زيادة الدولار الجمركي.. حرب الدولة على الدولة

 

الخرطوم: عبد الرحمن صالح ــ هالة حافظ

اشاعت الخطوة التي أقدمت عليها السلطات برفع الدولار الجمركي بنسبة 26.8% ليبلغ 565 جنيهاً، حالة من الخوف من تصاعد جنوني في أسعار السلع بالأسواق، ويأتي قرار رفع الدولار الجمركي ضمن سلسلة من الزيادات الكبيرة التي فرضتها الحكومة أخيراً في أسعار الخدمات والرسوم لتغطية العجز الكبير في موازنة الدولة بسبب المشكلات المتفاقمة التي يعانيها الاقتصاد في الوقت الحالي، وبحسب خبراء اقتصاديين فإن الحكومة تتبع برنامج صندوق النقد والبنك الدوليين من أجل إعفاء الديون الخارجية وجذب تمويل جديد.
توقف الاستيراد
الأمين العام لغرفة المستوردين هيثم التيجاني اعتبر زيادة الدولار الجمركي كارثية، وستنعكس بصورة سلبية على التاجر والمواطن في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة, ويشير هيثم في حديثه لـ (الإنتباهة) إلى أن الاستيراد شبه توقف لجهة ان (60 إلى 70٪) من الاستيراد قد توقفت، إضافة للأضرار الناتجة عن اضراب وزارة الزراعة المتمثل في وقاية النباتات، لجهة أن وزارة الزراعة هي الجهة التي تمنح التصديق باستيراد المنتجات الزراعية المتمثلة في السكر والدقيق والقمح والأرز والعدس، واضرابهم يعني عدم استلام الحاويات وكذلك في عملية الصادر، ويؤكد أن زيادة الدولار الجمركي سيكون لها أثر كارثي على المستورد والمواطن، ويقول إن الزيادة ستؤدي إلى شلل في حركة الاستيراد، ويضيف قائلاً: (قرار الزيادة أصبح يتم دون استشارة الجهات المعنية وكل يوم نتفاجأ بقرارات لا تصب في مصلحة الدولة أو المواطن، ونحن كغرفة قومية للمستوردين ولدينا لجنة فنية للطوارئ الاقتصادية لحل مشكلات الوارد والصادر مع بنك السودان ووزارة الزراعة لم تتم استشارتها، والمستوردون للمنتجات الزراعية تأثروا سلباً بإضراب العاملين بوقاية النباتات، ويدفع المستورد حوالى (20) الف دولار لليوم الواحد رسوم ارضيات وسيتم وضعها كزيادة تكلفة على حساب المواطن).
الموطن كبش فداء
ويؤكد الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية عبد الرحمن عباس أن القرارات الاقتصادية التي تتخذها الحكومة سوف تزيد الوضع الاقتصادي سوءاً، في وقت استنكر فيه زيادة الدولار الجمركي، موجهاً انتقادات لاذعة للحكومة التي يؤكد أن ضرباتها أصبحت متوالية وموجعة على اصحاب المصانع والمواطن الذي أصبح كبش فداء، ويشير عبد الرحمن في حديثه لـ (الانتباهة) إلى وجود كساد بالأسواق، ويؤكد أن القرارات ستزيد الوضع سوءاً، لجهة أن العديد من المنتجين لن يستطيعوا الاستمرار في العمل، وجزم بأن العديد من المصانع سوف تتوقف.
واستهجن عباس عدم اشراك الحكومة الجهات المختصة في مثل هذه القرارات، ويضيف قائلاً: (الحكومة ليست لديها خطط)، ويشير إلى أن القطاع الصناعي ما ان استوعب زيادة الكهرباء والجبايات المتعددة حتى تفاجأ بزيادة الدولار الجمركي، التي ستكون ذات أثر سلبي كبير على القطاعات المنتجة، معلناً عن اتجاههم لعقد اجتماع لكافة الغرف المختصة لمناقشة الأمر واستنكار هذه الزيادات التي قال انها قد تبلغ (١١٩) جنيهاً لكل دولار.
تدمير للاقتصاد
وبدوره يؤكد عضو شعبة المستوردين معاوية ابا يزيد أن زيادة الدولار الجمركي من (٤٤٥) جنيهاً الى (٥٦٤) جنيها اى بزيادة (١١٩) جنيهاً ستؤدي إلى زيادة الأسعار وتدمير الاقتصاد، ويشير في حديثه لـ (الانتباهة) إلى وجود معالجات أفضل من زيادة الدولار الجمركي وتساءل معاوية معاوية قائلاً: (إلى متى ستستمر هذه الزيادات؟)، ويقول إن مشكلات الإنتاج وعملية الصادر والوارد لا يتم حلها عندما تتوفر الإيرادات، واعتبر أن مشكلات ارتفاع التكاليف في عملية الصادرات أحد المعيقات التي تضعها الدولة، وهي السبب الرئيس لتدهور الاقتصاد، وجزم باستمرار الزيادة وتعديل القيمة الجمركية بين الفينة والأخرى، وقال: (كيف سيعيش المواطن في ظل هذا الغلاء؟) وأوضح أن الحكومة ترفع الدولار الجمركي لتغطية العجز دون وقوفها على المشكلات التي تؤدي إلى هذا التدهور.
ويرى معاوية أن الحل ليس في الاستمرار في زيادة الدولار الجمركي وإنما في إزالة المعيقات في عمليات الصادر والوارد بجانب التشجيع على الإنتاج، مشيراً إلى الانهيار الذي أصاب قطاع السكر الذي أصبح مفلساً نتيجة تعرضه لتدهور عالٍ في الانتاج، إذ أن العبء الذي يحدث نتيجة سوء الإدارة في الفترة السابقة في مشروعات انتاج السكر على سبيل المثال في عهد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، ودفع ثمنها المواطن، وتساءل قائلاً: (من الذي يدفع مرتبات العاملين في هذه المشروعات في حين أن انتاجها صفر، وجميع مصانع السكر الحكومية انتاجها (20) الف طن فقط، ويتم صرف الكثير من الأموال على مشروعات فاشلة)، في وقت يشير فيه هيثم إلى أن مشكلة هيئة الموانئ السودانية تكمن في عدم توفر الموارد المالية، وتدعي الدولة انها تعالج المشكلة بزيادة الدولار الجمركي، وهذا ليس حلاً ولن يقدم البلاد خطوة للأمام وسيؤدي إلى المزيد من التدهور الاقتصادي، وتوقع ابا يزيد استمرار زيادة الدولار الجمركي طالما أن هذه سياسة الدولة والمتضرر الأكبر المواطن.
آثار سلبية
وفي غضون ذلك يصف الخبير الجمركي اللواء خليل باشا زيادة الدولار الجمركي بأنها كبيرة، لجهة ان السعر السابق للدولار (430) جنيهاً، وتمت زيادته ليصبح (445) جنيهاً اي ان نسبة الزيادة 3٪، اما الزيادة التي تم الإعلان عنها أمس فقد بلغت 564 اي بنسبة 26.8%، ويوضح خليل في حديثه لـ (الانتباهة) ان تحديد سعر الصرف للعملات الاجنبية للأغراض الجمركية المادة (٨٢) في القانون تنص على تحديد السعر الرسمي من قبل بنك السودان، ويضيف متسائلاً: (هل تم استخدام سعر بنك السودان ام انه تم استخدام سعر أعلى، وحال تم استخدام سعر أعلى فالقانون لا يسمح بذلك، لكن إذا كانت الزيادة مطابقة للسعر الرسمي لبنك السودان المركزي أو أقل فلن تكون هناك مشكلة، ويجب أن يتم التحقق من هذه النقطة).
ويشير خليل إلى أن الزيادة هذه المرة بلغت (120) جنيها، وهذا السعر مرتفع، ويؤكد أن هدف وزارة المالية أو الجمارك زيادة الإيرادات، لجهة انها تزيد الوعاء الضريبي، وجزم بأن الآثار السلبية لزيادة الدولار الجمركي أكبر من الإيرادات التي يمكن أن يتم تحصيلها، لجهة ان الزيادة ترفع تكلفة السلع المستوردة وترفع تكلفة أسعار مدخلات الإنتاج للزراعة والصناعة، وستنعكس بصورة مباشرة على الأسعار والتضخم الاقتصادي، وقد لا تساعد الزيادة في تحصيل الإيرادات المرجوة لجهة أن المواطنين سيحجمون عن الاستهلاك خاصة للسلع الكمالية بسبب محدودية الدخل.
كارثة اقتصادية
ويؤكد الخبير الاقتصادي عادل خلف الله أن قرار زيادة الدولار الجمركي سيكون كارثة على الاقتصاد السوداني، ويضيف قائلاً ان زيادة الدولار الجمركي سوف تؤثر وتخفض الايرادات، ويرى أن الزيادة سوف تؤدي إلى تراجع الانتاج والطلب عليه بسبب وصول الأسعار لمستويات عالية، وتراجع الصادر الذي سيحدث خللاً كبيراً في الميزان التجاري الذي وصل العجز فيه لمستويات غير مسبوقة، ويقول عادل في حديثه لـ (الانتباهة) إن قرار تحرير سعر الدولار الجمركي نتيجة لتحرير سعر العملة الوطنية (الجنيه) في وقت جزم فيه عادل بأن السياسات الاقتصادية للحكومة لم تقدم حلولاً لأزمة الاقتصاد السوداني، وغير حريصة على دعم الانتاج وتحفيز المنتجين، ويؤكد أن أغلب الصناعات الوطنية والمزارعين سيحجمون عن الصناعة والزراعة بسبب تلك السياسات الاقتصادية، ويضيف قائلاً: (أغلب الصناعات الوطنية تعمل بـ 10% من طاقتها، والمزارعون أعلنوا عدم استعدادهم للدخول في مجازفة بالزراعة في الموسم القادم، في ظل عدم توفر مدخلات الانتاج وارتفاع أسعارها، وكل هذا يؤكد أن الحكومة لم تتبن سياسات تقدم اقتصادي يقدم حلولاً لأزمة الاقتصاد السوداني، وغير حريصة على دعمه).
البحث عن إيرادات
وأكد عادل أن متخذي القرارات الاقتصادية غير مستوعبين أن أزمة الاقتصاد ليست مالية فقط، لجهة أن السقف المالي نتيجة وليس سبباً، وقال إن وزير المالية مهتم بالإيرادات فقط، ويرى أن أسهل الطرق لها رفع معدلات الرسوم والجمارك، وهذا كارثة على الاقتصاد، ويشير عادل إلى أن موازنة عام 2020م والاجراءات المصاحبة لها اختزلت أزمة التطور الاقتصادي الذي دخلت فيه البلاد بعد انقلاب (25) أكتوبر في الجانب المالي فقط ، لذلك أهتم متخذ القرارات بالبحث عن مصادر ايرادية، ووضع زيادات شملت كل شيء الرسوم الحكومية وغير الحكومية، وقال ان هذه الاجراءات التي تتخذها الحكومة ينطبق عليها المثل الذي يقول: (كل شيء يفوت حده بنقلب الى ضده، ويضيف قائلاً: (بسببها وصلت اسعار الرسوم والضرائب إلى مستويات كبيرة جداً، والجهة المختصة تعتقد أنها توفر ايرادات من خلال تلك الاجراءات ولكنها تنقصها، لجهة أن الانتاج سوف يتراجع وكذلك الطلب بسبب وصول الاسعار لمستويات عالية.
رفع الواردات
أما بالنسبة للخبير الاقتصادي د. وائل فهمي فإن زيادة الدولار الجمركي سوف تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، لجهة أن الزيادة سوف تزيد وتفاقم مشكلة التضخم التي تعاني منها البلاد، وأكد في حديثه لـ (الانتباهة) أن زيادة الدولار الجمركي سترفع أسعار الواردات وتؤدي إلى تدني مستوى المعيشة للمواطنين، ويشير وائل إلى أن 90% من سلة المستهلك السوداني والمنتج سواء كانت مصانع أو مزارع تعتمد على الواردات، ويضيف قائلاً: (حتى التعليم واللبس أصبح أجنبياً ويعتمد على الواردات، ورفع الدولار الجمركي سوف يرفع أسعار هذه الواردات، بالإضافة للتداخل مع سلع أخرى)، وجزم بأن رفع سعر الدولار الجمركي سوف ينعكس على اسعار السلع والخدمات للمواطنين التي سوف ترتفع، الامر الذي يؤدي إلى تدني مستوى المعيشة.
سياسات مدمرة
وجزم وائل بأن رفع سعر الدولار الجمركي سوف تكون له تأثيرات سالبة وكارثية على الاقتصاد، لجهة أنه سوف ينعكس سلباً على الناتج المحلي الاجمالي، وسيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الانتاج، ويشير إلى أن رفع الدعم عن الكهرباء والوقود قلل من قدرة المنتجين، الأمر الذي أضعف الانتاج والانتاجية، ويؤكد أن رفع سعر الدولار الجمركي سيؤثر في القطاع الصناعي والزراعي وسيمتد للقطاع الصحي نتيجة لارتفاع التكاليف، ويقول وائل إن الحكومة تدير اقتصاداً لوحدها، ويضيف قائلاً: (المسؤولون في القطاع الاقتصادي يرون أنهم الوحيدون الذين تعلموا ويفهمون في الاقتصاد، أما الاشخاص الذين معهم فهم لا يفهمون أي شيء)، وتابع قائلاً: (هو بقي وزير لانه فاهم)، ويؤكد أن الهدف من السياسات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة لم يتحقق، اي انها سياسة غير سليمة وسياسة خاطئة، في وقت جزم فيه وائل بأن الحكومة تتبع برنامج صندوق النقد والبنك الدوليين من أجل إعفاء الديون الخارجية، وقال: (السياسات الاقتصادية التي تتخذها الحكومة مدمرة للاقتصاد)، ويضيف قائلاً: (سياسات الحكومة الاقتصادية لمعالجة مشكلة الديون الخارجية وليست لمعالجة مشكلة الاقتصاد السوداني).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى