السودانيون في القاهرة.. واقع بطعم (الحلو مر ) (2ــ2)

يبلغ عددهم نحو مليون وخمسمائة ألف

القاهرة: صديق رمضان
مدثر شاب لم يتجاوز العقد الثاني من عمره، أكمل تعليمه الجامعي بكلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم، ترتيبه الأول في أسرته، والده تقاعد إلى المعاش، وفي خضم المسؤولية الملقاة على عاتقه وعجزه عن الإيفاء بمتطلبات أسرته، تقاذفته أمواج الحيرة، لم يجد أمامه غير أن ييمم صوب الجارة مصر التي ظل فيها منذ عام وهو يأمل أن يبتسم له الحظ ويجد هو ومثله -أكثر من مائتي ألف لاجئ سوداني بمصر- فرصة الهجرة إلى أوروبا أو أن يحظى بعمل مجز بالدولة التي لجأ إليها مثل سودانيين كثر حققوا نجاحاً باهراً وأثبتوا وجودهم في بلد المائة مليون نسمة .
وحكاية السودانيين في مصر جديرة بالسرد لأنها تحوي بين ثنايا تفاصيلها ما يدعو للفخر والإعزاز بتمسك كثيرين بالقيم السودانية ونجاحهم الباهر وفي ذات الوقت تجلب الحسرة بداعي سلوكيات البعض.
سودانيون درجة ثانية
في الحلقة الأولى من تحقيقنا اوضحنا طبيعة الوجود السوداني الكثيف في مصر بالارقام، وفي هذه الحلقة نلقي الضوء على الكثير من المشاكل التي تواجه الجالية السودانية المقيمة منها او التي تختصر اقامتها على فترة محدودة، علماً بان الجالية تضم خمساً وثلاثين جمعية بعضها مسجل ومشهر رسمياً بوصفها جمعيات خيرية تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية المصرية كما توجد جمعيات غير مشهرة بالاضافة الى روابط مناطقية، ويبلغ عدد المنضوين تحت لواء هذه الجمعيات سبعمائة وخمسون الف مقيم بمصر، ولكن السودانيين من امهات مصريات علاقتهم بالجمعيات تكاد تكون منعدمة وهؤلاء فان عددهم يقدر بخمسة وعشرين الفاً بالاضافة الى ابناء السودانيات من آباء مصريين، ويرى البعض ان هذه الفئة لا تربطها علاقة بالجالية الا عند حدوث مشكلة تحتم عليهم التواصل معها او مع السفارة وحتى علاقتهم بالسودان ضعيفة .
متغيرات ومخاوف
حول المشاكل التي تواجه الجالية في مصر يؤكد الامين العام للمجلس الاعلى للجالية السيد حمدي علي وجود الكثير من العقبات، ويشير في حديث لـ(الانتباهة) الى ان ابرز القضايا التي تؤرق المقيمين في مصر عدم وجود فرص عمل لابناء الجالية، بالاضافة الى عدم توفر النشرات الاعلامية والثقافية التي تسهم في تعريف ابناء الجالية بوطنهم السودان، ومن المشاكل الغريبة التي اشار اليها حمدي نظرة المجتمع السوداني السالبة للذين نشأوا في مصر حيث يعتبرهم كثيرون انهم سودانيون درجة ثانية لتحدثهم باللهجة المصرية وعدم تمكنهم من الدارجية السودانية. وقال ان هذا الامر يمثل لهم هاجساً نفسياً كبيراً ويسهم في زهد كثير من الشباب عن زيارة السودان، منوهاً الى ان ابناء الجالية يعانون ايضاً من مشكلة اخرى تتمثل في عدم نيلهم حظهم من التدريب في المؤسسات السودانية والعمل فيها خاصة الخريجين.
مظاهر سالبة
ويمضي الدكتور حمدي في حديثه ويشير الى ان الوجود السوداني الكثيف كان له ايضاً افرازات سالبة بمصر، مبيناً انه وفي الفترة الاخيرة شهدت الصورة الزاهية للسودانيين تغييراً في مخيلة ابناء الشقيقة مصر الذين يعرفون الشعب السوداني عن كثب، لاشتهار افراد الجالية بحسن الخلق والصدق والامانة، وقال ان الاعداد الكبيرة التي بدأت تتوافد على مصر بعد فتح المعابر الحدودية البرية جلبت معها ظواهر سالبة مثل ممارسة الاعمال المنافية للاخلاق والعادات السودانية، ورأى ضرورة التدقيق في منح تأشيرات السفر لكل سوداني قادم لمصر، ويعتقد بضرورة الاهتمام بالجالية السودانية في مصر عبر رعاية الحكومة في الخرطوم للبرامج الثقافية والتربوية والرياضية لتمتين علاقة ابناء الجالية بوطنهم الاصل.
أزمة حقيقية
وعلى صعيد التعليم فان السودانيين يواجهون معاناة حقيقية تتمثل في الحاق ابنائهم بالمدارس المصرية الحكومية التي لم تعد تفتح ابوابها في وجهوههم مثلما كان حادثاً قبل محاولة اغتيال الرئيس المصري الاسبق محمد حسني مبارك في العام 1995 فحتى ذلك الوقت كان ابناء السودانيين يدرسون مجاناً في المدارس المصرية وبعد ان توترت العلاقات بين البلدين سياسياً فان انعاكاستها على الارض جعلت التعليم الحكومي المجاني حصرياً على الذين دخلوا مصر قبل عام توتر العلاقات ولا يجد الذين استقروا في مصر بعد العام 1995 غير الحاق ابنائهم بالمدارس الخاصة العالمية او المراكز التعليمية السودانية وهي قريبة الشبه من المدارس الخاصة في السودان وذلك لضيق فرص التعليم في المدرستين السودانتين بالقاهرة ،وتشير الناشطة ست البنات الى وجود مدرستين سودانيتين فقط بالقاهرة وهما مدرسة الصداقة التابعة للسفارة ومدرسة المجلس الافريقي الخاصة لا يمكنهما استيعاب العدد الكبير من الطلاب السودانيين في مرحلتي الاساس والثانوي وتلفت في حديث لـ(الانتباهة) الى ان اولياء الامور استعاضوا في تعليم ابنائهم بالحقاهم بالمراكز التعليمية التي انشأها سودانيون لتدريس المنهج السوداني، ونوهت الى انه وعند بداية العام الدراسي الحالي تم طرد عدد من الطلاب بمدرسة الصداقة التابعة للحكومة السودانية لعدم تسديدهم الرسوم، وقالت ان هذا الامر ورغم معالجته لاحقاً الا انه يؤكد بان المدرسة تحتاج الى اعادة نظر لان تحصيل رسوم تصل الى ثلاثة الاف وخمسائة جنيه سوداني يشير الى وجود ثمة مشاكل ربما في تمويلها من السودان او ادارتها، وقالت ان السفارة تفرض رسوماً تبلغ ستين دولاراً على الطالب الجالس لامتحانات شهادتي الاساس والثانوي معتبرة هذا المبلغ باهظاً، وتنوه الى امر مهم مفاده ان الحكومة المصرية وحسبما تناقلت الانباء ربما لا تعترف مستقبلاً بالمراكز التعليمية السودانية وقالت ان هذا يحتم على الحكومة السودانية انشاء المزيد من المدارس او بحث هذه القضية مع الجانب المصري حتى يتم ترفيع هذه المراكز الى مدارس معترف بها رسمياً، وقالت ان السفارة هي المسؤولة عن التصديق بهذه المراكز وعليها ان تعمل على التفاهم مع وزارة التعليم المصرية حتى لا يواجه الصغار مشكلة في المستقبل القريب.
السفارة والاتهامات
تبذل السفارة السودانية في مصر جهوداً كبيرة لخدمة السودانيين في استخراج الوثائق الثبوتية بالاضافة الى دعم الذين تتقطع بهم سبل العلاج وصولاً الى توفير تذاكر السفر لبعض من تواجههم ظروف اقتصادية قاسية، ويحظى السفير المكلف ادريس محمد علي ومن قبله السفير عبدالحليم عبدالمحمود بمكانة كبيرة في نفوس السودانيين لحرصهما على تقديم المساعدة والدعم والوقوف بجانب افراد الجالية في كل مناسباتهم ،غير ان اريحية الرجلين لم تكن كافية لتعصم السفارة من سهام النقد التي توجه ناحيتها حيث يؤكد كثيرون ان الرسوم التي يتم تحصيلها تعد باهظة مقارنة مع ظروف السودانيين بمصر الذين يلفتون الى انهم يختلفون عن اولئك المغتربين بدول الخليج ،ويعتقدون بضرورة خفضها بالاضافة الى توفير جزء من هذه الايرادات لمناشط الجالية عبر انشاء اندية ودور تليق بها من اجل ربط الاجيال الناشئة بالسودان، وطالبوا وزارة المالية بالسودان بالاهتمام بصورة تشييد مقر يليق بالسفارة السودانية بالقاهرة وايضاً توفير دعم مادي مقدر لتتمكن من تقديم يد العون للسودانيين الذين يواجهون ظروفاً تفوق امكانياتهم في العلاج والتعليم .
رهق السفر
والشكاوى وسط الجالية السودانية لا تتوقف على التعليم والسفارة بل تشمل الكثير من الجوانب التي يلقي رئيس المجلس الاعلى للجالية الدكتور حسين الضوء على بعض منها ويشير الى ان التواصل عبر البر بين البلدين يواجه مشاكل كثيرة خاصة في المعابر حيث يتعرض المسافرون لمعاناة حقيقية ابرزها الاجراءات التي تستغرق وقتاً طويلاً مما يصيبهم بالرهق والاستياء بالاضافة الى معاناة تغيير البصات، ويؤكد ان ذات القضية تنسحب بشكل اخر على الخطوط المصرية التي تسجل ثلاث رحلات يومية للسودان حيث تفرض غرامة باهظة على التأجيل ولو لساعات، بالاضافة الى ان سعر تذاكرها باهظة وتباع بالدولار وليس بالعملة المصرية ،علاوة على ذلك فان هذه الخطوط لا تحمل الجثمان الا بعد دفع عشرة الاف جنيه مصري وهي تعادل اربعين الف جنيه سوداني عكس شركات الطيران السودانية وهي سودانير ،تاركو ،بدر التي لا تحمل رسوماً على الجثامين .
هجرة غير شرعية وبيع أعضاء
من أكبر المشاكل التي تواجه الجالية السودانية بمصر الهجرة غير الشرعية الى اوروبا واسرائيل وليبيا وقد استمعنا الى الكثير من القصص والروايات التي اكدت حجم الماسأة التي يواجهها الشباب السودانيون الذين قضى كثيرون منهم نحبهم غرقاً او عند الحدود الاسرائيلية، وهنا يلفت الدكتور حسين الى ان الشباب السودانيين يحضرون باعداد كبيرة يومياً ويستقبلهم المهربون الذين يوفرون لهم سكناً بعدد من احياء القاهرة ومنه ستة اكتوبر ،ويكشف ان الكثير من المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر المتوسط تعرضوا للغرق واشرفت الجالية على دفنهم ويبدي حسرته على ضياع حياة الكثير من الشباب ،وقال حسين ان الموتى على اسوار اسرائيل ايضاً ارقامهم مرتفعة ،ويشير الى مشكلة اخرى تمثل لهم هاجساً وتتمثل في بيع الشباب الوافدين وامتهان عدد منهم تجارة الاعضاء، حيث تتم استضافتهم في منزل بحي شبرا، واضاف:ثمن الكلية الواحدة تبلغ اربعين الف دولار حيث يتم منح الشاب السوداني البائع بين ستة الى ثمانية الاف دولار وللاسف هذه الظاهرة منتشرة وسط السودانيين فقط ،وكذلك يعمل بعض الشباب على بيع جزء من الكبد بمبلغ 250 الف جنيه ،كاشفاً عن الكثير من الوفيات التي تصاحب عمليات بيع الاعضاء ،ويؤكد انهم كثيراً ما تقدموا بشكاوى ورفعوا تقارير الى الخارجية السودانية ووزارة الداخلية وكل المسؤولين كانوا يؤكدون على علاج المشكلة ولكنهم لم يفعلوا شيئاً ،موضحاً ان من المشاكل التي تزعجهم وقد ظهرت في الفترة الاخيرة تتمثل في الهجرة الكبيرة لفتيات سودانيات الى القاهرة والاستقرار فيها دون وجود مرافقين، معتبراً الدعارة وسط بعض الفتيات السودانيات من المشاكل التي يعانون منها، موضحاً ان بعض السودانيين الموجودين بميدان العتبة اشتهروا بالجريمة وان هذا اساء كثيراً لوجه السودان وسمعته المعروفة بالامانة والنزاهة والطيبة، ولفت الى ان الكثير من المصريين الذين يتزوجون بسودانيات في السودان وحينما يعودون الى وطنهم لا يعودون اليهن مرة اخرى.
(120 جثمان) شهرياً إلى الخرطوم
من الارقام المفجعة التي كشف عنها رئيس المجلس الاعلى للجالية الدكتور حسين تلك المتعلقة بعدد الجثامين التي يتم شحنها يومياً على متن الرحلات الجوية لشركات سودانير، تاركو ،بدر والخطوط المصرية والتي تعود لمرضى سودانيين بحثوا عن الاستشفاء في القاهرة وقال انها تبلغ في اليوم اربعة جثامين، وحينما سألته عن اسباب هذه النسبة المرتفعة للوفيات ارجع الامر الى ان المرضى السودانيين وبحسب متابعاتهم واستناداً على شهادات الوفاة وافادات الاطباء المصريين يحضرون دائماً الى القاهرة بعد ان يتمكن المرض منهم ويعجزون عن علاجه بالسودان، وبحديث الدكتور حسين هذا فان عدد المرضى الذين يفارقون الحياة بالقاهرة التي يمموا صوبها للعلاج يبلغ في الشهر مائة وعشرون متوفياً، ويلفت الدكتور حسين الى ان عدداً مقدراً من الاختصاصيين المصريين يتعاملون مع الجالية والمرضى السودانيين بأريحية واحترام ويبذلون كل ما في وسعهم من اجل مساعدتهم ،ويكشف رئيس الجالية رقماً اخر يبدو صادماً ومثيراً للحيرة والدهشة وذلك حينما تطرق للاموال التي ينفقها السودانيون المرضى للعلاج شهرياً في القاهرة وقال انها تبلغ مليون دولار، مبيناً ان هذا الرقم جاء بعد دراسة اجرتها الجالية والسفارة ممثلة في القنصل والسفير، منوهاً الى ان هذا المبلغ في الشتاء فقط فيما يرتفع في الصيف، وقال إن عدد الذين يحضرون يومياً الى العلاج يمثلون 80% من الذين يزورون مصر يومياً الذين يبلغ عددهم الف ومائتان وخمسون زائراً يومياً.
واقع وتغيير
ظلت مصر تفتح ابوابها امام السودانيين دون تعقيدات لعمق العلاقة بين البلدين، غير ان الواقع بمثلما يؤكد ان 90% من السودانيين يحافظون على سمعة وطنهم بحسن خلقهم وتمسكهم بقيمهم ،الا ان الحقائق تكشف عن ان نسبة الـ10% وبخروجهم عن جادة الطريق يخصمون كثيراً من مكانة الانسان السوداني ،وبعد ان بدأ قطار المدنية في الانطلاق فان ابرز مهام الحكومة الجديدة ايقاف نزف الهجرة حتى لا يكون الشباب السوداني فريسة سهلة لعصابات بيع الاعضاء والاتجار في البشر، وايضاً فان تعليم ابناء السودانيين بمصر يحتاج الى اهتمام من وزارة التربية والتعليم في الحكومة الجديدة، بالاضافة الى المطالبة بتحسين المعاملة في المعبر البري.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق