حمدوك.. ما أشبه (ليلتك) بـ (أمس) المهدي

تحليل: أحمد يوسف التاي

تحليل: أحمد يوسف التاي
أظهر تسجيل فيديو كوادر لحزب المؤتمر الوطني في مخاطبة جماهيرية أمام العشرات من أنصار الحزب عقب محاكمة الرئيس المخلوع أمس الأول يهددون فيها بإسقاط حكومة حمدوك خلال ستة أشهر فقط، وجاء في حديث أحد مسؤولي قطاع الطلاب يدعى إسماعيل: (هلا هلا على الجد، زمان شغلتنا السلطة وأمراض السلطة، لكن بعد دا حنوريكم معارضة كومبا درش حصحاص بإذن الله سبحانه وتعالى، وتأكد يا حمدوك ستجد أشرس معارضة ليس من أجل الوطن ولكن من أجل حكومة حنسقطها خلال الستة شهور القادمات، ونحن بنقول كلام مسؤولين عنه، والزول دا يا جماعة قال حيرفع الدعم عن المحروقات، لذلك يا جماعة جهزوا نفسكم).
لم يكن التهديد بإسقاط الحكومة الانتقالية الذي سبقت الإشارة إليه هو الأول من نوعه، فقد سبق للأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الدكتور علي الحاج أن هدد بالتحالف مع الحركات المسلحة لإسقاط حكومة حمدوك، وذلك من خلال مؤتمر صحفي عقده بدار حزبه الأسبوع الماضي.
ما أشبه الليلة بالبارحة:
الناظر إلى تهديدات (الإسلاميين) بإسقاط حكومة حمدوك، تستوقفه عدة ملاحظات جديرة بالاهتمام، وهي أن ذات الذرائع والوسائل التي اسقط بها (الإسلاميون) حكومة الديمقراطية الثالثة التي تولى رئاستها الصادق المهدي، يحاولون الآن إعادة استخدامها لإسقاط حكومة الدكتور عبد الله حمدوك.. لكن ثمة أسئلة ملحة تفرض نفسها وتحتاج إلى إجابة: هل يستطيع (الإسلاميون) إسقاط حكومة حمدوك؟ وهل تصلُح الذرائع التي أسقطوا بها حكومة المهدي لإسقاط حكومة حمدوك؟ وإلى أى مدى يمكن أن تنجح تلك الوسائل في إسقاط حكومة حمدوك؟ وهل سيتجاوب الشارع السوداني مع الدعوة للتظاهر ضد الحكومة الانتقالية؟… كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها في سياق هذا التحليل، لكن قبل ذلك لا بد أن نتوقف قليلاً لاستدعاء الوسائل والذرائع التي لجأ إليها (الإسلاميون) بزعامة الترابي لإسقاط حكومة الصادق المهدي، وهي ذات الوسائل وذات الذرائع التي تستعد الحركة الإسلامية الآن لإعادة إنتاجها بغرض قلقلة الحكومة الانتقالية برئاسة حمدوك وزعزعة استقرارها، وذلك على النحو التالي:
أولاً الذرائع والمبررات:
في مارس 1989م حدث ائتلاف بين أحزاب (الامة) و (الإتحادي الديمقراطي) و (الجبهة الإسلامية القومية)، وبموجبه تم تعيين د. حسن الترابي في منصب نائب رئيس الوزراء، إلا أن الجبهة سرعان ما انسحبت من الحكومة بعد أن دخل الصادق المهدي في محادثات سلام مع الحركة الشعبية بزعامة قرنق تم بموجبها اتفاق بين الحكومة والحركة على وقف إطلاق النار، تبعه إلغاء قوانين سبتمر 83م الإسلامية، وإبطال الأحلاف العسكرية مع مصر وليبيا، وعلى إثر ذلك قادت الجبهة الإسلامية مظاهرات جماهيرية، ورفع كوادرها المصاحف على أسنة الرماح، وأحدثت شللاً في جسد الحكومة، إلى أن قادت انقلاباً عسكرياً عليها في الثلاثين من يونيو89م بعد ثلاثة أشهر من انسحابها.
والآن ذات الذرائع عادت إلى السطح مرة أخرى، حيث يبرر الإسلاميون مواجهتهم مع الحكومة الجديدة بأن الوثيقة الدستورية تجاهلت الشريعة الإسلامية، وأن ذلك يعد سبباً كافياً للدعوة لإسقاطها وتمزيق الوثيقة وحشد الشارع السوداني في مواجهتها، وبدأت أولى خطواتهم للحشد والاصطفاف بتكوين تحالف يضم الأحزاب التي شاركت في نظام البشير تحت مسمى تنسيقية القوى الوطنية.
ثانياً الوسائل:
وبإلقاء نظرة فاحصة تأخذ في الاعتبار الوسائل التي استخدمها (الإسلاميون) في قلقلة حكومة الديمقراطية الثالثة برئاسة المهدي ومن ثم إسقاطها، يدرك المراقب السياسي أن ذات الوسائل يحاول الإسلاميون إعادة استخدامها لإحداث ربكة في المشهد السياسي وزعزعة استقرار الحكومة الانتقالية برئاسة حمدوك، لتلقى مصير حكومة المهدي التي اسقطوها بذات الوسائل والذرائع.. ويمكن إجمال تلك الوسائل في الآتي:
(1) إطلاق الشائعات: لمنسوبي الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني خاصة الأمنية، باع طويل وقدرات عالية في استخدام سلاح الشائعات، ولعل الحركة برعت في استخدام هذه الوسائل بكثافة في أواخر أيام الديمقراطية الثالثة عن طريق صحفها.
(2) أساليب الاغتيال المعنوي: وذلك عن طريق التشهير بالمسؤولين ورئيس الحكومة والسخرية منهم، ولعل هذه بدأت إعادة استخدامها من خلال النيل من أعضاء مجلس السيادة المدنيين الحاليين والتقليل من شأنهم وتصوير أحدهم بأنه يلبس حلق الأذن كانساء، وما إلى ذلك.
(3) التناول الصحفي والإعلامي المبتذل: وذلك على نحو يجنح إلى الفوضى بغرض التقليل من هيبة رجال الدول ورمزيتهم، مستغلين في ذلك حرية الإعلام والأجواء الديمقراطية، ولعل ذلك أيضاً بدأ يطل برأسه في وسائل التواصل الاجتماعي حالياً، عوضاً عما كانت تنشره صحف الجبهة الإسلامية في العهد الديمقراطي.
فرص النجاح والفشل:
بقراءة المشهد الحالي والظروف المحيطة بالإسلاميين وحكومة حمدوك على حد السواء، بعد فشل تجربتهم وسقوط شعاراتهم وبعد حكم استمر ثلاثين عاماً، تبدو أية محاولة لتهديد الحكومة الانتقالية سواء بالتظاهر أو إطلاق الشائعات أو التهديد بإسقاطها، تبدو أشبه بالانتحار لاعتبارات كثيرة، حيث يُنظر إلى أية تحركات كهذه على أنها مؤامرة لقطع الطريق أمام الاستقرار وتحقيق السلام الشامل، وتعويق مسار التحول الديمقراطي والدولة المدنية من جانب الثورة المضادة والدولة العميقة، وبالتالي ستواجه بالرفض الشعبي الواسع، كما أن الشارع الذي انتفض كله على نظام الإسلاميين سيبدو عصياً على الإقناع بذريعة (الشريعة) بعد تجربة الثلاثين عاماً التي ابتعد فيها الحكم كثيراً من مقاصد الشريعة.
ويضاف إلى ذلك أن حكومة حمدوك تحظى بتأييد شعبي كبير في الداخل والخارج، كما تُحظى بمساندة الأحزاب السياسية والحركات المسلحة والقوى الإقليمية والدولية، وأن أية محاولة لزعزعة استقرارها من جانب الحركة الإسلامية السودانية، ستضع الأخيرة في مواجهة العالم كله، وربما يفضي الأمر إلى تصنيفها منظمة إرهابية، لذلك كل الظروف الآن تبدو ضد الحركة الإسلامية التي ليس أمامها إلا قبول التحول الديمقراطي والالتزام بقواعد اللعبة الديمقرطية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى