ارتفاع أسعار الألبان.. الجشع يسيطر

تحقيق: الخواض عبد الفضيل
تشهد ولاية الخرطوم ارتفاعاً غير طبيعي في أسعار الالبان واصبحت هاجساً يؤرق مضاجع كل الاسر لحاجة اطفالها لاكمال بنيتهم الصحية، وبالتالي اصبحت سلعة لا يمكن التخلي عنها لدى العديد من الاسر. وفي الجانب الآخر يرى بعض منتجي الالبان ان تكاليف الانتاج اصبحت عالية، الى جانب الاثر الذي تركه تصدير الاعلاف الى الخارج والفراغ الذي خلفه في السوق المحلي، وتسبب ذلك في الندرة وما ترتب عليها من ارتفاع في الأسعار
محاولة تقشف
المواطن بكري عبد الله لديه ثلاثة ابناء ويشتري ثلاثة ارطال لبن في اليوم، قال خلال استطلاع انه في الآونة الاخيرة ارتفعت اسعار الالبان بدرجة خرافية، وهي غير ثابتة بما يمكن أن التحسب لها، ففي مناطق سعر الرطل (25) جنيهاً ومناطق اخرى (20) جنيهاً، وقد تكون زيادة اسعار الاعلاف هي السبب في ارتفاع الاسعار او ارتفاع تكاليف الانتاج بالنسبة لأصحاب المزارع، ومن المحتمل يكون ذلك لاعذار اخرى وتقديرات يعرفونها. واضاف بكري قائلاً: احاول التقشف في استهلاك اللبن لعدم قدرتي على شرائه كل يوم، مفضلاً الشراء يوماً بعد يوم. وتابع قائلاً: اؤيد تماماً مقاطعة الالبان، حتى اذا كان هنالك تلاعب في الاسعار نحاربه بالمقاطعة فقط. وطالب الحكومة الانتقالية بوضع اسس للنهوض بالثروة الحيوانية والاستفادة منها في تصنيع الالبان بصورة تليق بالسودان وثروته، اما بصناعة البان مجففة او سائلة معلبة حتى نتفادى استغلال المنتجين .
شح بسبب الخريف
التاجر عوض الامين الطاهر يعمل في بيع الالبان عبر عربة نقل صغيرة (بوكس)، ويشتري الالبان من المنتجين ويقوم بتوزيعها في مناطق متفرقة من العاصمة، واوضح ان اللبن يشترونه بالسعر الغالي من المنتج نفسه، مشيراً الى ان اغلب اصحاب الابقار في فترة الفيضانات والخريف يرحلون الى مناطق بعيدة بحثاً عن المراعي الجيدة والكلأ، وهذا يترك شحاً واضحاً في كمية الانتاج من الالبان، بالإضافة الى ارتفاع تكاليف مواد الانتاج، علاوة على ارتفاع قيمة الترحيل.
أعلاف غالية
صاحب مزرعة ابقار لانتاج الالبان بمنطقة الخليلة شمال بحري، سليمان ملاح، التقته (الإنتباهة) من داخل مزرعته لتوضيح ملابسات ومبررات ارتفاع الالبان في الآونة الاخيرة، فقال ان ارتفاع اسعار مدخلات الانتاج هي السبب الاساسي في ارتفاع الاسعار، مضيفاً أن سعر فدان الأعلاف الطبيعية (35) الف جنيه، اضافة لارتفاع اجور العمالة الى (6) آلاف جنيه مقارنة مع السنوات الماضية، وارتفاع اسعار الاعلاف المصنعة التي بلغ الجوال منها (1000) جنيه. واشار الى انه لا يكفw غذاء ثلاث بقرات، هذا بالاضافة الى تكلفة الرعاية الصحية التي تحتوي على الادوية البيطرية وزيارة الطبيب البيطري، مؤكداً ان أسعار المدخلات الانتاجية زادت بنسبة اكثر من 200%.
عمل احترافي
وكشف سليمان عن مآخذه على من يطلق صافرات مقاطعة اللحوم والالبان على القروبات الاسفيرية، وقال ان هؤلاء يجلسون خلف التلفونات ولا يعرفون قيمة العمل، مضيفاً أنهم يعملون عملاً احترافياً وليس تقليدياً كما كان يفعل الاسلاف، قائلاً: (الآن التربية من اجل الكمية، ونحن لدينا مزارع للاستثمار، وممكن نبيع بهائمنا هذه وبثمنها اعمل اربعة ابراج ونرتاح من التعب ده)، لافتاً الى انه في هذا الحال يصبح سعر اللبن بدلاً من (25) جنيهاً (500) جنيه مع امكانية عدم توفره، واردف قائلاً: (سعر رطل اللبن يخرج من مزرعة المنتج بـ (17) جنيهاً للوسيط الذي بدوره يبيعه للمستهلك بسعر (25) جنيهاً)، منوهاً بأن رطل اللبن يخرج من ضرع البقرة وتكلفته اكثر من بيعه بـ (25) جنيهاً)، وشكا من انهم يتعرضون للخسارة لثلاث سنوات ومازالوا يعملون بالخسارة، وتحدى كل من يشكون من غلاء الالبان ان يقوموا برعاية مزرعة واحدة لمدة ستة اشهر فقط ليروا المعاناة التي يعيشونها.
واوضح سليمان ان مجال الثروة الحيوانية في السودان لا يجد الاهتمام الذي يمكن من خلاله ان يدر على خزانة الدولة عملات صعبة، خاصة ان السودان به مقومات تتفوق على جميع الدول المنتجة للالبان حتى هولندا
فترة جفاف
وذهب صاحب مزرعة انتاج البان بسوبا شرق ــ عباس ود الريف ــ لذات رؤية سليمان، بقوله ان ارتفاع اسعار الالبان يعود الى الزيادة في اسعار مدخلات الانتاج، ونبه الى ان السبب الاساس للزيادة يعود لفترة الجفاف الموسمي التي تؤثر في كمية انتاج اللبن فتتوقف الابقار عن انتاج الحليب، والتي تبدأ من شهر يوليو، لافتاً الى ان الابقار تكون في فترة (الدرار او الحمل)، وايضاً تقل كمية الالبان المنتجة خلال هذه الفترة، مما يحدث فجوة في كمية الالبان فتؤثر في الأسعار لتصبح باهظة على المستهلك، وابان انها فترة موسمية ترتفع فيها الاسعار حتى شهري مارس وابريل، ومن ثم تنخفض الاسعار بعد ان تضع الابقار حملها فتحدث الوفرة.
البحث عن أرباح
وكشف عباس عن تخلي كثير من منتجي الالبان عن المهنة بعد الازدياد المريع الذي طال مدخلات الانتاج في السودان خاصة في الفترات الاخيرة، واثرت في الاقتصاد الكلي بعد ارتفاع قيمة الانتاج.
واضاف ان مكونات الاعلاف (البرسيم والامباز والفول النقاوا) كلها مدخلات انتاج بالنسبة لأصحاب المزارع، واصبحت سلعاً يصعب على المنتج شراؤها داخلياً، بسبب فتح باب تصديرها الى الخارج بواسطة التجار المصدرين، وهو في النهاية جشع تجار التصدير الباحثين عن الارباح العالية.
فجوة داخلية
موظف في شركة تصنيع اعلاف ــ فضل حجب اسمه ــ قال في حديثه لـ (الإنتباهة): (انا اتحدث باعتباري مواطناً قبل ان اكون موظفاً في شركة، لأنني اشتري اللبن مثل اي مواطن عادي)، مشيراً الى ان تصنيع الاعلاف مكلف للغاية، خاصة شراء المواد الخام للتصنيع مثل الامباز والعيش والفول السوداني، كما ان ترحيل هذا الخام اصبح هاجساً يؤرقهم، فبلغت تكلفة ترحيله لمقار التصنيع (7000) جنيه للمشوار الواحد في المتوسط، بالاضافة الى عمل الطواحين التي تقوم بطحن الخام ليخرج بصورته النهائية للاستخدام الحيواني، وأضاف قائلاً: (كما دخل منافس جديد رفع قيمة سعر الانتاج من الاعلاف، وهو تصديرها الى دول الجوار، وهو عامل اساسي في غلاء اسعارها، مما ترك ندرة في السوق، بحيث أصبحت غالبية التجار يفضلون التصدير، ليتركوا فجوة بالغة في السوق الداخلي للاعلاف).
انعدام مصداقية
رئيس اللجنة الاقتصادية بجمعية حماية المستهلك حسين القوني، أكد في افادته للصحيفة ان هناك أعذاراً يطلقها منتجو الالبان بوجود ارتفاع في قيمة تكاليف الإنتاج مع انعدام المصداقية، مشيراً إلى أن عملية بيع الألبان تتم عبر مراحل حتى تصل الى المستهلك، حيث تخرج من المنتج عبر وسطاء (سماسرة) حتى تصل الى المواطن بأسعار مرتفعة خلال هذه الدورة، موضحاً أن أصحاب المصانع يغرون المنتجين بأسعار جعلت الكثيرين يخصصون الإنتاج لهذه المصانع، وبالتالي انعكس ذلك على سعر رطل اللبن للمواطن العادي.
لا يمكن محاربته
وأشار القوني في حديثه الى أن اللبن سلعة مهمة للمستهلكين وثقافة تعود عليها الناس، خاصة للأطفال الصغار، وهو ليس كاللحوم يمكن أن يحارب بالمقاطعة، وعلى ولاية الخرطوم عمل دراسة بحثية لمعرفة أين الخلل، هل هو من المنتج ام من الوسطاء وغيرهم، حتى يتم وضع السعر المناسب، وتجنب ارتفاع الأسعار غير المبررة أحياناً.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق