براغماتية حمدوك بين شعارات الثوار وحماسة الكنداكات

د. صلاح محمد إبراهيم

د. صلاح محمد إبراهيم
وصل د. حمدوك إلى أرض بلاده بعد غياب طويل، وصراحة لم أسمع به إلا عندما رشحته حكومة الإنقاذ. تخرج في جامعة الخرطوم عام 1981 وعمل بوزارة المالية حتى عام 1987، وغادر بعدها السودان للدراسة في بريطانيا بعد أن حصل على منحة للدراسة، ولكن المؤكد أنه ظل يدرس أو يعمل في جهات مختلفة خارج السودان لأكثر من ثلاثين عاماً وهي فترة طويلة، خلال الفترة من 1987 وحتى ثورة ديسمبر أبريل 2019 مرت بالبلاد أحداث ومتغيرات كثيرة شهدت فيها تقلبات سياسية في علاقاتها الإقليمية والدولية مع دول الجوار والعالم، وقد لفت نظري قوله في خطاب تعيينه بالقصر الجمهوري قوله إن البلاد والإصلاح سوف لن يعتمد على الهبات والمساعدات الخارجية، وهذه بداية في اعتقادي جيدة ولكنها غير كافية، في بلد به عجز في العملات الصعبة يتجاوز السبعة مليارات دولار وتضخم تجاوز نسبة 70%، بل النهضة في هذه الظروف التي يمر بها الاقتصاد السوداني لابد أن تأخذ في الاعتبار العون الإقليمي والدولي ، والأولوية لا شك للعون الإقليمي من الأصدقاء والأشقاء ، إذ ليس من المتوقع أن يأتي الكثير من الدول الغربية، كما أن الدول الأفريقية ليس لديها ما تقدمه للسودان، وحتى مصر بعلاقاتها القوية مع واشنطن لم تحصل على الكثير منها وفي ظل شروط صعبة التنفيذ مثل خطة كوشنر التي رفضتها مصر، يحتاج الدكتور حمدوك إلى بناء علاقات عربية قوية، وأن ينأى بنفسه عن الشعارات العدائية التي رفعتها بعض قيادات قوى الحرية والتغيير تجاه بعض الدول العربية التي وصلت إلى درجة تسيير التظاهرات أمام سفارتها في الداخل والخارج .
لابد لرئيس الوزراء أن يبعد نفسه عن طريق الرمال المتحركة التي سوف يجدها في طريقه من أصحاب الأجندات السياسية المعادية، خاصة بعد أن قال إنه سوف يتبع سياسة خارجية متوازنة ومعتدلة، وهو قول لا ينسجم مع بعض التصريحات أو التجريحات التي تصدر من البعض تجاه بعض الدول التي تقدم العون والمساعدات للسودان، لقد ارتبطت خبرة حمدوك بأفريقيا ربما أكثر من العالم العربي، ولكن واقع السودان وارتباطاته الإقليمية تختلف عن علاقات وارتباطات الدول الأفريقية من الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى التاريخية والوجدانية، لذلك عليه منذ بداية فترته أن يعزز ويدعم هذا الجانب، وأن يقوم بزيارات متلاحقة للتعرف على نظرائه في الدول العربية خاصة الدول التي لها استثمارت ضخمة في السودان، والتي تتدفق منها أموال وعملات أجنبية للخزينة السودانية، فليس هناك دولارات تأتي من القارة الأفريقية، ولكن هناك علاقات حُسن الجوار التي يجب المحافظة عليها، هذه هي الواقعية (البراغماتية) التي تحدث عنها السيد رئيس الوزراء كما أفهمها. فليس عيباً أن نغلب الجانب العملي والمنفعة في علاقاتنا الإقليمية والدولية، وهذا بلا شك سوف يجلب لنا احترام الآخرين لأنه يعني الصدق والشفافية في التعامل مع الغير.
ولنبدأ بجمهورية مصر العربية الجار الأقرب والتاريخي، فهي بوابتنا إلى العالم العربي وعلينا أن ننسى مرارت الماضي وأن يعمل رئيس الوزراء على فتح صفحة جديدة للتوافق مع الجار الشقيق وبناء حُسن الثقة والجوار في إطار من المصالح المشتركة، والفهم الذي يقوم على أن العلاقات الدولية تُبنى على هرمية تحكمها درجة التقدم والتطور في التعليم والتجارة والصناعة والاقتصاد عموماً، فالقارة الأوروبية مهما كبرت وتقدمت، فهي تظل تنظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها الشريك الأكبر، والتي هي بلا شك زعيمة العالم الغربي، وبحكم تجربتي وعلاقاتي الوطيدة وخبرتي المتواضعة في العلاقات السودانية المصرية، أعتقد أن استقرار السودان مرتبط بوجود علاقات يسودها التفاهم والوفاق حول ملفات جدلية وخلافية متعددة مع مصر ينبغي أن نحسن إدارتها والوصول بها إلى بر الأمان دون الالتفات إلى صيحات المحرضين وغير البراغماتيين.
كذلك يجب التنبيه إلى دور الإعلام في هذه المرحلة، نحن ليس لدينا إعلام صفوي محسوب أو متواجد ضمن مراكز اتخاذ القرار العالمية مثل الواشنطن بوست والنيويورك تايمز، بل هو يكاد ألا يكون متواجداً على مستوى اتخاذ القرار المحلي، لذلك لابد من تقوية العلاقات مع بعض دوائر الإعلام الإقليمية مثل صحف الشرق الأوسط اللندنية والأهرام المصرية والاتحاد والخليج في الإمارات، هذه هي الصحف المؤثرة في دوائر اتخاذ القرار العالمية والإقليمية، غير ذلك لن يسمعنا أو يسمع حمدوك أحد على الرغم من بيانات الترحيب من هنا وهناك، إعادة هيكلة الإعلام السوداني تحتاج إلى وقت وأموال هائلة لا تتوفر الآن. وبناء علاقات مع الإعلام الإقليمي أقل تكلفة بكثير في هذه المرحلة.
على المستوى الداخلي، أعتقد أن على السيد رئيس الوزراء أن يبدأ بتعزيز البنيات التحتية وفي مقدمتها مشكلة النقص الحاد في الإنتاج الكهربائي، وأظن أن من أهم معوقات الإنتاج الآن في السودان، هي شح وضعف الإنتاج الكهربائي المتواضع (أقل من 4000 ميجاوات) بينما بعض الدول حولنا تتفوق علينا كل واحدة منها بعشرات الآلاف من الميجاواطات، وأظن أن سياسة رئيس الوزراء التي قال إنها سوف تعتمد على قدراتنا المحلية زراعية وصناعية وتجارية وخدمية، لن تتقدم خطوة إذا لم تتم مضاعفة الإنتاج الكهربائي لثلاثة أو أربعة أضعاف ، لا تقدم أو تطور في عالم اليوم بدون كهرباء ولا إنتاج بدون كهرباء وإلا نكون واهمين وحالمين ونطلق شعارات خاوية عن بناء السودان،.
صحيح نحتاج لحسن إدارة الموارد، ولكن حسن الإدارة وحده يتطلب توفير المحركات التي تفعل وتحرك تلك الموارد حتى تتم إدارتها بالطريقة الصحيحة، صور الأقمار الاصطناعية تقول لنا إن مثلث طريق دبي ابوظبي العين دبي، يعتبر أكبر مثلث مضيىء في العالم وبه كثافة مرورية لا تهدأ وكلها حركة تساهم في دعم الإنتاج والتجارة والسياحة على مدار اليوم، وفي القاهرة أنت تسير بسيارتك طول الليل ولا تحتاج لاستخدام الإضاءة الكبيرة، الشوارع مضيئة ليلاً كأنما الشمس في رابعة النهار. أما في الخرطوم، الظلام الدامس يلف الكثير من أحياء العاصمة ليلاً، وتتعطل المصانع بسبب قطوعات الكهرباء ولم تتمكن الكثير من الأسر من مشاهدة مراسيم أداء القسم لأعضاء المجلس السيادي ورئيس الوزراء ، فكيف يتوقع السيد د.حمدوك أن يتواصل معه المواطنون وهم لا يرونه أو يسمعونه في ظل هذه الأوضاع المحبطة مع النواقص الأخرى الكثيرة في حياتهم، نجحت حكومة الإنقاذ في بناء نظام اتصالات متقدم، ولكن للأسف لم يكن تلك أولوية ولم يساهم في خدمة الاقتصاد القومي، بل ساهم في استنزاف الاقتصاد وإفقاره وانتفع منه بعض الأثرياء عمولات وغيرها، وأهملت البنيات التحتية الرئيسة، ومن ذلك الكهرباء والطرق والنقل العام من سكك حديدية وطيران ونقل بحري ونهري.
البراغماتية ليست شعارات وحماسة، الخراب هائل وضخم، والتحدي كبير، فهل تكون قامة الرجال القادمين بقدر التحدي؟.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق