بواخر (سودان لاين)..بحـــــــــــر الفســــــاد !

بورتسودان: صديق رمضان
تسللت إلى خده دمعة عجز عن إخفائها، واختار الصمت بعد أن تغيرت ملامح وجهه واكتساها الأسى وهو يرسل بصره ناحية مياه البحر قُبالة ميناء بورتسودان الشمالي، ليشاهد الباخرة النيل الأبيض وقد تم سحبها وهي في طريقها إلى الهند، أدرك وقتها أن صفحة من تاريخ البلاد قد طُويت وأن شمس الخطوط البحرية قد توارت عن الأنظار، لم يجد ما يعبر عنه الستيني أحمد غير ترديد (الله يجازي الكان السبب)، والحزن الذي تملّكه سيطر على مئات المواطنين الذين اختاروا التلويح بإشارات الوداع إلى آخر بواخر الخطوط البحرية السودانية التي تم بيعها في عهد النظام المباد، وهي جزء من عمليات بيع شابها الفساد في أوضح صوره طالت أربع عشرة باخرة.
أعالي البحار
تشير أوراق التاريخ إلى أن الخطوط البحرية السودانية تعتبر من أوائل شركات النقل البحري في أفريقيا والشرق الأوسط ،حيث برزت فكرة إنشائها في العام 1959 لترى النور في العام 1962 بوصفها شركة ملاحة سودانية يوغسلافية، عقب إبرام اتفاقية بين بنك السودان وبنك يوغسلافيا للتجارة الخارجية، وكان هذا نواة لامتلاك السودان أسطولاً وطنياً شارك طوال ستة عقود بفعالية في نقل صادرات وواردات البلاد، ليسهم في توفير العملات الحرة التي كانت تذهب إلى الشركات الأجنبية، وشكّل هذا حماية للاقتصاد السوداني من أخطار الحروب والأزمات الطارئة، وفي العام 1967 امتلك السودان الشركة بعد شراء نصيب اليوغسلاف لتصبح سودانية خالصة، التي كانت تعمل طوال ثلاثة عقود في مختلف البحار والمحيطات، غير أن الرياح جاءت عقب استيلاء الإسلاميين على السلطة بخلاف ما تشتهي سفنها.
أدوار مذهلة
وكان لأسطول الخطوط البحرية السودانية أدوار مقدرة في كل الظروف الحرجة التي مرت بها البلاد، خاصة في الحروب والكوارث، ولعبت أدواراً كبيرة في تجنيب البلاد مخاطر الأزمات والضغوطات السياسية، ويذكر لها التاريخ مشاركتها الفاعلة ونقلها للسلع الاستراتيجية ومُدخلات الإنتاج عند إغلاق قناة السويس، وكانت بواخرها تقطع أكثر من ألف كيلومتر بحري لمدة «36» يوماً عبوراً برأس الرجاء الصالح، وذلك لإيصال المواد الغذائية وغيرها إلى البلاد، وفي عهد الجفاف والتصحر في عقد الثمانينات من القرن الماضي كان لها دور كبير ومقدر في محاربة المجاعة وسد الفجوة بنقلها للمواد الغذائية من مختلف أنحاء العالم، وكانت تمثل جزءاً استراتيجياً من الأمن القومي، وتبدت أهميتها في حربي اليمن والخليج الأولى، حينما عملت على نقل السودانيين على متن ثمان بواخر، وامتدت إسهامات البواخر السودانية نحو العديد من الدول العربية التي مرت بأزمات مختلفة كالعراق الذي وصلته الباخرة نيالا في عام 1992م وحرب الخليج كانت على أشدها، وذلك من أجل إيصال «8» آلاف طن من المساعدات للشعب العراقي، وكانت سمعة البواخر السودانية في كل موانئ العالم في شمال أوروبا وجدة واليمن والشرق الأقصى والولايات المتحدة، جيدة ومعروفة بالانضباط وتوفر شروط الملاحة العالمية، وساعدت الخطوط البحرية وقتها في تركيز أسعار (النولون) البحري، وجنّبت البلاد مغبة التعرّض للأزمات والغلاء، وحسّنت من القدرة التنافسية للصادرات السودانية، وتقليل تكلفة مُدخلات الإنتاج.
تدهور ودمار
فعلياً بدأت الشركة في الانهيار منذ منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي، حينما بدأ التخلص تدريجياً من بواخرها عبر بيعها دون طرحها في مناقصات عامة، وبعيداً عن التقارير الفنية التي تؤكد ضرورة التخلص منها لإجراء عملية إحلال وإبدال وبدأت عمليات البيع في العام 1995 حيث تم بيع الباخرة نيالا، في العام 1996 كان مصير الباخرة الأبيض الإبحار بعيداً عن أسطول الشركة عقب بيعها أيضاً وهو ذات الأمر الذي تعرّضت له دنقلا والقضارف في بداية هذه الألفية ومن ثم بيع البواخر مروي، ستيت ،الضعين، الجودي، وفي العام 2014 تم بيع الباخرة دارفور لتكون النيل الأبيض آخر البواخر التي تم التخلص منها والتي غادرت البلاد إلى الهند في العام 2017، ليس البواخر فقط التي طالها التدمير والفساد بل حتى اسم الشركة غشته رياح التغيير لإخفاء معالم الجريمة وتحولت إلى سنقنيب.
فشل إداري
مر على إدارة الشركة في عهد الإنقاذ عدد من المديرين شهدت في عهود بعضهم تراجعاً كبيراً في الأداء، منهم مدير لم تكن له علاقة بصناعة النقل، ويتهم بأنه حول أموال الشركة إلى المجهود الحربي في تسعينيات القرن الماضي، وجعل من الشركة ثُكنة عسكرية، كما شهد عهده فصل وتشريد العاملين عملاً بتوصيات إحدى بيوت الخبرة من بينهم «600» بحار وعدد من الموظفين، وقام بنقل الشركة من بورتسودان للخرطوم تاركاً خلفه البحر والبواخر، وقد أصدر أكثر من «40» قراراً وصف بعضها بالعشوائية، لكن وخلفه في إدارة الشركة أيضاً لم يكن من العارفين بالمجال، وهو يحمل درجة الدكتوراة في الكمبيوتر، وقد أجرى بعض المحاولات في تطوير الشركة مثل نظام السفريات البحرية السريعة للركاب «جودي إكسبريس» ففشلت فتم بيعها، ولم تستطع الشركة تشغيل الباخرة الجودي، وشهد عهده غرق العبارة «الجاسم»، وتعتبر أكبر كوارث الشركة، ولم يكن تطوير الشركة ضمن اهتمامات النظام السابق الذي بدا وكأنه يريد الإجهاز عليها.
الانهيار والفساد
كيف انهارت الخطوط البحرية السودانية وأين ذهبت أموال البواخر التي تم بيعها؟ ،الإجابة على الأسئلة الحائرة تأتي على لسان آخر مديري الخطوط البحرية السودانية الكابتن مصطفى مختار الذي يشير في بداية حديثه، إلى أن البواخر كانت مملوكة بنسبة 99% لوزارة المالية و1% لبنك السودان، مبيناً لـ(الانتباهة) أن أبرز اشتراطات بيع الباخرة إعداد تقرير فني عنها يوضح حالتها وإذا خلص التقرير إلى بيعها تتولى وزارة المالية هذا الأمر عبر لجنة التخلص من الفائض التي تتخذ إجراءات البيع عبر العطاءات المعروفة، ويمضي مختار في حديثه مفجراً مفاجأة من العيار الثقيل حينما كشف عن أن البواخر التي تم بيعها في بداية هذه الألفية ومنها الأبيض والفاشر ودنقلا، لم تخضع للإجراءات المتّبعة حيث تم بيعها دون تقارير فنية، وبعيداً عن طرحها في عطاءات ولا يعرف أحد المقابل المادي الذي أدخلته للخزانة العامة ،غير أن الكابتن مصطفى ينوه إلى أن باخرة النيل الأبيض التي تم بيعها في العام 2018 بمبلغ مليون دولار عقب خصخصة الشركة وفقاً للإجراءات القانونية لم تحقق سعرها الحقيقي الذي يقترب من الاثنين مليون دولار، وذلك لأنها تم بيعها بالسودان، ويقول إن هذه الباخرة لم تكن كما يشير البعض جاهزة للعمل وأن بيعها كان منطقياً غير أن السعر الذي تم بيعها به أقل من تقييمها الحقيقي، وقال إن الذي اشتراها سوداني باعها لاحقاً بفائدة تجاوزت المائتي ألف دولار لرجل أعمال هندي أحضر قاطرة لجرها إلى الهند.
مسؤولية وحقائق
ويمضي الكابتن مختار في حديثه ويشير إلى أن الباخرة دارفور تم بيعها بمبلغ اثنين مليون دولار، وأن هذا حدث في عهده ،وأردف: حينما توليت مسؤولية الشركة أخضعت الباخرة دارفور للصيانة وبالفعل عادت إلى الإبحار نحو ميناء السويس ولكن اتضح لنا أن مثل هذه البواخر الضخمة لا يمكنها العمل بين الموانئ القريبة التي تحتاج لبواخر صغيرة سعة أربعة آلاف طن، ودارفور كانت سعتها 12 ألف طن، وكان يفترض بيعها في الأردن ولكن وقتها كانت على الشركة ديون وخشينا أن يتم التحفظ عليها، وأثناء وجودها في السويس حدث لها عطل وظلت موجودة في مصر لفترة طويلة ولم تكن الشركة تملك عائدات لصيانتها وتشغيلها فلم نجد غير بيعها.
بيع وشراء
وهنا تبرز العديد من الأسئلة حول أموال هذه البواخر، حاولنا معرفة أين ذهبت خاصة تلك التي تم بيعها في بداية هذه الألفية غير أن أكثر من مصدر أكد أنها لم تستفد منها الشركة لأن الحكومة الاتحادية هي التي تولت بيعها دون اتباع الإجراءات القانونية، وحتى الباخرة النيل الأبيض التي تم بيعها بمليون دولار لم تعد إلى خزانة الشركة، غير أن الكابتن مصطفى مختار ينوه إلى أن أموال الباخرة دارفور تمت الاستفادة منها في شراء باخرة الركاب دهب التي تم تسديد أقساطها في ستة عشر شهراً حيث بلغ سعرها أربعة ملايين دولار، ويقول إنه استلف من رجل أعمال باكستاني مبلغ 350 ألف دولار حتى يتمكن من دفع القسط الأول للباخرة دهب، ويكشف مختار المتخصص في هذا المجال أنه بعد إبعاده عن الشركة تم تعيين مدير من منسوبي جهاز الأمن وفي فترته حدث خطأ في صيانة الباخرة دهب ورغم ذلك لم يتم إيقافها إلى أن توقفت إحدى الماكينات لتتوقف الباخرة في ميناء جدة تسعة أشهر وترتب على ذلك ديون كثيرة وأخيراً عادت إلى السودان وتوقفت نهائياً عن العمل.
فساد واضح
وهنا سؤال آخر هل كل البواخر التي تم التخلص منها في عهد الإنقاذ المتهم الأول بتدمير الخطوط البحرية كانت (خردة) كما أشار أكثر من قيادي بالنظام المباد؟ وهل خرجت عن العمل وفقدت صلاحيتها؟ ،الإجابة تأتي على لسان الكابتن مصطفى مختار الذي يؤكد أن عدداً منها كانت في أفضل حالاتها بإبحارها بين الموانئ ،موضحاً أن أبرز البواخر التي كانت في وضع فني جيد ولا يوجد سبب لبيعها، أم درمان، نيالا، الأبيض، دنقلا، وقال إن هذه البواخر كانت بحالة جيدة إلا أن البواخر الأخرى كانت تعاني مشاكل فنية ، سألت الكابتن مختار عن أسباب عدم حدوث إحلال وإبدال لبواخر الشركة بالأموال التي عادت إليها من بيع البواخر، فأرجع هذا الأمر إلى الإدارات المتعاقبة ،وأردف: للأسف الحكومة السابقة كانت تتعامل بطريقة غريبة مع الخطوط البحرية وذلك بتعيينها لمديرين لا علاقة لهم بهذا المجال ومنهم من كان موظفاً في هيئة الإغاثة الإسلامية وهذا كان يأتي إلى الشركة بالزي العسكري الخاص بالدفاع الشعبي، وآخرون من جهاز الأمن.
تشخيص وأزمة
الخبير في مجال النقل البحري ومدير شركة عزالدين للملاحة، المهندس معتصم عزالدين، يبدي أسفه في حديثه لـ(الانتباهة) لتحول شركة الخطوط البحرية السودانية إلى أثر بعد عين، ويعتقد أن النقل البحري بات جزءاً من أمن الدول ولكن في عهد الإنقاذ المباد لم يتم وضع هذا الأمر في الحسبان حيث تم التعامل مع (سودان لاين) مثلها والشركة الصغرى التي تعرضت للخصخصة الجائرة، لافتاً إلى أن دولاً مثل إثيوبيا التي تعتبر من الدول المغلقة تمتلك بواخر وذلك للحفاظ على سيادتها في نقل صادراتها ووارداتها، ويقول إن بعض المنقولات تكون بمثابة أسرار دولة وأن نقلها يجب أن يكون بالنواقل الوطنية بحراً أو جواً، وأضاف: وللتأكيد على أن الخطوط البحرية السودانية كانت تحظى باهتمام كبير قبل الإنقاذ فإن مديرها في لندن كان مكتبه يجاور مكتب السفير بالسفارة السودانية، وهذا يؤكد أن الخطوط البحرية تمثل سيادة دولة، ويعتقد المهندس عزالدين أن سبب تلاشي (سودان لاين) يعود إلى سياسة التمكين سيئة الذكر التي انتهجتها الإنقاذ، منوهاً إلى أن مدير التسويق في الشركة كان يوغسلافي الجنسية يؤدي دور التنسيق للشركة في كل موانئ العالم، إلا أن الإنقاذ جاءت وأبعدته وحل مكانه أحد الإسلاميين الذي سجل فشلاً ذريعاً، وقال إن أموال الشركة تم التعامل معها باستهتار وفساد، ضارباً المثل بعدم معرفة أموال البواخر التي تم بيعها بأموال زهيدة وذهبت إلى مصلحة أفراد، مؤكداً على أن الجريمة التي تم ارتكابها بحق (سودان لاين) تستحق محاكمة كل الذين شاركوا فيها، ويبدي المهندس معتصم حسرته على امتلاك السودان لخمس بواخر فقط أربع منها لنقل المواشي وواحدة لنقل الركاب خرجت عن الخدمة، ويرى أن هذا لا يليق بدولة مثل السودان لها صادرات، مشدداً على ضرورة فتح تحقيق في بيع بواخر (سودان لاين) لمعرفة أين ذهبت أموالها.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق