خطاب الأصم!!

د. حسن التجاني

د. حسن التجاني
جميل أن يكون لدينا شباب يمكن أن نقدمهم للعالم يحملون هم السودان.. وجميل أن يتعلم أبناؤنا كثيراً من المفاهيم التي تجعلهم يعتلون مناصب دولية ممثلين للسودان.. وشيء صحي في مفاهيم السياسة أن يظهر شباب أمثال د. محمد ناجي الأصم وسط قيادات سياسية تفوقه علماً ودراية بدهاليز السياسة وهو يتحسس الخطى ليجد وسطهم موقع قدم يستند إليه مستقبلاً.
لا أبالغ إن قلت إن ظاهرة د. الأصم الشاب تجربة ينبغي أن يحتذى بها فقط من منظور أنه شجاع أن تقدم وقدم نفسه ليعبر وسط عمالقة بحارة المحيطات في عالم السياسة، وأن يجعل رؤساء دول كبيرة فيهم من هو في أعمار جدوده وآبائه أن يجعلهم يستمعون له بإنصات عالٍ جداً ليعرفوا كيف انطلق هذا الفتى.
هكذا يمكن أن ندرب أجيالاً من الشباب ونجعلهم أكفاء لقيادة الدولة، فالصادق المهدي الإمام الشهير تولى في زمن ما رئاسة مجلس الوزراء وعمره خمسة وعشرون عاماً.. بأية صورة أو كيفية أتى هذا لا يهم، لكن الإقدام والشجاعة جعلت منه الآن عالماً في بحور السياسة، بالذات سياسة الأوراق العلمية بقاعات الجامعات في كليات العلوم السياسية هي الأقرب لما يقدمه اليوم ويمكن أن يستفيد منه أمثال د. الأصم اليوم.. فقد كان الإمام الصادق كبيراً يوم أمس الأول وهو يقدم خطاباً صغيراً، لكن لو قذف في مياه المحيط لغيرت مفردات كلماته لونه إلى (قوس قزح).
نعود لخطاب الأصم ويمكن أن نقيمه بدرجة جيد.. أخيراً بعد أن سمعناه، ولكن كان يمكن أن يقيم بدرجة ممتاز لو كان حذراً في بعض نقاطه التي سنذكرها في متن هذا الوهج.
الخطاب كان طويلاً، فيقولون لكل مقام مقال، يعني يجب أن تعرف متى تقول خطاباً طويلاً مفصلاً ومتى تقول خطاباً قصيراً محكماً ونفصل كثيراً في نقاطه.
عدد الرسائل التي أرسلها الخطاب كانت كثيرة رغم قصرها ومباشرتها بصورة مريرة غير مستساغة، فقد شملت كثيراً من علامات الوعد و (الوعيد)، فكانت رسالة سلبية خاصة في حضور قادة دول ما كان ينبغي تشرح تفاصيل الخطة للتوجه أمامهم لأن أمر الداخل لا يعنيهم بقدر الذي يعنيهم أن هناك تغييراً وحكومة قادمة جديدة يحتاجون ليعرفوا إلى أية (قبلة) تتجه.
كان بالإمكان أن يكون خمس رسائل فقط مضغوطة تعالج سلبية الجزئية من الخطاب المهم التاريخي.
تناول رسالة الجنوب لم يكن موفقاً أصلاً، لأن دولة رئيسها حاضر دعوة العودة كانت خصماً على المفاهيم الاستراتيجية السياسية الأمنية التي تمتع بها الخطاب في أوله.. والمعروف لن تعود دولة لها رئيس بالتمني والأحلام والعواطف وقد انفصلت برغبة (99%) من أهلها في دولة الجنوب.
أيضاً الدعوة للجنائية في حضور رؤساء دول إفريقية وقفوا ضدها يوماً قريباً وناصروا السودان ضدها لا لشخصية البشير وإنما للسودان الدولة، ومبدأ أن يحاكم الرؤساء خارج دولهم بقوانين قد يكون خصماً عليك أنت يوماً ما، فالذي يحدث لغيرك قد يأتيك بغتة.
في غير ذلك كان الخطاب رائعاً ويمكن أن يكون ممتازاً.. وكنت أتابعه بالتصاق حميم، وعندما تخطى النقطة في الرسالة الخامسة فقدت بوصلة متابعتي للخطاب، لأنه تخطى ضوابط الخطاب الإعلامي الاستراتيجي الذي ينبغي أن يقال في مثل هذه المواقف والمواقع والحضور.
أعجبني في بداية الخطاب ثبات هذا الشاب ونطقه السليم ومخارج الحروف وثقته التي أكدت أنه مشروع قائد، ومع بعض التصويبات قد يكون له دور مهم في نقل السودان عالمياً درجة ودرجات.
فالذي يقدم الخطاب العام يضع نفسه للتقييم والتحكيم، ولكن الذي لا يلام فعل الجمهرة حين يصفقون في لا يجب أن يصفقوا له.
بالخطاب هنات لكن لمقدم الخطاب تحية وتقدير، فقد مثل الشباب كما يجب، ولكن من ساعد في كتابة الخطاب فقد سها لأن يحذف ويعدل ويزيل لينزل الخطاب في قالب الخطاب الإعلامي الاستراتيجي، دون تخريسات ودون تزحلقات قد تضر به.
على فكرة أعجبتني فقرة التسامح في خطاب الأصم، فأثبت أن السودان كشعب مازال بخير وأننا مهما اختلفنا ائتلفنا.. ولو بعد حين.
اللهم عجل بالاتفاق السيادي.
(إن قُدِّرَ لنا نعود).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى