تحسين معاش الناس

نبض للوطن

نتيح اليوم هذه المساحة للمستشار الاقتصادي د.عثمان حسن محمود نائب الرئيس التنفيذي لمركز التنمية والتطوير للاستشارات الاقتصادية بالمملكة العربية السعودية (الدمام)، وهو يتناول قضية مهمة للغاية بطرح موضوعي وواقعي، فإلى نص المقال:
إذا ما استمرت قوى إعلان الحرية والتغيير في وعد الشعب السوداني بأن الفترة القادمة سوف تشهد تحسناً في معاش الناس، سيكون خطاباً سياسياً أجوفَ كغيره من خطابات سبقت لتحسين (قُفة المُلاح)، بعيداً عن الواقع. وسرعان ما يضع تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير نفسه في مأزق أمام الجماهير، لذا من الضرورة بمكان الاعتدال في الخطاب والابتعاد قدر الإمكان عن رسم الصورة الوردية، بعيداً عن الدراسات والخطط والإستراتيجيات ومداها الزمني لقياس نتائجها وانعكاساتها الملموسة.
نعم.. نبشر بغد واعد، ولكن برؤية ونظرة ثاقبة وشفافة، حتى نكون أكثر واقعية وشفافية في ظل حكومة كفاءات نعتبرها مهمة لكنها غير كافية.
وفي اعتقادي الشخصي، إن طرأ خلال الفترة القادمة تحسن في المستوى المعيشي، فسوف يكون محدوداً جداً. أما التحسن الحقيقي، فسوف يكون أمراً تلقائياً، يمكن أن يتحقق على المدى الطويل، بعد العمل على إيجاد سياسات اقتصادية كلية فاعلة لخلق أرضية للانطلاق حول تحسن المؤشرات الأساسية لقياس المستوى المعيشي، (أسعار.. أجور.. بطالة)،وبالتالي فإن أقصى نجاح يمكن تحقيقه خلال الفترة الانتقالية، لا يتعدى الإسهام في استقرار الوضع الاقتصادي الكلي نسبياً، وهي أولى الخطى نحو استقرار الوضع الاقتصادي الجزئي الذي يفضي لتحسين المستوى المعيشي، وعليه فإن الرهان الحقيقي يكمن في تحقيق مستوى إيجابي من النمو الاقتصادي، يؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة بمقدار أعلى مما قد يؤدي التضخم إلى تآكله من الدخل.
وبالتالي من المتوقع ألا يتعدى دور الحكومة القادمة في الشأن الاقتصادي علاوة على الكثير من الأدوار المنوطة بها، سوى العمل في إطار سياسات الاستقرار الاقتصادي ومحاولة إعادة التوازن لميزان المدفوعات ومعالجة حالة عدم التوازن في الاقتصاد، وبالطبع لا تسعف الفترة الزمنية للحكومة الانتقالية من تحقيق تحسن في المستوى المعيشي عن طريق الإنتاج والتصدير، وبالتالي سوف تلجأ الحكومة الى أقصر الطرق المتمثلة في إعادة النظر في الجبايات والدعم الحكومي وتمديد مظلات التأمينات والضمانات الاجتماعية وتفعيل نشاط التعاونيات وانتهاج بعض الخطط التنموية قصيرة الأجل، والعمل على ضبط كفاءة الإنفاق الحكومي والبدء فقط في إعادة هيكلة جزئية للدوائر والشركات الحكومية لفكفكة التمكين الاقتصادي ومحاربة أوجه الفساد المختلفة وإعادة الأموال المنهوبة والتركيز على الاستفادة من الاحتياطات المتاحة من الذهب لتصحيح الخلل بالميزان التجاري، هذا الى جانب الإسراع في عمليات استقطاب الدعم الخارجي من خلال اللجوء للصناديق والبنوك وأسواق المال والدول الصديقة، لاسيما صندوق النقد العربي والذي قدم قرضين (عادي وتعويضي)، في مارس الماضي من العام الحالي 2019 بلغت قيمتهما 230 مليون دولار أمريكي، الى جانب الاستفادة من الدعم السعودي والإماراتي، ومع ذلك تعتبر هذه المبالغ محدودة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي والمالي في ظل عجز بلغ أكثر من 5 مليارات دولار، وبالتالي ينبغي البحث في مسألة جدولة الديون الخارجية بعد الحصول على فترات سماح مناسبة او إعفاء جزء من هذه الديون، والاستفادة من تسهيل الصندوق المدد EFF والذي يهدف الى توفير احتياطي مالي للدول الأعضاء لمعالجة اختلالات ميزان المدفوعات والمشكلات الهيكلية طويلة الأمد، ومن ثم التركيز على سياسة متوازنة للانفتاح السياسي والاقتصادي ثم الانتقال التدريجي الى مشاريع البني التحتية وإعادة إعمار ما طالته السنين العجاف من دمار لمشاريع بني تحتية إستراتيجية والعمل على تحسين سياسات الاستثمار وسياسات الإنتاج وفك القيود عن الإمكانات الكامنة في الاقتصاد السوداني، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تقليص الفجوة الجغرافية في مؤشرات التنمية البشرية والعمل على التنمية الولائية المتوازنة بما يؤكد مشاركة الجميع في عملية البناء وغيرها من سياسات راسخة،. عليه فإن كل ما سبق لايعدو سوى خطوات تمهيدية لنشهد تحسناً تدريجياً وملموساً في المستوى المعيشي المنشود، ولعل هذا ما يؤكد أن الحديث حول تحسين المستوى المعيشي في ظل وضع اقتصادي منهار بامتياز، حديث سابق لأوانه وله الكثير ما قبله!.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق