يا حمدوك.. عندما تمخض وزير المال فولد فأراً!

الطيب مصطفى
كانت فجيعتي كبيرة وحزني عظيماً ان يتمخض جبل وزير المالية الجديد د. ابراهيم البدوي الذي استبشرنا بمقدمه، توهماً أنه جاء حاملاً عصا موسى حكمة وكفاءة ليحل معضلة البلاد الكبرى المتمثلة في الازمة الاقتصادية الخانقة، التي اطاحت النظام السابق، ان يتمخض فيلد فأراً مريضاً!
لو جاء تفنيد البرنامج الاقتصادي الذي خرج علينا به وزيرنا الجديد البدوي من اي رجل آخر غير الخبير النحرير د. التجاني الطيب، الذي عمل في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمدة (30) عاماً بعد ان غادر موقعه كوزير دولة للمالية، لما اعرته اهتماماً ولعزوته للغيرة المهنية او السياسية، ولكن معرفتي بدكتور التجاني الذي ظل يلهب ظهر الموازنات المقدمة من النظام السابق بسياط من نار وبارقام لا تقبل الجدال هو الذي اقنعني بضحالة بل وسذاجة البرنامج الاقتصادي الذي قدمه وزير المالية دكتور ابراهيم البدوي.
لن استفيض في الشرح ولكني ساستعرض نقاطاً قليلة مما ورد في الدراسة النقدية التي نشرها دكتور التجاني، لاطلب بعدها من رئيس الوزراء اعادة النظر في ذلك البرنامج من خلال الاطلاع على تقرير التجاني والجلوس معه، ذلك ان البرنامج الاقتصادي المقدم من البدوي لا يعدو ان يكون مجرد خزعبلات واحلام لا تسمن ولا تغني من جوع، وستؤدي الى تفاقم الازمة الاقتصادية لا الى علاجها، الأمر الذي يقتضي اعادة النظر فيه حتى لا ننتظر السراب.
اول الاخطاء التي اشار اليها التجاني ان يمتد البرنامج الاقتصادي الى عشر سنوات متجاوزاً الفترة الانتقالية، وهذا لعمري تغول على حق الحكومة الشرعية التي ستأتي عبر الانتخابات، ذلك ان البرامج الاقتصادية حسب توصيف د. التجاني (لا تورث)، واعجب والله ان يتمادى بنو قحتان بدون ادنى خجل فيطيلون فترتهم الانتقالية غير الشرعية ثم يمددونها، تغولاً على حقوق الغير، الى عشر سنوات بحيث يمنحون انفسهم حق التفكير والتخطيط للجدد القادمين عبر صندوق الانتخابات!
كذلك فإن البرنامج بني على تكهنات لا تقوم على ساقين تفترض ان السلام سيتحقق خلال ستة اشهر بكل ما ينطوي على ذلك من تأثير على ارقام الموازنة التي لا يوجد مهدد لها اكبر من الفشل في تحقيق السلام.
سأل التجاني وهو محق: وماذا سيحدث إن لم يتحقق السلام خلال الفترة المذكورة؟ للاسف لم يضع البرنامج بدائل تستجيب لهذا الاحتمال الكبير، واقولها ــ انا وليس التجاني ــ من خلال معرفتي بما يضمره بعض حملة السلاح خاصة من الذين لهم ارتباطات دولية تحد من قراراهم وارادتهم السياسية واجندة شخصية ترفض السلام، واعني بصورة خاصة كلاً من الحلو وعبد الواحد نور (Mr NO)، ومازلت اذكر كيف تعنت قرنق ولم يضع السلاح بعد سقوط نظام الرئيس نميري مما اثر كثيراً بل حطم اداء الحكومة الديمقراطية التي اعقبت فترة مايو واعاق اداءها الاقتصادي وعجل بانقلاب الانقاذ.
انتقد التجاني كذلك الاعتماد على البنك الدولي كمرتكز اساسي للدعم المالي والفني، وهو امر محفوف بالاخطار، سيما ان المؤشرات المتاحة بعد زيارة حمدوك لواشنطون مؤخرا لا تبشر بفرج قريب، وقد اثارني تكذيب السفير البريطاني لوزير المالية الذي زعم ان فرنسا عفت ديون السودان، ولم ادر هل اضحك من تصريح الوزير ام من (تكذيب) السفير البريطاني (الاستعماري) الذي مازال يتحدث بلسان الحاكم العام البريطاني بدون ان يزجر او يطرد!
كذلك سخر التجاني من طلب الوزير من البنك الدولي تزويده بخبراء من الخارج، وهو امر غريب بحق جعل التجاني يتساءل عن مبرر ذلك، لكون السودان يعج بالخبراء السودانيين الذين يرفدون العالم ومؤسساته الدولية وجامعاته حتى في امريكا بالخبرة الثرة والاداء الرفيع!
لن اتطرق الى السخرية اللاذعة التي صبها د. التجاني على بعض تكهنات الوزير التي بنى عليها ارقام موازنته (وباع بها واشترى (بالاماني) خاصة حديثه عن توحيد سعر الصرف بعد نهاية البرنامج الاسعافي في يونيو 2020م، وبعد (رفع اسم السودان من قائمة الارهاب)! بالرغم من علمه ان ذلك حلم لا يمكن ان تبني عليه موازنتك سيما بعد التصريحات الامريكية غير المطمئنة!
اكثر ما ادهشني في نقد التجاني حديث البرنامج عن رفع الدعم عن الوقود والقمح والكهرباء والدواء والذي قال الوزير انه لن يحدث قبل منتصف 2020م، فقد فند التجاني ارقام البرنامج الاقتصادي (وطلع روحه وفطسه تفطيساً) مما يجعل من الاصلاح الاقتصادي حلماً بعيد المنال، كذلك فقد ابدى التجاني اندهاشه من الاعلان (السياسي) بزيادة الاجور الذي سيرفع من نسبة التضخم، ثم زاد الوزير الطين بلة بالحديث عن اولوية الصرف على الدفاع والامن والشرطة!
آخر ما اتحفنا به التجاني ذلك النقد الموجع الذي كشف عن ضعف خبرة وربما سذاجة الوزير وعدم معرفته بالكيفية التي تدير بها المؤسسات الدولية والدول الكبرى قضايا الديون والتمويل، وغير ذلك من الشؤون الاقتصادية، فقد بنى الوزير تقديرات الموازنة على معلومات مغلوطة تشي بضعف مؤسف في الالمام بما يجري في العالم من حولنا، ثم ختم التجاني تقريره بسخرية قاتلة من فكرة (الرقابة الشعبية للاسواق) وادارتها من خلال الاجراءات الادارية التي اطلق عليها تجاني عبارة (بؤرة الفساد) بدلاً من انتهاج اسلوب السياسات والاجراءات والقوانين!
هذا غيض من فيض من الدراسة الرائعة التي تفضل بها د. التجاني الطيب الذي اقنعني بأن هناك بعداً مهماً للغاية ينقص الخبراء السودانيين الذين يطول العهد بهم وبين السودان. لكن ما ادهشني ليس تأثير الغياب الطويل للوزير عن البلاد فحسب، وانما قلة الخبرة بدهاليز صناعة القرارات الدولية.
صدقوني ان هناك عشرات وربما مئات الخبراء السودانيين الموجودين بالداخل، ممن عملوا في المؤسسات الدولية وفي مناصب ارفع من هذا الوزير، ولكن ماذا نقول غير ان الحال من بعضه، فقد اثبتت لنا الايام ان حكومة الكفاءات صدقت عليها العبارة المتداولة عبر الاسافير بأنها مجرد (حكومة كفوات)!
ليس ادل على هزال خبرات الوزير من حديثه عن بيع ممتلكات الوطني في مزاد علني عالمي، متجاهلاً ما قد يعلمه راعي الضأن في البوادي، ان ذلك امر يحول دونه القانون، ولا يمكن لأي مغفل ان يهدر امواله في استثمار محفوف بالاخطار يستغرق حسمه في المحاكم عشرات السنين، وستعود الممتلكات لاصحابها طال الزمن ام قصر، ولست مندهشاً لسذاجة الفكرة القائمة على المكايدات السياسية الرخيصة، بقدرما دُهشت لعدم اتعاظ الوزير بالتجارب السابقة من تأميم وتطهير مما لم يجن منه السودان غير الحصرم.
أخي حمدوك .. مازلنا نحسن الظن ومازلنا ننتظر حسم كثير من (الخرمجات) التي تؤذي أسماعنا وتفري أكبادنا وتفقع مراراتنا.. فهلا تحركت قبل فوات الأوان؟!
تصويب
كتبت في مقال الأمس عن صورة للاعبات كرة قدم يجلسن خلال فترة الاستراحة على نجيل الميدان بأفخاذ واوراك عارية، وكانت احداهن ترضع طفلها، وقلت بمعلومة خاطئة إنهن سودانيات.. واتضح لي بعد ذلك ان الصورة من بلد آخر، مما يدعوني الآن الى الاعتذار.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق