من أبريل إلى أغسطس.. رحلة الدم والدموع

الخرطوم: صديق رمضان

الخرطوم: صديق رمضان
من السادس من ابريل الى الثالث من اغسطس اكملت الثورة السودانية في فصلها الثاني ما يربو على المائة وعشرين يوماً، مضت الشهور الاربعة بكل افراحها واحزانها بعد ان شهدت احداثاً جساماً كادت على اثرها ان تتعرض الثورة للسرقة، ولكن حراسها الثوار عضوا عليها بالنواجذ وذرفوا الدم والدموع حتى وصل قطارها اليوم محطة التوقيع النهائي تمهيداً لانتقال الحكم الى المدنيين في الفترة الانتقالية، وفي ما يلي ابرز محطات الثورة خلال الاشهر التي انصرمت من عمرها:
أبريل… كذبته تتحول إلى حقيقة:
الفصل الثاني من ثورة ديسمبر المجيدة بدأت كتابة مشاهدة فعلياً في السادس من شهر ابريل، حيث اعاد الثوار في هذه اليوم ذكرى انتفاضة ابريل من عام 1985 التي شهدت الاطاحة بالمشير جعفر نميري، وفي ذات يوم الذكرى الخالدة نجح ثوار ديسمبر في كتابة تاريخ جديد حينما تمكنوا من الوصول في اليوم السادس الى ميدان القيادة العامة في مفاجأة غير متوقعة لنظام الاخوان المسلمين الذي الجمته الدهشة، وحاول بعد ذلك التماسك لايقاف المد الثوري الجارف، لتشهد ايام السابع والثامن والتاسع والعاشر من ابريل محاولات جادة لفض الاعتصام عبر قوة السلاح، ليسقط على اثر الهجمات الغادرة اثنا عشر شهيداً، ولكن سجلت حملات النظام المباد الامنية فشلاً ذريعاً وحافظ الثوار على وجودهم امام القيادة العامة، وتحت الضغط الشعبي الجارف وفي الحادي عشر من ابريل اعلن الفريق عوض بن عوف عند الساعة الثانية الا ثلثا مساءً عزل المشير عمر البشير، ليصبح نظام الاخوان المسلمين صفحة من الماضي، لتنطلق الافراح في كل انحاء السودان، وتم تقدير الذين خرجوا الى الشوارع للاحتفال بعشرين مليون سوداني، غير انه وبعد اربع وعشرين ساعة اعلن الفريق ابن عوف تنحيه بعد ان رفضه الثوار، وتم وتكليف الفريق اول عبد الفتاح البرهان رئيساً للمجلس العسكري، ليشهد النصف الاول من ذات الشهر اعتقال اربعة وعشرين من رموز النظام السابق، وابرزهم المشير البشير، نافع علي نافع، علي عثمان محمد طه، احمد هارون وغيرهم، ونجح الثوار في اثبات وجودهم بميدان الاعتصام تلبيةً لنداء تجمع المهنيين الذي طالب المواطنين بالعاصمة والأقاليم بالتوجه إلى أماكن الاعتصامات أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة والحاميات، وفي ابريل ولاول مرة بعد ثلاثين عاماً أعلن جهاز الأمن والمخابرات ــ قبل تغيير اسمه لاحقاً ــ إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في كل أنحاء البلاد، كما تم اعلان حالة الطوارئ لثلاثة اشهر مع اغلاق المجال الجوي لمدة اربعة وعشرين ساعة امام حركة الملاحة، وكذلك تم الاعلان عن وقف إطلاق النار الشامل في جميع ربوع البلاد.
ولان وجود عدد من اعضاء المجلس العسكري لم يكن مرضياً للثوار، فقد اعلن في الرابع والعشرين من ابريل عن استقالة ثلاثة من أعضاء العسكري عقب لقاء عقد بين المجلس الذي يتألف من عشرة أعضاء وقادة الاحتجاجات، والأعضاء الثلاثة هم: الفريق أول ركن عمر زين العابدين الشيخ، والفريق أول جلال الدين الشيخ الطيب، والفريق أول شرطة الطيب بابكر علي، وفي ذات الشهر اعلن المجلس العسكري عن حملة اعفاءات واسعة شملت منسوبي النظام المباد بالوزارات والمؤسسات الحكومية.
مايو والأحداث المتلاحقة:
جاء شهر مايو حافلاً بالاحداث التي لعبت دوراً مؤثراً في مسار الثورة، حيث حمل اليوم الثالث بين ثناياه بداية التفاوض بين الحرية والتغيير والمجلس العسكري الذي شهدت جلساته الاولى اختراقاً كبيراً، حينما اعترف العسكري بالحرية والتغيير ممثلاً للثورة، وتمخضت عن ذلك موافقته على منح التحالف نسبة 67% من مقاعد المجلس التشريعي، بالاضافة الى المناصفة في التمثيل بالمجلس السيادي وحصر الحكومة المدنية على اختيارات الحرية والتغيير، غير ان المفاوضات واعتباراً من الخامس عشر من مايو لم تمض كما تشتهي الانفس التي كانت تواقة للتغيير، بعدما واجهت الكثير من العقبات ابرزها رفض المدنيين رئاسة العسكر للمجلس السيادي، وعلى الارض حدثت تطورات لافتة بسقوط شهداء في النصف الاول من مايو الموافق للثامن والحادي عشر من شهر رمضان عقب اطلاق نار في شارع النيل، ليحدث توتر واحتقان اسفر عن تمدد ساحة الاعتصام حتى شارع المك نمر، وعلى اثر ذلك وفي السادس عشر من شهر مايو اصدر رئيس المجلس العسكري قراراً قضى بتعليق المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير بشأن الفترة الانتقالية لمدة (72) ساعة، من أجل تهيئة المناخ لإكمال الاتفاق بعد تصاعد إطلاق النار في محيط اعتصام القيادة العامة.
وفي الثالث والعشرين من شهر مايو اعلن عضو المجلس العسكري الفريق الركن مصطفى محمد مصطفى، مدير الاستخبارات العسكرية رئيس لجنة الأمن والدفاع، استقالته من منصبه، وفي ذات الشهر تم الإعلان عن هروب صلاح قوش خارج البلاد.
يونيو.. الدماء تسيل:
بعد ان توقفت المفاضات لعشرين يوماً فإن الاجواء ازدادت توتراً واحتقاناً، وتحديداً في الاول من شهر يونيو الذي شهد ازالة قوة مشتركة لمنطقة كولمبيا المجاورة لميدان الاعتصام، واعتبر كثيرون وقتها ان هذا العمل يعد تمهيداً للانقضاض على المعتصمين، وبالفعل هذا ماحدث حيث تم فض الاعتصام في الثالث من يونيو بصورة دموية اثارت الغضب داخلياً وخارجياً, وتحت وطأة السخط الشعبي ارتكب في الرابع من يونيو المجلس العسكري خطأ آخر بالغائه الاتفاق بينه وبين الحرية والتغيير، فكانت ردة الفعل قوية حينما تم تنفيذ عصيان مدني استمر لثلاثة ايام بدأت في السابع من يونيو وانتهت في التاسع منه، وفي ذات الشهر بلغ التصعيد مداه بتنفيذ اضراب شامل في خواتيم شهر يونيو استمر يومين، بالاضافة الى تسيير مواكب يومية بمختلف انحاء البلاد تم تتويجها في الثلاثين من ذات الشهر بموكب تاريخي شارك فيه ملايين المتظاهرين طالبوا خلاله بتسليم الحكم للمدنيين، وكان لهذه المواكب اثر كبير في عودة المجلس العسكري الى التفاوض.
تعليق وزيارة:
وعقب مجزرة القيادة العامة بثلاثة ايام فقط اصدر الاتحاد الافريقي قراراً بتعليق عضوية السودان في المنظمة القارية إلى حين إقامة سلطة انتقالية مدنية في البلاد. وكان الاتحاد الأفريقي قد دعا منذ بداية الأزمة إلى نقل سريع للسلطة من العسكر إلى المدنيين، وهدد مراراً بتعليق عضوية السودان في المنظمة.
وأكد مجلس السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي انه علق بمفعول فوري مشاركة جمهورية السودان في كل أنشطة الاتحاد الإفريقي إلى حين إقامة سلطة مدنية انتقالية بشكل فعلي، وتلك هي الوسيلة الوحيدة لتمكين السودان من الخروج من الأزمة الحالية.
وأوضح الرئيس المباشر للمجلس باتريك كابوا أن المجلس سيفرض آلياً إجراءات عقابية على الأفراد والكيانات التي منعت إرساء سلطة مدنية.
وفي السادس من يونيو دعا رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، لدى زيارته الخرطوم للوساطة بين المجلس العسكري الانتقالي والحرية والتغيير إلى انتقال ديمقراطي سريع، ولفت وقتها إلى أن المحادثات اتسمت بـالمسؤولية العالية والوعي بخطورة المرحلة، وطالب أحمد كافة الأطراف في السودان بالسير سريعاً نحو اتفاق يؤسس لمرحلة انتقالية ديمقراطية، مضيفاً أنه على الجيش السوداني والقوى السياسية الابتعاد عن الاتهامات، واضاف قائلاً: (واجب الجيش السوداني والمنظومة الأمنية كلها هو أن تركز جهودها للدفاع عن حرمة الوطن وسيادته وأمن المواطنين وممتلكاتهم، كما أن وأجب القوى السياسية هو أن تركز على مصير البلاد في المستقبل، وليس أن تبقى رهينة العقبات ومعيقات الماضي البائدة)، وتابع قائلاً: (على الشعب السوداني أن يتحلى بالشجاعة المعهودة لديه وبالشرف والعزة، وهي قيمة ثابتة في تاريخه المجيد من أجل يظل الجيش والشعب والقوى السياسية مركزين جهودهم على مستقبل الأمة).
يوليو… خطوات للأمام:
وفي الثالث من يوليو تغيرت الاوضاع كلياً بعد موافقة الطرفين على العودة الى طاولة التفاوض المباشر، وتمكنا في صباح السابع عشر من ذات الشهر من احداث اختراق كبير توج بتوقيع الاعلان السياسي بعد جلسة تفاوض استمرت لأكثر من (12) ساعة، وقبل هذه التوقيع باربعة ايام خرجت مواكب مليونية في الشوارع لاحياء ذكرى اربعينية الشهداء، وفي ذات الشهر شهدت العاصمة الاثيوبية اديس ابابا اجتماعات ماراثونية بين الجبهة الثورية والحرية والتغيير، كما اعلن المجلس العسكري عن احباط ثلاث محاولات انقلابية، فيما وصل المبعوث الامريكي الى البلاد، وفي خواتيم شهر يوليو عادت المواكب مرة اخرى تحت عنوان (تحقيق العدالة)، وشهدت احداثاً دامية بالابيض وام درمان سقط على اثرها عشرة شهداء، وبسبب ذلك تم تعليق التفاوض.
يوليو وتمدد حالة الرفض:
شهد شهر يوليو تمدد حالة الرفض لعدم محاسبة الذين ارتكبوا مجزرة القيادة العامة، وتواصل الرفض الشعبي لتقرير
رئيس لجنة التحقيق في فض الاعتصام، فتح الرحمن يوسف الذي كشف عن ان عملية فض اعتصام الخرطوم، خلفت (87) قتيلًا و(63) مصابًا، اوضح ان اللجنة استمعت إلى (59) شاهداً من وكلاء نيابة ومواطنين وقوات نظامية وأطباء، ووضح ان اشخاص ملثمين شاركوا أيضاً في إطلاق النار داخل ميدان الاعتصام.
وقالت النيابة العامة إن تسعة ضباط كبار يواجهون إجراءات قانونية لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية في عملية فض اعتصام القيادة، واشار إلى تحريك إجراءات قانونية في مواجهة تسعة ضباط من ذوي الرتب الرفيعة لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية أثناء عملية فض الاعتصام، وأوضح أن ضابطاً برتبة لواء خالف التعليمات وأصدر أوامره لقوات مكافحة الشغب بإطلاق النار على المعتصمين، ونفى رئيس اللجنة التوصل من خلال التحريات لحالات اغتصاب أو حرق بالنار خلال عملية الفض، مبيناً أن الجثتين اللتين عثر عليهما في النيل مقيدتي الأرجل لا علاقة لهما بحادثة الفض، غير ان تقريره هذا قابله الشارع بالرفض القاطع وكان سبباً في خروج مواكب تحقيق العدالة.
أغسطس والاستقرار:
جاء شهر اغسطس افضل من الشهور التي سبقته، حيث شهد الرابع منه توقيع الطرفين على الوثيقة الدستورية، وكذلك شهدت القاهرة استمرار جولات الحرية والتغيير والجبهة الثورية، واليوم السابع عشر من الشهر الرابع للثورة يوقع الطرفان بحضور دولي واقليمي على الاتفاق النهائي، ليطويا صفحة حافلة بالاحداث التي اسفرت عن استشهاد مئتين من الثوار واصابة الف وخمسمائة، ومازال ستون شاباً في عداد المفقودين.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى