قامت به الجهات المختصة من إخفاء تلك الجداريات هو أمر طبيعي اقتضته ضرورة المرحلة ،مضيفاً : بما أن الحكم لم يزل عسكرياً فبالطبع لن تكون هنالك آثار للاعتصام بغض النظر عن كنهها .
خيالات عالقة
لكن وبالرغم من محاولة إخفاء تلك المعالم ومحوها كأن شيئاً لم يكن فستظل خيالاتها عالقة بأذهان وذواكر السودانيين على مدى الأزمان، وسيحفظ التاريخ جمالياتها بذات الألم الذي سطّروا بها تقاسيمها على تلك المساحات التي شهدت على ما كان وما دار من حراك إبداعي كبير .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق