خاطب العالم عبر جمعية الأمم المتحدة البرهان   ..  هل حكى  كل الرواية  ؟  

تقرير: محمد جمال قندول

بينما عقارب الساعة السادسة من مساء أمس  الخميس  تتأهب للإعلان عن نفسها، كان الجميع يترقب كلمة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية التي تحتضن أحد أرفع الفعاليات الأممية، وفيما تبدو شواغل العالم ليست من بين إهتمامات كثير من المواطنين لإعتبارات كثيرة في أولها الأوضاع الإقتصادية التي تشهدها البلاد وإنشغالهم بالهم المعيشي، إلا أن شغف الترقب فيما سيضعه الرجل أمام منضده قادة وزعماء العالم واستعراضه للأزمة السودانية وسبل حلها، كان هو المنتظر، أيضاً للساسة والنخب والمسؤولين الذين تابعوا حديث الفريق أول عبد الفتاح البرهان لمؤشرات عن قرب مشهد جديد يتشكل تبدأ مرتكزاته من خطابه  أمس الذي طاف على مجمل أركان الأزمة قبل أن يضع رسائله في بريد المجتمع الدولي والداخل السوداني.

(1)

رسائل مهمة تضمنها خطاب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، ومن أبرزها تأكيده على إلتزام السودان بالعمل لاستدامة السلام وتعزيز آليات الإنتقال السلمي وصولاً لتحول ديمقراطي كامل عبر إنتخابات عادلة  ونزيهة وشفافة، تقود إلى حكم مدني يمثل كافة السودانيين، أهميته تكمن لجهة أن تشكيل الحكومة والذي تأخر كثيراً تعد أحد أهم المشكلات التي تواجه البلاد في ظل حالة استقطاب وتنافر سياسي لم يشهده تاريخ السودان لا قديماً ولا حديثاً ومنذ استقالة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك والتي تقترب من عام والبلاد تعيش حالة من الفوضى التنفيذية في كافة مؤسساتها مع ربط مراقبون وساسة بمشاركة البرهان في المحفل الأممي بتسميتها بعد عودته خاصة في ظل تنامي حالة الغضب الشعبي والذي قد تحرك قطار الإنتقالية للدوران والتحرك حتى لو تخلفت القوى السياسية .

البرهان جدد كذلك تعهداته بإنسحاب الجيش من عملية الحوار الجاري بالسودان، وذلك لإفساح المجال أمام القوى السياسية والثورية المؤمنة بالحوار الديمقراطى لتشكيل حكومة بقيادة مدنية من الكفاءات الوطنية المستقلة ، ليؤكد أن خطابه إنسحاب المؤسسة العسكرية من الحوار في بدايات يوليو الماضي ليس حديثاً للاستهلاك السياسي وإنما واقعاً بإمكان المكونات السياسية أن تبني عليه وحال فشلت فقد يتم تجاوزها .

(2)

وأشار رئيس مجلس السيادة خلال خطابه إلى أن  الآلية الثلاثية التي تضم الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي و(الإيقاد) لم تحقق المطلوب منها ما عقد مسار حوار التوافق الوطني على حد تعبيره ، متابعاً أن السودان قدم الدعم للآلية غير أنها استنزفت وقتاً ثميناً عقد مسارات التوافق الوطني، غير أن الرجل عاد وأكد  دعمهم الآلية الثلاثية في سبيل تحقيق الوفاق الوطني في السودان، وأضاف كذلك على سعيهم للوصول  لإنتخابات عادلة تصل بالسودان لحكم مدني يمثل الشعب.

ولم تسلم الآلية الثلاثية منذ تشكيلها من الإنتقادات خاصةً أحد أهم أفرعها الأمم المتحدة عبر مبعوثها فولكر الذي ظل مثار استهجان عدد كبير من القوى السياسية والحركات المسلحة وإتهامات تطال الألماني بعدم حياديته وإصطفاف مواقفه مع مجموعة المجلس المركزي وكان آخر المسؤولين الذي إنتقد آداء المبعوث الأممي وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة د. جبريل إبراهيم فيما حدثت مشكلات داخل الآلية نفسها بتباين وجهات النظر بين (الإيقاد) والإتحاد الإفريقي مع فولكر، ووصف مراقبون تطرق البرهان لعمل الآلية بالرسائل المباشرة في بريد الأمم المتحدة نفسها خاصةً في ظل الهجوم العنيف المستمر على فولكر.

واستعرض البرهان كذلك  عن ملامح  الأوضاع الداخلية بالسودان إضافةً للجهود المبذولة من السودان في ترسيخ  السلام بجانب محاربة الجريمة العابرة للحدود وقضايا اللاجئين  وبشأن الإنتقالي السياسي.

المجتمع الدولي ظل يولي إهتماماً متعاظماً لمحاربة قضايا الحدود والهجرة غير الشرعية وملف الإرهاب خاصةً واشنطن والتي دفعت بسفير متخصص بملف الإرهاب وفض النزاعات بإفريقيا للخرطوم والحديث عن السفير جون غودفري الذي قدم أوراق إعتماده للبرهان قبل ثلاثة أسابيع ويذهب مراقبون إلى أن الحكومات الإقليمية والدولية بدأت بالتعاطي مع حكومة الأمر الواقع بالسودان بقيادة القائد العام للقوات المسلحة لجهة أن المكون العسكري هو الطرف الأقوى والقادر بالحفاظ على مصالح دول عظمى واستقرار السودان مقارنة بقوى سياسية قدمت تجربة عبثية بالحكم ولا زالت التجاذبات بينها متمددة.

(3)

الأطروحات الوطنية التي قدمت خلال الشهرين الماضيين في سبيل حل الأزمة وجدت حظها في خطاب الرجل الأول بالدولة والذي أشاد بالمبادرات الوطنية للحوار، المنخرطة عبرها  قوى سياسية وإجتماعية وشبابية  بجانب الموقعين على إتفاق جوبا للسلام، معرباً عن  أمله بأن تقود البلاد إلى توافق    يسهل الانتقال الديمقراطي بالبلاد كما أكد البرهان على أهمية التضامن الدولي والعمل المشترك متعدد الأطراف وتفعيل آليات التعاون بين الدول لمجابهة التحديات العالمية الماثلة مجدداً  وإلتزام السودان بخطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لسنة 2030م.

وبشأن إصلاح مجلس الأمن،أكد أن السودان يتعاطى حيال ذلك ضمن الموقف الإفريقي المشترك.

ويأتي حديث البرهان عن المبادرات في ظل مساعي جدية لدمجها في وثيقة واحدة لإختصار عامل الزمن وتوحيد الصفوف الوطنية والعمل على تقريب وجهات النظر في بعض الإختلافات بين الإعلانات السياسية التي قدمت خاصةً في ظل تشابه ٨٥٪ من المرتكزات بالإعلان السياسي لمبادرة الشيخ الطيب الجد مع إعلان مجموعة التوافق وأيضاً الجبهة الثورية .

البرهان أكد  تعاون الحكومة التام مع البعثة الأممية المتكاملة لدعم المرحلة الإنتقالية وذلك لتنفيذ مصفوفة مطلوبات الفترة الإنتقالية حسب قرار تشكيلها  رقم (2524) من عام 2020م فضلاً عن مواصلة التعاون مع قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقته في أبيي(اليونسفا).

  كما بعث رئيس مجلس السيادة بالتهانيء للرئيس الجديد للجمعية العامة للأمم المتحدة، السيد تشابا كوروشي بتوليه رئاسة الدورة (77).

(4)

 رئيس مجلس السيادة عرج للحديث عن إهتمامات السودان بمجال نزع السلاح، مشيراً إلى معاناة السودان شأنه شأن العديد من الدول من إنتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة واصفاً إياها بالظاهرة الخطيرة بإرتباطها  في غالب الأحيان بأبعاد  إجتماعية وإقتصادية الأمر الذي قاد إلى إنتشارها  بين بعض القبائل والمجموعات السكانية هو ما يجعل مهمة نزع السلاح   في غاية  الصعوبة، مضيفاً باستدراك السودان أكثر من غيره مدى خطورة هذه الظاهرة وضرورة إستئصالها عبر تعاون إقليمي ودوليِ.

كما طاف البرهان على قضية اللاجئين حيث قال أن السودانُ ظل يستقبل ملايين اللاجئين من الإخوة الأشقاء من مختلف أرجاء القارة عبر عقود من الزمن، متشاركاً موارده القليلة معهم وتقديم. الحماية لهم ودعا    لتقديم المساعدة بقيادة وكالات الأمم المتحدة المعنية والدول المانحة والأشقاء والأصدقاء لعون ومساعدة المجتمعات التي تستضيفُ هؤلاء اللاجئين .

(5)

وتباينت ردود الأفعال حول خطاب البرهان وفيما أعتبر خبراء حديثه بالمهم والمختصر والمباشر في تشريح الأزمة السودانية يذهب آخرون إلى أن كلمة رئيس مجلس السيادة لم تتطرق لتفاصيل عامة عن جذور الأزمة والتداعيات التي ترتبت عليها إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي والذي عقد المشهد السياسي بشكل كبير.

ويغادر اليوم الجمعة إلى واشنطن البرهان لمقابلة عدد من المسؤولين بالإدارة الأمريكية ومن واقع مسلسل الأحداث السياسية بالبلاد مع تداعيات زيارة البرهان لبريطانيا ثم نيويورك يذهب الكثيرون إلى أن رحلة الرجل للأراضي الأمريكية ستكون حاسمة في تفاصيل الأزمة وبمثابة حصوله على دعم لإصدار قرارات تسهم في الحد من الأزمة ولو بتشكيل حكومة تصريف مهام استباقاً للحل السياسي.

ورأى الخبير والمحلل السياسي الكباشي البكري  في حديثه لـ (الانتباهة) أن  خطاب رئيس مجلس السيادة أمس الخميس يعد نقلةً كبيرةً في جهود السودان للإنصهار  بالمجتمع الدولي.

مشيراً إلى أن خطابه غازل   دوائر صنع القرار العالمية وأرسل العديد من الرسائل الهامة في بريد العديد من الجهات التي تعي دور السودان في محيطه الإقليمي والدولي.

وتوقع الكباشي أن تجد  الرسائل التي قدمها البرهان  بالضرورة الأذن الصاغية للمهتمين بقضايا بلادنا في ظل الأزمات الكبيرة التي يعيشها الإقليم والأزمات الكبرى التي يعيشها العالم.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى