لعن الـله الحرب

صديق البادي

صديق البادي

انطلقت شرارة التمرد الأولى في توريت بجنوب السودان في شهر أغسطس عام1955م، واشتعلت بعدها نار الحرب التي امتدت بين عامي 1955- 2005م وتخللتها سنوات سلام ووئام بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا في شهر مارس عام 1972م. واندلعت نار الحرب مرة أخرى في شهر يونيو عام1983م ولم تتوقف إلا بعد توقيع اتفاقية نيفاشا. وقد جعل المستعمرون البريطانيون الجنوب منطقة مقفولة ولم يطوروه ويعمروه عندما استعمروا وحكموا السودان، وتركوه كماً مهملاً، وكان عدد من مواطنيه في بعض المناطق يمشون عراة كما ولدتهم أمهاتهم وأهمل المستعمرون التعليم في الجنوب وكانت الفرص قليلة في مدارس محدودة تتبع للكنائس. وعندما عين السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء السيد سانتينو دينق في حكومته الأولى التي كونها في عام 1954م أدرك بعد حين أن السيد سانتينو لم ينل تعليماً نظامياً يذكر، ولكنه كان يقرأ ويكتب وله سابق معرفة بالعمل الديواني لعمله كاتباً بمصلحة الزراعة. ومن أشهر السياسيين الجنوبيين وأكثرهم تمرساً وخبرة، السيد كلمنت أمبورو وزير الداخلية في عهد الحكومة الانتقالية التي شكلت بعد ثورة أكتوبر عام1964م وكان قبلها إدارياً ومفتش مركز منحه نظام الحكم العسكري النوفمبري هو واثنين آخرين من الجنوبيين ترقية اسثتنائية وصعد كل منهم ليكون مساعد مدير مديررية ولم ينل السيد كلمنت أمبورو إلا تعليماً نظامياً لمدة ستة أعوام فقط، ونال فيما بعد كورسات قصيرة في الإدارة ببريطانيا. وعند السودنة كان عدد الذين تم ترفيعهم وظيفياً من الجنوبيين قليلاً لقلة عدد المؤهلين. ومرد هذا أن الاستعمار حرمهم من التعليم وتعامل معهم بقسوة وأذل إنسانية بعضهم وتوجد صور موثقة يحمل فيها بعض الجنوبيين على أكتافهم مفتش المركز من منزله إلى مكتبه أو بالعكس وهو يجلس على كرسي أو سرير وغليونة بطرف فمه. وبعد ظهور قوائم السودنة أوغر المستعمرون قبل مغادرتهم للسودان صدور الجنوبيين وغرسوا في نفوسهم بذرة التمرد وأوعزوا لهم بأن الشماليين (المندكورو) مستعمرون احتكروا كل الوظائف في السودان وأهملوهم. وعندما عين الأستاذ عبد الرحمن علي طه وزيراً للمعارف بعد قيام الجمعية التشريعية في عام 1948م أولى التعليم في الجنوب اهتماماً بالغاً وبعث الأستاذ سر الختم الخليفة المعلم بمعهد التربية ببخت الرضا للجنوب حيث عمل هناك عشرة أعوام وتم فتح مدارس أولية عديدة مع إرسال معلمين شماليين لافتتاح تلك المدارس والعمل فيها واستمر عدد المدارس الأولية والوسطى في ازدياد مضطرد، وافتتحت في العهد الوطني مدرسة رمبيك الثانوية ومعهد التربية بمريدي وهو أحد روافد وفروع معهد التربية ببخت الرضا واهتمت الحكومات الوطنية التي تعاقبت على حكم السودان بالتعليم في الجنوب، وأضحى في الجنوب عدد كبير من المتعلمين ومنهم من نال درجة الدكتوراه والأستاذية في مختلف العلوم والمعارف – وقامت الحكومات الوطنية بعمليات تنمية وخدمات وتعمير في الجنوب، وقام المتمردون بعمليات تدمير لما تم تعميره. وقد توقفت الحرب الاستنزافية بين الشمال والجنوب بعد توقيع اتفاقية نيفاشا وحدث شد وجذب بعد انفصال الجنوب ومناكفات ومحاولات متبادلة للضرب تحت الحزام اقتصادياً وأمنياً، وأخذت الأمور بعد ذلك تهدأ تدريجياً وكادت العلاقات تصبح طبيعية وعادية ويوجد الآن جنوبيون كثيرون بالعاصمة والولايات الأخرى يعيشون في أمن وأمان دون إحساس بالغربة في وطنهم الثاني الذي كان قبل الانفصال هو وطنهم الأول.
والجنوبيون الذين يعيشون في الشمال بعد أن جربوا العيش في الجنوب يفضلون وجودهم هنا على وجودهم هناك. والجميع يتطلعون لجوار آمن بين الدولتين وتكامل اقتصادي وتبادل للمنافع بينهما بلا توترات أو ترسبات عفا عليها الزمن. ولعن الـله الحرب التي فعلت كل تلك الأفاعيل السيئة من فقدان وهلاك لأرواح كثيرة عزيزة وجرحى ومعاقين واستنزاف لموارد مالية هائلة وطاقات بشرية، خصماً على التنمية والخدمات والاستقرار والأمن والسلم.
وشهدت دارفور الكبرى بولاياتها الخمس، تمرداً وحرب عصابات، وكان الإعلام الغربي الاخطبوطي يصب الزيت على النيران ليزداد اشتعالها مع تضخيم الأحداث، وكانت نشرات الأخبار في الاذاعات والفضائيات الأجنبية تبدأ بتلك الأحداث وظهرت أثناء تلك الصراعات أوصاف عنصرية بغيضة (زرقة وعرب) وأول حركة تمرد بدارفور ذاع صيتها هي حركة تحرير السودان التي انقسمت لجناحين وظهرت بعدهما حركة العدل والمساواة وتكاثرت وتناسلت من تلك الحركات اكثر من ثلاثين حركة تنسب كل منها نفسها للحركة الأم وتضيف لها مسمى يميزها. وكل حركة من هذه الحركات الثلاثين اذا وصلت لتفاهمات مع السلطة تطالب بما تعتبره حقاً لها في كيكة السلطة وانخرطت عدد من هذه الحركات في السلطة ونالت حظها من الكيكة في العهد السابق وتطالب الآن بالاستمرار في السلطة في هذا العهد رغم ضيق الفرص(وام جُركم ما بتاكل خريفين) وأن ملايين المواطنين من أبناء دارفور لم يحملوا السلاح وظلوا مقيمين في الوطن وساهموا في التنمية والخدمات، ونالت دارفور الكبرى ميزانية استثنائية تقديراً لظروفها ونال ابناؤها حظاً وافراً في السلطة على كافة مستوباتها الاتحادية والإقليمية والولائية والمحلية وهو كسب مستحق وقد انحسر التمرد بدارفور وأصبح له بقايا جيوب وأصبح البند الرئيس لكل حركة من الحركات الثلاثين هو حصولها على السلطة. وينسحب هذا على الحركات المتمردة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ،ولا ريب أن هذه المناطق تطالب بحقوق مشروعة وينبغي التركيز عليها، ولكن المؤسف أن بند قسمة كيكة السلطة قد طغا وغطى على القضايا الحيوية والضرورة تقضي أن يقود المفاوضات أبناء تلك المناطق( والجمرة بتحرق الواطيها) لا أن يتركوا آخرين غيرهم ليتخذوا الحرب وسيلة ضغط لتحقيق رغباتهم في الوصول لمواقع السلطة. واذا كانت الترضيات ترضي وتساهم في بسط الأمن والسلام. فإن على قوى الحرية والتغيير أن تمنح ثلاثة من مقاعد مجلس السيادة لعبد العزيز الحلو ودكتور جبريل إبراهيم ومني اركو مناوي ونأمل ان يطبقوا عملياً مقولة همنجواي (وداعاً أيها السلاح)… ولعن الـله الحرب!!.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى