(ابن البادية).. في وداع صاحب (الجرح الأبيض)

الخرطوم : هادية قاسم
احتشدت جموع الناس في منطقة أبي قرون وهي تودّع الفنان الكبير صلاح بن البادية صاحب (الجرح الأبيض)، وقد تم تشييع جثمانه في موكب مهيب جمع أحبابه وأهله ومعارفه الذين تقاطروا من مختلف المناطق لأداء العزاء في فقيد البلاد. فالراحل رقم قياسي وأيقونة الفن الجميل الذي ظل يهبه لأصحاب الذوق الرفيع طوال مسيرته الفنية. (براحات) تناولت الحديث عن إبداعه متناولة عميق جرح كلماته التي اتسمت بالشجن وجميل الأداء:
استطاع صلاح بن البادية أن يقدّم خلال مسيرته الفنية عصارة إبداعه أداءً ولحناً طروباً، وقد تمكن من كسب جمهور عريض من كل الفئيات العمرية، وهذا إن دلّ إنما يدل على ذوق المغنّي في اختيار الكلمات والألحان وكيفية الأداء التي نالت إعجاب أجيال مختلفة .
تطواف في عمق الأغنيات:
امتازت أغنيات صلاح بن البادية بطابع حزن أضفى عليها جمالاً وروعة، فمعظم أغنياته تضج بالشتات واللوعة والعتاب والكلمة الرقيقة العميقة :
وتظل (كلمة) التي كتب كلماتها الشاعر الراحل المقيم محمد يوسف موسى، هي الأجمل حزناً والأنبل جرحاً: فقد وضع لها ابن البادية لحناً جميلاً يتناسب مع الكلمات المشحونة بالشجن:
أعيش في ظلمة وإنت صباحي .. إنت طبيبي أموت بجراحي ..في شعري رفعتك أسمى مكانة .. يا الجازيتني بكسر جناحي .
فما أقسى وأمر من أن يُقابل الجميل بالنكران والجحود، فالمغنّي هنا رفع من درجة المحبوب شعراً ووعداً وتمني، لكن الأخير لم يقابل ذلك بالثناء والرضا، وكان الخذلان هو مكافأة لا تتسق مع حجم العطاء. فيما يسترسل في شرح معاني الحب له: (عرفت الحب أغاني جميلة أغاني حنينة كالأنسام ..) الى أن يقول :(تخاصمني عشان بس كلمة يا ما نظمت فيك كلام.. تخاصمني عشان بس كلمة.. وأحلى قصائدي نظمتها فيك …ألخ) ، فيتعجّب هنا من مقاطعته له بسبب (كلمة) ربما كانت عابرة، بالرغم من جميل الكلام الذي نظمه فيه في كل تفاصيله ولم يشفع له ذلك كله، بل تعمّد نسيانه فيما لم ينسَ (كلمة) واحدة فلتت منه في لحظة يأس وحزن !
ومن ثمّ يعاتب المغنّي محبوبه الذي غلط في حقه كثيراً مما أشبعه حزناً وأسى:(كم أدميت بكلمة فؤادي علشان خاطرك استحملت) وقد كان رد فعله الصفح والغفران، بل تعداه الى أن يرى الكلمات القاسية ماهي إلا كلمات رقيقة لجهة أنها خرجت من المحبوب ولم يتفوّه بها غيره. وقد تمكن صلاح بن البادية من أداء الأغنية بصورة جاذبة خاصة وأنها تمكن من تجسد الحزن الذي تضج به الأغنية عبر إيحاءاته التي تناغمت مع الإيقاع .
شعراء
تعاون صلاح بن البادية مع عدد من الشعراء المتمكنين، وكانت رائعة محجوب سراج (الجرح الأبيض) واحدة من الأعمال التي جمعت بينهما فأبدع في أدائها الراحل أيّما إبداع :
أنا لونعيم الدنيا عندك أحرميني
ولو جحيم الآخرة ملكك عذبيني
أنا يا ضناي يا وهجة أشواقي الحبيسة
جرحي أصبح ما بسيل لو تجرحيني
إضافة الى تعاونه مع الشاعر الصادق الياس في (الباقي باقي – هدي بي يا شوقي – يا فائت) وغيرها. فيما تغنى بكلمات عبد الله النجيب (إنت أغلى – من كلام عينيك ) . أما الشاعر ابو ، فقد كتب له : (حسنك أمر – ولغة العيون) . وقد تعاون أيضاً مع الشاعر مختار دفع الله في (ساقية جحا) والتي يقول مطلعها :
أنا أصلي يا عقد النجوم في الريدة زي ساقية جحا، و(فات الأوان و كلمة) لمحمد يوسف موسى .
تميز
أوضح الفنان والناقد الفني جمال النحاس في حديثه مع (براحات) أن الراحل المقيم واحداً من أعمدة الفن في السودان وقد ظهر في الستينيات من القرن الماضي مع مجموعة من الفنانين الذين أثروا الساحة الفنية ، وقد تغنى بأغانٍ جميلة وتأثر بالذين سبقوه في مجال الفن . وكشف عن أن الراحل المقيم كان فناناً متميزاً في صوته وأدائه واختياره للكلمات. وألمح النحاس أن ابن البادية قد ظل مواصلاً في فنه بذات الأداء وسلامة الصوت، مضيفاً : وكلما كنا نستمع إليه كنا نشعر بأنه يغني لأول مرة بذات الوهج والإبداع، فيما كان يجدد في أغنياته في الموسيقى والتعبير الصوتي وأن صوته من الخامات غير المتوفرة .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق