هذا ما كنت أخشاه أيها الشباب

فريق ركن إبراهيم الرشيد علي

– لم أكن بعيداً عن شباب الثورة منذ بداياتها خلال شهر ديسمبر إذ أن عشرات الشباب والشابات من أسرتي الممتدة كانوا من ضمنهم، بينهم أساتذة جامعات واطباء ومهندسون وصيادلة ومحامون ومعلمون واعمال حرة, بينهم ايقونة الاعتصام الدكتورة سمية علي محمد سعيد وشقيقتها اميمة الاديبة والشاعرة بالميراث, وهبة وسدرة وهن حفيدات سعيد ود إحمد الجد الكبير الشاعر بالفطرة.. جميعهم خريجو جامعات وحاملو دراسات عليا وانا فخور بهم.
كان ايمن يحدثني بالتفاصيل ويسأل ماذا تتوقع؟ اقول له كلما التزمتم بالسلمية وكان نفسكم طويلاً، اي يوم يمر انتم تكسبون والنظام يخسر. ويسأل اين القوات المسلحة؟
واقول له متى ما وصلت ثورتكم الى سقفها، ستكون القوات المسلحة منحازة لها وهذا ما يحدث به التاريخ.
– لم تكن مع بدايات الثورة وشهورها الاولى، لم تكن الرؤية واضحة من الذي يقف خلف هؤلاء الشباب الرائع.. ولم تكن المسميات، من قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين وقياداتهم المنظمون للحراك معروفي الهوية.
عندما وصل الشباب الى القيادة العامة يوم السادس من ابريل واحتموا بها من بطش النظام وطلبوا انحيازها لهم، قلت لمن يحدثني الآن نجحت ثورة الشباب ووصلت الى غاياتها.
– تاريخياً ما استجار الشعب السوداني بقواته المسلحة الا انحازت له ونزعت السلطة لصالحه.
– هنا تذكرت الحديث الذي دار بيني وبين السيد الصادق المهدي في منزل ابن خالتي الزعيم الانصاري سيد احمد عبد الله عكود بالمنشية ونحن على دعوة غداء وكان ذلك بعد تقاعدي على المعاش، (اذا قال السيد الصادق ان القوات المسلحة اصبحت مسيسة واصبحت انقاذية ولا يرجى منها في تغيير هذا النظام، او كما قال:
فقال له الاخ سيد احمد لكن الفريق ابراهيم الرشيد له رأي آخر.
(قلت للسيد الصادق، القوات المسلحة بنشأتها القومية ووطنيتها وارثها التاريخي متى ما ثار الشعب وانتفض سيجدها منحازة له، واضفت، غداً يا سيد الصادق لو استطاعت القوى السياسية تحريك الشارع بقوة ستجد القوات المسلحة سنداً لها ودعماً لحراكها)انتهى.
عندما اعلنت القيادة العامة انحيازها للثوار يوم 11 ابريل وقامت باجبار الرئيس البشير على التنحي واخذت عصمة السلطة بيدها لصالح الشباب الثائر كان ذلك امراً متوقعاً ولقد تبلور الرأي العام العسكري من قبل ذلك، بان حكم الانقاذ وصل الى نهاياته وحان وقت اقتلاعه.

وحتى ذلك الوقت لم تعرف هوية من يقفون خلف الثوار، وكان الناس يسألون، من هم القادة من السياسيين الذين سيديرون الفترة الانتقالية؟
يوم 17 ابريل نشرت صحيفة الصيحة حواراً موسعاً اجرى معي كنت اركز فيه على الشباب وحمل عدد من الرسائل والتوصيات وكان العنوان الظاهر فيه، لقد قام الشباب بثورة وعمل غير مسبوق، ولكن السؤال حتى ذلك الوقت من الذي يتخفى من خلفهم، ولماذا لا يعرفهم الناس؟؟
– ثورة اكتوبر 1964 كنت طالباً في المرحلة الثانوية(امدرمان الاهلية الثانوية، كان الناظر الاستاذ النور ابراهيم، كان حاسماً وشديداً في ادارته. اضربت المدرسة وخرج طلابها في المظاهرات الكبيرة التي شملت كل احياء امدرمان، نجحت الثورة وسقط نظام الفريق عبود. عدنا للدراسة بعد فتح المدارس، وفي اول يوم وجدنا الصول (سمير) بيده كشف باسماء الطلاب رأس الهوس ومحرضي الطلاب على الاضراب. كان اسمي من بينهم وكان نصيبي من الثورة (خمس عشرة جلدة) سألنا عن الحكومة الجديدة ، قالوا دي حكومة جبهة الهيئات يعني بتسميات ثورة الشباب اليوم هم ذاتهم تجمع المهنيين وبالمثل من خلفهم الساسة اهل النفاق والكذب.
– عندما عرفت خلال ابريل الماضي وبعد نجاح ثورة الشباب العظيمة ان قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين ما هم الا بقايا الزعماء والساسة اهل النفاق والكذب الذين لم نعرف عنهم منذ الاستقلال الا الفشل والانانية وتصفية الحسابات والحفر والكراهية لبعضهم والصراع على السلطة وكراسي الحكم.
عندما اتضح ذلك للناس، خشيت على الشباب الرائع الذي فجر وناضل وصبر وقدم الشهداء، خشيت عليهم من ديناصورات السياسة فكتبت مقالاً يوم 22/4 الماضي نشر في صحيفة الانتباهة مخاطباً الشباب جاء فيه ( لا تذهبوا حيث يأخذكم الطريق بل اذهبوا حيث لا يوجد طريق واتركوا اثراً). وقلت فيه، اخشى عليكم ثوار اليوم من اختطاف ثورتكم من اهل النفاق والكذب وانتم لا شك ترون امام اعينكم كيف تكالبت الاحزاب وقادتها على قصعة الثورة، وكيف جاءوا ينفضون عنهم غبار الذل والمسكنة يدعون النضال والتضحية كذباً ونفاقاً ليمارسوا تلك اللعبة القذرة التي تسمى السياسة.
قلت في ذلك المقال، انتم المستقبل والامل للخروج بهذا الوطن الى بر الامان، الثورة ثورتكم لم يسبق لها مثيل فابتعدوا عن ثعالب السياسة وتمسكوا بتكوين الحكومة من بين صفوفكم وبينكم الاطهار الانقياء المؤهلون لادارة اجهزة الدولة. واجمعوا صفوفكم وكونوا حزبكم ولكم في الرئيس الفرنسي مثال وقدوة.
وعندما رأيت ان الساسة من ديناصورات الاحزاب القديمة اصبحوا هم يفاوضون باسم الشباب ووضح نفاقهم ونواياهم السيئة وظهرت احقادهم، كتبت مقالاً للشباب نشر في هذه الصحيفة يوم 5/5/2019م تحت عنوان، ايها الشباب خذوا العصمة بيدكم.
– كتبت فيه مخاطباً الثوار من الشباب، ان الساسة الذين نراهم في المشهد اليوم يفاوضون باسمكم، ان كان فيهم خير لما اصبحت احزابهم متشظية كحبات الودع وتفرقت قواعدهم ايدي سبأ، والمقال طويل فيه نصائح للثوار.
– اصبحت بعد ذلك على قناعة ان ثورة الشباب ذاهبة للضياع وان قبضة الساسة على مفاصل الحوار مع المجلس العسكري قوية وان الشباب تم احتواؤهم، فكتبت مقالاً بتاريخ 23/5/2019م نشر في هذه الصحيفة تحت عنوان، ثورة الشباب يخشى عليها من الكبار. وكان هذا آخر مقال للشباب، وقد وقع في تقديري ما كنت اخشاه يقع على الثوار فقد اضاع الساسة ثورة الشباب والمكاسب العظيمة التي حققوها باسقاط النظام بعد انحياز القوات المسلحة.
ولكن ما زلت اعشم ان يجمع الشباب صفوفه ويكونوا حزبهم ويلحقوا بالقطار الذي فات الكبار ويدركوا المفاوضات التي تجاوزت الساسة اهل النفاق والكذب وما انا الا ناصح لكم وانتم في حدقات عيون الشعب السوداني الذي يأمل فيكم الكثير. اما الذين افسدوا الحوار اصحاب الاجندة الخاصة باحزابهم العقائدية المتشظية فلا مكانة لهم ولا قواعد بين صفوف الشعب السوداني.
– ( التعريف الاستراتيجي العلمي والاكاديمي لمدنية السلطة هو (مدنية السلطة تتمثل في جهاز تشريعي وجهاز تنفيذي وسلطة قضائية مع تحقيق الفصل بين السلطات الثلاث. اما فوق ذلك ان كان مجلساً سيادياً او ملكية او رئيساً، لا تأثير لذلك على مدنية السلطة الا ما نص عليه الدستور.
المدير الأسبق للأكاديمية العسكرية

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق