ثورة سبتمبر.. فـي انتظار العــــدالة ..!!

الخرطوم: صديق رمضان
فجأة تردد في أرجاء السوق العربي الذي كان وقتها مكتظاً بالمواطنين، هتاف “الشعب يريد إسقاط النظام”، ووقتها تكسرت رياح الربيع العربي أمام المتاريس الأمنية التي وضعها نظام الإنقاذ المباد، ولكن رغم ذلك فإن الحادي والعشرين من شهر سبتمبر من العام 2013 شهد بداية الانتفاضة على حكم المخلوع، غير أنه أطلق يد أجهزته الأمنية وكتائب الظل الباطشة لتحصد في 48 ساعة مائتين وعشرة شهداء لا تزال ذكراهم حاضرة والشعب السوداني يستنشق هذه الأيام عبير الحرية بعد أن نجحت ثورة ديسمبر في إزاحة حكم الطاغية.
ذعر وخوف
جاء الهتاف الشبابي يومها صاخباً ليبدد سكون الساحة السياسية معلناً عن ميلاد تيار شبابي في ذلك الوقت، يسعى لأن يجعل ثورة الربيع العربي واقعاً يغشى بلاده التي ظلت لعقدين وخمسة أعوام ترزح تحت وطأة نظام الإسلاميين الشمولي، وأثار ترديد الثوار في وسط السوق العربي “الشعب يريد إسقاط النظام” الذعر وسط القوات الأمنية التي أسرعت لإخماد الثورة في مهدها حتى لا تتمدد شرارتها إلى أنحاء السودان المختلفة، غير أن الثوار ورغم عبوات الغاز المسيل للدموع الكثيفة التي أطلقت ناحيتهم تدثروا برداء الصمود لأن هدفهم الذي خرجوا من أجله كان يستوجب التضحية وواصلوا في ترديد الشعارات وهم يهتفون ارحل يا دجال ،ومليون شهيد لعهد جديد، ورغم التصدي الشرس للتظاهرة إلا أن نار الثورة سرعان ما عم معظم مدن البلاد خاصة ودمدني التي كان لها القدح المعلى في إشعال الشرارة التي كادت أن تحرق النظام المباد لاحقاً عقب قرار رفع الدعم عن المحروقات الذي كان سبباً لخروج المواطنين إلى الشوارع منددين بسياسات وفشل الإسلاميين في إدارة البلاد.
الرصاص ينهمر
ولان القتل فقط هو اللغة التي يجيدها رجال الانقاذ واجهزتهم النظامية التي تجرد افرادها وقتها من الرحمة، فقد انهمر الرصاص مثل المطر على رؤوس المطالبين، فكان ان بدأ تساقط الشهداء واحداً تلو الاخر ونشط جهاز الامن في حملة اعتقالات واسعة سعياً منه وراء إخماد الثورة في مهدها، وزاد حديث للمخلوع البشير في مؤتمر صحفي عُقد بقاعة الصداقة في الثاني والعشرين من اغسطس من لهيب الثورة لانه جاء مخيباً للامال حينما اكد تمسك الحكومة بخيار رفع الدعم، بل ادعى ان قرار مهم يأتي من اجل رفاهية الشعب بل وقلل من حالة ارتفاع أسعار السلع والدولار، حينما اشار الى انها حالة نفسية مؤقتة ستزول بعد فترة من رفع الأسعار، وعلى طريقه مضى في الحاج ادم الذي حمل لقب الحاج ساطور وهو يمعن في استفزاز المواطنين حينما قطع بانهم يدركون جيداً رفض المواطنين لرفع الدعم ولكنهم سيمضون في تنفيذ الاجراءات التي اعلنوا عنها، وكما كان متوقعاً فان مجلس وزراء المخلوع لم ينحز الى المواطنين في الثالث والعشرين من سبتمبر حينما أجاز قرار رفع الدعم.
الولايات تنتفض
وفي خضم هذه الاجواء الملبدة بالغيوم فان ولايات السودان لم تتخلف عن ركب الثورة رغم البطش الذي تعاملت به الاجهزة الامنية التي حصدت آلتها القاتلة ارواح الشباب، فكان ان ثارت نيالا وتمردت ودمدني وزأرت كوستي وانتفضت المناقل، ليصدر المخلوع قراراً للشرطة كان الهدف منه ذر الرماد في العيون حينما اوكل لها مهمة التصدي للمظاهرات وطالب بتفريقها وفقاً للقانون، ولكن القرار الذي لم يصدر مكتوباً كان اطلاق يدها ومعها جهاز الامن وكتائب الظل لقتل المتظاهرين والتعامل معهم بوحشية وسادية، وفي الرابع والعشرين من سبتمبر خرج البشير مجدداً في محاولة منه لامتصاص غضب الشارع ولكنه زاد اشتعاله بحديثه المستفز عن “الهوت دوق”، لتزداد نار الثورة لهيباً بمدن واحياء العاصمة التي خرجت باعداد كبيرة اصابت قيادات النظام بالخوف من مواجهة مصيرهم المحتوم وكان طلاب الجامعات والمدارس الثانوية هم القوة الحية الاكثر تأثيراً على ارض الواقع وادخل الشباب الثوار ببسالته الرعب في قلوب الاجهزة الامنية، وحينما زادت وتيرة الثورة لم تجد الاجهزة الامنية غير اطلاق النار بكثافة ناحية المواطنين واغلقت الجسور بالعاصمة، وفي الخامس والعشرين شل عصيان عام العاصمة الخرطوم التي تحولت الى ثكنة عسكرية، وفي هذه الاثناء رفضت امريكا دخول البشير اراضيها بحكم انه مجرم حرب فيما كانت الامارات اول دولة عربية تطالب النظام بايقاف القتل، لتتحول عدد من مدن البلاد الى سرادق عزاء كبير.
الراحلون الخالدون
إذاً فان نظام الاسلاميين وخلال 48 ساعة فقط حصدت اجهزته الامنية وقتلت بدم بارد 210 مواطنين سودانيين، رحل الشهداء وتركوا اسماءهم مدونة باحرف من نور ومداد من ذهب في سجلات النضال السوداني، ومنهم الطالب وقتها بكلية الهندسة بجامعة الجزيرة محمد ادم علي الذي اطلق عليه من كانوا يحملون لقب “الرباطة” وهم افراد جهاز الامن رصاصة في السوق الكبير بودمدني ففاضت روحه ،وكذلك لاعب فريق وادي النيل معتصم وارغو الذي اغتاله شرطي بحي مايو وفشلت كل محاولات اسرته في رفع الحصانة عن الشرطي الذي قتله بقرار وقتها من الفريق هاشم عثمان ،ومن الشهداء الدومة علي ،اسماعيل حمد،سالم احمد الطيب ابن العشرين عاماً الذي استشهد في حي الدباغة بودمدني ،وبجانبه احمد محمد علي العربي الذي صوبت ناحيته مليشيات النظام المباد رصاصة فاخترقت صدره ،اما الطالب مازن سيد احمد وهو ايضاً من شهداء ودمدني فقد فاضت روحه ايضاً اثر تلقيه رصاصة قاتلة من مسلحين كانوا يرتدون زياً مدنياً، وقدمت ودمدني ايضاً احمد يوسف محمد عمر وهو طالب في المرحلة الثانوية حيث اخترقت رصاصة رأسه ،ومن الشهيدات الخالدات منى عبدالرحمن سليمان وهاجر عبدالعليم وامل منذر،لم يكتفِ “الرباطة” بقتل الفتيات فحتى الاطفال في مدني تجرعوا من ذات الكأس وما الطفل فرح ايمن محمد الا دليل على وحشية منسوبي النظام المباد، وقدمت ودمدني ايضاً من الشهداء عاصم هشام، مجتبى حسن، يوسف انور، بابكر يوسف، اما بمحلية المالحة بشمال دارفور فقد شهدت ثورة سبتمبر مجذرة ارتكبت بحق الاطفال ولا يزال ضابط الشرطة ومعتمد المحلية اللذان وقفا خلفها مطلقيْ السراح ولم تطالهما يد العدالة واستشهد في تلك المجذرة خمسة من طلاب الاساس والثانوي وهم الصادق محمد، عبداللطيف امين،محمد ادم ،مصطفى النذير،وليد الصادق،اما الخرطوم فقد قدمت الكثير من الشهداء وابرزهم جعفر عثمان جعفر”الكلاكلة” ،محمد خير الله،علم الدين هارون ، صهيب موسى محمد جبارة، سليمان محمود يحيى ، عمر عبدالعزيز، هزاع ،سارة، سنهوري وغيرهم من شهداء بالعاصمة قدموا ارواحهم من اجل تخليص البلاد وقتها من براثن حكم المستعمر الوطني.
نكران واعتراف
كثيرة هي المذابح التي ارتكبها النظام البائد الذي كان دموياً وعنيفاً الى ابعد الحدود ضد من يفترض به حمايتهم وتوفير الحياة الكريمة لهم، وتحفظ اوراق التاريخ بمداد من دماء الشهداء الكثير من الاغتيالات التي نفذها بدم بارد دون ان يرمش لقادته جفن او يرق لهم قلب، لكن تعد جريمة سبتمبر من اكثر الجرائم ايلاماً ،فقد تعامل بعنف مفرط ضد المتظاهرين الذين ارادوا ممارسة حقهم الدستوري في التظاهر ولكن من كانوا يوفرون الحماية للطاغية المعزول عمر البشير وبدلاً من الانصات اليهم امطروهم بوابل من الرصاص تسبب في مقتل 210 شهداء معظمهم من الشباب الذين انتاشهم قناصة لايقاف تمدد ثورتهم الغاضبة التي كادت ان تقتلع وقتها النظام من جذوره، ومثّل ملف شهداء سبتمبر امتحاناً حقيقياً للنظام البائد الذي ظل وبعد ان تلطخت يداه بدماء الشهداء يرفض الاعتراف بجريمته ،غير انه و بعد تمنع وتمترس ونفي اشتهر به اقر بعد مرور عامين بمسؤوليته عما حدث إبان الاحتجاجات الشعبية .
طرق متواصل
تحت الضغط اعترف بارتكابه لتلك المذبحة ولكنه وبالرغم من ذلك فان الأصابع الغليظة لأسر الضحايا التي كانت تطرق على أبواب اجهزته القضائية والشرطية والنيابية الا انها لم تفلح في النفاذ إلى ما وراء ما استحكم إغلاقه باستثناء قضية وحيدة نظرتها المحاكم وبرأت فيها المتهم وسط رفض من الأسرة للحكم الصادر، وتحت الضغط المحلي والدولي لم يجد النظام البائد غير الاعتراف في كثير من المناسبات وعلى أعلى المستويات بسقوط ضحايا حدد رقمهم بأكثر من ثمانين شهيداً فيما اكدت إحصائيات غير حكومية بتخطيهم حاجز المائتين، ولم يجد رأس النظام البائد وفي خطة مثلت اعترافاً حقيقياً بمسؤولية قتل اكثر من 200 مواطن غير التوجيه بتعويض أسر الضحايا فضلاً عن معاقبة المعتدين وتقديمهم للمحاكمة، ووقتها دخل البرلمان المحلول على الخط بقوة بمطالبة عدد من عضويته بتقديم المتورطين في تظاهرات “سبتمبر” لمحاكمات علنية، مع عدم الالتفاف على الملف بإعلان دفع الديات والتعويضات لأسر الشهداء قبل المحاسبة، ووقتها تعهد وزير العدل، عوض الحسن النور، بتنفيذ توصيات مجلس حقوق الإنسان بمحاسبة الجناة كأولى أولويات الحكومة، واستكمال التحري في القضايا التي رفض أهالي الضحايا إغلاقها في مقابل الديات وأعلن اعتزامهم رفع الحصانة عن متهمين وذلك توطئة لتقديمهم إلى القضاء، وحدّد النور عدد الضحايا بـ (86) شهيداً.
خداع وتسويف
غير ان حكومة الاسلاميين التي ظلت تدمغ طوال فترة حكمها البالغة ثلاثين عاماً الى ان ازاحتها ثورة شعبية عارمة في الحادي عشر من شهر أبريل من هذا العام، ظلت تمارس الخداع والتسويف بل ورفض جهاز الامن والشرطة رفع الحصانة عن افرادهما المتورطين في مقتل المتظاهرين وعجزت وزارة العدل في استرداد الحقوق الى اهلها بمحاكمة الضالعين في هذه الجريمة والتي اعادت الثورة فتحها حينما طالبت أسر شهداء سبتمبر من المجلس العسكري فتح هذا الملف لتقديم الجناة الى المحاكمة، ويؤكد عدد من اسر شهداء سبتمبر ان المسؤولية تقع بشكل مباشر على والي الخرطوم وقتها عبدالرحمن الخضر بحكم انه رئيس لجنة امن الولاية، بالاضافة الى مدير جهاز الامن والمخابرات في ذلك الوقت علاوة على مدير الشرطة الفريق هاشم عثمان، وفي ميدان الاعتصام امام القيادة العامة فان متظاهرين حملوا لافتات تطالب بمحاكمة الثلاثي لجهة انه كان المسؤول عن الامن والشرطة وادارة ولاية الخرطوم .
في انتظار العدالة
رغم مضي خمسة أعوام على ثورة سبتمبر إلا أن أسر الشهداء لا تزال في انتظار القصاص من الذين أزهقوا أرواح أبنائهم ، وبعد أن بات نظام الإنقاذ صفحة من الماضي عقب ثورة ديسمبر فإن الفرصة باتت مواتية لمحاكمة الذين ارتكبوا المذبحة .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق