النيل الأزرق.. تفاصيل ما بعد الأزمة

 

الدمازين ــ قنيص ــ الروصيرص: يوسف عركى

رسمت دولة الفونج علامة فارقة فى تاريخ السودان، ووحدة النسيج الاجتماعي جمعت أهل السودان على كلمة سواء قبل 500 عام خلت أو يزيد من خلال الحلف الشهير بين عبد الله جماع وعمارة دنقس الذي أرسى معاني التعايش السلمى طوال تلك الحقب الزمنية التى كانت انموذجاً على مستوى المعمورة, وعندما تقود قبيلة رفاعة ببطونها وخشومها وبيوتها ورجالها وقياداتها من الادارة الاهلية مع كوكبة من العمد والمشايخ فى مقدمتهم ناظر القبيلة مالك الحسن أبو روف، ويناظر صلاح قواسمة ناظر قبيلة القواسمة والعمدة عبد الحميد تندل عمدة المعاليا فى ولايات النيل الأبيض والنيل الأزرق وسنار والامير مهدى ابو جنة أمير رفاعة ولاية الخرطوم ووفد منبر شباب رفاعة الذى قاد هذه المبادرة برئاسة المهندس ضياء الدين صديق رئيس المنبر  وممثل ناظر قبيلة العمارنة غازي إبراهيم وآدم رقيعة رئيس الاقليم الجنوبى سنار والنيل الأزرق من منبر شباب رفاعة، وإبراهيم المصرى وعضو المكتب التنفيذى لمنبر شباب رفاعة ابراهيم النفيدى، عندما تقود رفاعة مبادرة الصلح لطى صفحة الاحداث القاتمة فى النيل الازرق فانها تستند الى هذا الإرث الكبير الذى يدعمه تاريخ الأجداد وجغرافيا الأرض بوصفها مكوناً أصيلاً فى مجتمع الإقليم الذي عرف بالمحبة والتسامح والاخاء والترابط والتعايش السلمي بين مكوناته وانصهاره جميعاً في بوتقة واحدة شكلت مجتمع اقليم النيل الأزرق الذى يعرفه الجميع.
أبو شوتال يتحسر
واجمع الحضور على أن ما حدث هو مجرد سحابة عابرة لا تعكر صفو الحياة هنا فى هذه المنطقة الوداعة الذي عرفت بعلاقاتها القوية والمتينة ونسيجها المترابط.. (الانتباهة) كانت حضوراً خلال هذه الجولة فى أجواء ماطرة وسحب غائمة، واختير للجولة يوم (الجمعة) ليبارك الله خطوات الجميع فى السعي نحو السلام وإطفاء نار الفتنة التى كما وصفها أحد قيادات الادارة الاهلية ان عينا اصابت الاقليم الذى لا يعرف انسانه إلا الخير ومعانى الخير، ورأينا ايدى الدمار والخراب طالت العديد من المؤسسات العامة والخاصة، ومن بين ذلك مخابز وسيارات ودور ينتفع الناس بخدماتها، وقبل ذلك ضحايا هذه الاحداث من ارواح عزيزة كانت بالامس بيننا، كما قال المك أبو شوتال فى زيارتنا له فى مدينة الروصيرص معقل داره وعشيرته قال متحسراً: ( فقدنا بالأمس اشخاصاً اعزاءً كنا حتى آخر لحظة نتسامر معهم).
لقاء الحاكم
التقى الوفد بكل الأطراف بدءاً بحاكم الإقليم الذى حدد الساعة الثانية والنصف ظهر الجمعة موعداً للقاء حاكم إقليم النيل الأزرق، ولم نمكث غير ربع الساعة عند دخولنا المدينة التي وجدنا انها تحيط بها السكينة والطمأنينة ويحفها الهدوء من كل جانب، عقب أحداث ساخنة شهدتها المنطقة، والاجهزة الشرطية والقوات المسلحة والاجهزة الامنية الاخرى تبسط يدها على الأوضاع، وعلى عجل ذهبنا مع الوفد للقاء الحاكم الفريق العمدة أحمد بادي الذي رحب بالوفد، وقال إن هذه الزيارة ليست غريبة على اهل رفاعة وهم جزء أصيل من مكونات هذا المجتمع.
دعوة للتسامح
ودعا الحاكم بادى الى البعد عن الخطاب الاعلامى السالب وبث خطاب التسامح والمحبة عوضاً عنه لحل الازمة الراهنة، واستقبل العمدة بالدمازين وفد منبر شباب قبيلة رفاعة برئاسة الناظر مالك ابو روف ناظر القبيلة، واثنى الحاكم على المبادرة التى تقدمت بها قبيلتا رفاعة وكنانة كواحدة من المكونات الراسخة لمجتمع الإقليم لتجاوز الاحتقانات ووقف العدائيات وتحقيق التعايش السلمى فى المجتمع.
لا تفريط في حماية البلاد
وقال العمدة: (ان أصحاب الأجندات لا مكانة لهم بيننا)، داعياً الادارة الاهلية الى الاصطفاف حول الخطاب الذي يوحد الناس ويجمعهم، لافتاً الى ان هنالك مجموعات لم يسمها تسعى لضرب النسيج الاجتماعى فى النيل الأزرق، وإن العقلاء من ابناء المنطقة يفوتون الفرصة على مثل هؤلاء ومخططاتهم الرخيصة، وقال ان الحساب ولد ولا تفريط فى حماية البلاد، واشار الى ان لجنة تقصى الحقائق تمضى فى مسعاها مع لجنة المساعى الحميدة لعودة الحياة الآمنة للاقليم.
دموع الرجال
فيما دعا ناظر رفاعة مالك ابو روف الى تكوين لجنة عليا على مستوى المركز تضم الحكماء للخروج بالاقليم من أزماته، واكد وقوف القبيلة بشيوخها وشبابها لرجم شيطان الفتنة والكراهية، والتقت رفاعة بكافة الأطراف فى أحداث ونزاعات النيل الأزرق وجلست معهم بروح وقلب مفتوحين، وشاهدنا الدموع تذرف من مآقي الرجال وكم هي غالية دموع الرجال، وتحدث الجميع من قيادات الإدارة الأهلية الناظر ابو روف والعمدة دنتدل والناطر القاسمى المهندس الشاب رئيس منبر شباب رفاعة ضياء الدين صديق عن حرمة قتل النفس والتعدى على الإنسان فى نفسه وماله، وإن من تلاقى سيفه مع اخيه قاتلاً أو مقتولاً فكلاهما فى النار.
وقف التصعيد الإعلامي
وطالب الجميع بشدة بوقف التصعيد الاعلامى ووقف العدائيات، وأن توجه جميع القيادات قواعدها بضبط النفس وعدم الانسياق وراء الدعوات الهدامة التى ترمى الى تمزيق النسيج الاجتماعي للاقليم، وذهبت (الانتباهة) برفقة وفد الإدارة الأهلية لحكمها ورفاعة وكنانة الى المك ابو شوتال في معقل داره، حيث حدد الوفد لقاءً مع المك، ومررنا بمنطقة (قنيص) عابرين خزان الروصيرص، وكم هى رائعة تلك المناظر الساحرة التى تخلب الألباب ونحن نشاهد شلالات المياه تتدفق منسابة تحمل الخير لاهل السودان، وتغازلها الصخور وشجيرات خضراء تريح النفس وتطرد عنها كآبة الحرب والمنظر، ويقابلها إنسان ودود يحمل البشاشة والخير.. هكذا حال أهلنا فى هذا المنطقة ولكنها الفتنة لعن الله من ايقظها.
آثار الدمار
اثار الاعتداءات واضحة في (قنيص) آثار الحريق التى طالت السوق الاكشاك والمتاجر الصغيرة وسوق النساء والبائعات اللاتى يقتتن من كسب شريف، والمخابز على جنبات الطريق التى تناوشتها ايدى الخراب والدمار، ووجدنا قوة من الجيش عند مدخل المدينة، وذهبنا الى أبو شوتال الذي قابلنا بالزى القومى وهو يرتدى جلباباً ناصع البياض، ورحب بالجميع وصافحهم فرداً فرداً اكثر من (60) قياديا أو يزيد فى ضيافة أبو شوتال، واثنى على الزيارة وقال إن الجميع اهل دار، وتحدث عن الحرب ومراراتها وعن ظلم الانسان لاخيه الانسان، وبارك هذه الخطوة لرتق النسيج الاجتماعى والسعى الى الاصلاح بين الناس.
ترحيب بالمبادرة
وقال ابو شوتال إنهم مع المبادرة وما تخرج به من مخرجات، وليس هنالك من يريد الحرب، فالخاسر اولاً واخيراً كل الأطراف، ولا خير فى الاقتتال والاحتراب، وإن التعايش هو الذى يسود بين الناس كما كان فى السابق، ولا اختلاف بين جميع مكونات الولاية، وما تخرج به المبادرة ملزم للجميع.
لا يسر عدواً ولا صديقاً
وتواصل (الانتباهة) جولتها مع وفد منبر شباب رفاعة، وتوجهنا صوب مركز طيبة لتعليم القرآن الكريم عند مدخل الروصيرص، والى شيوخ وزعماء الهوسا، ووجدنا التلاميذ وشيوخ القرآن مولانا عيد الله وهو يتوسط السرير ويرتدى نظارة سوداء، وقال ممثله فى كلمات بسيطة ان الذي حدث لا يعحب الصديق ولا العدو ولكن امر الله نافذ. واكد الالتزام بوقف العدائيات، وإن ما حدث امتحان وابتلاء من الله سبحانه وتعالى ولن يتكرر بإذن الله، سائلاً الله ان يكلل مساعى الجميع بالنجاح.
أهل الحل والعقد
وفى بيت الادارة الاهلية محل الحل والعقد ومجالس الصلح التى تعقد لرجال وحدوا اهل السودان لاكثر من (500) عام وارسوا أدب التعامل الراقى وفق الدين والعرق وقيم التسامح والعفو والصفح ورد المظالم الى أهلها والفصل فى القضايا بالحسنى، كان لقاؤنا بالمك الفاتح حسن يوسف عدلان مك عموم قبائل النيل الأزرق، وفى بيت للضيافة عامر باهله استقبل الفاتح الوفد الاهلى من رفاعة شاكراً لهم هذه المبادرة، وأنهم أهل دار وما قاموا به يصب تجاه المساعى التى يقودها الإقليم لرأب الصدع ورتق النسيج الاجتماعي.
لملمة الأطراف
وأشار الى الجهود الجارية لاحتواء الخلافات وحقن الدماء وتوحيد أهل الاقليم لدرء مخاطر هذه الفتنة التي أطلت برأسها لتمزيق وحدة اهل النيل الأزرق، وقال إن إنسان النيل الأزرق قادر على تجاوز هذه المحنة، وإن أبناء رفاعة مكون رئيس من مكونات مجتمع النيل الأزرق، وهذا يصدقه ولا يكذبه التاريخ، وإن مساعيهم ماضية من أجل المناصرة والإصلاح بين جميع الاطراف لاعادة الامن بالمنطقة، وأنهم مع جميع الحلول للم شتات النيل الأزرق ودعم التعايش السلمى والمجتمعي، وأن يمارس كل شخص حياته وفق ما يمليه الدين والعرف والقانون وقيم المواطنة الحقة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى