من باع النقل النهري ؟ (2)

تحقيق: نجلاء عباس
نظرية المؤامرة في هذا التحقيق لا تخلو من صحة، فمن باع هيئة النقل النهري أو من قام تحت ستار الخصخصة فقد قام بذلك بهدف التدمير وتحقيق المصالح الشخصية، فالمواقع التي كانت تحتلها هيئة النقل النهري وحدها في العاصمة كانت تساوي السعر الذي بيعت به الهيئة والبواخر التاريخية والتي قطّعت – مع سبق الإصرار والترصد- وبيعت كخردة ودليل جديد على نوايا التدمير .. ولأننا في عهد الحرية والسلام والعدالة فلابد أن يُحاكم كل من أجرم في حق الوطن وكل من باع تراث وتاريخ الوطن من أجل حفنة دولارات أو (كموشنات ) .
صفارة البداية
في مقر هيئة النقل النهري الذي كان يضج بالحيوية والنشاط ليتحول لمبنى ضخم يضم مكاتب فارهة ويعمل في استثمارات خارجية لا تعود للبلاد ولا المواطنين بفائدة تذكر، وتقول سامية الموظفة السابقة في هيئة النقل النهري والدموع تغطي عينيها نسبة لاسترجاع ذكريات العهد الجميل التي اعتبرتها منحوتة في حياتها قالت لـ”الانتباهة” إنه منذ صافرة الصباح التي تطلقها الباخرة من داخل الهيئة ليجتمع الموظفون والعاملون من كل مكان إلى الموقع المقصود وضجيج أطفال الرياض والمدارس يعلو في المكان والكل يعمل جاهداً ليبني ويضع بصمته في هيئة النقل النهري التي تمثل حياتهم حتى تبدل الحال وطمع الطامعون في الأراضي لموقعها الذي يطل على النيل حتى الآليات والبواخر لم تسلم من أيديهم بل أصبحت كالفريسة الكل ينهش فيها لمصلحته الشخصية .
تحول استثماري
ويسرد تفاصيل حكاية بيع اصول المواقع التابعة للنقل النهري، الامين العام السابق للهيئة النقابية بالنقل النهري، احمد حمزة ويقول لـ”الانتباهة” إن مساحة النقل النهري كبيرة للغاية وتبدأ من هيئة مياه بحري الى حلة حمد وتسمى بحي الوابورات الذي يعرفه كافة سكان بحري ويشمل هذا الموقع حياة كاملة لموظفي النقل النهري من المدير الى الخفير ويختلف فيه المبنى السكني من مباني سنير الى قطاطي توزع حسب الدرجة الوظيفية، بجانب وجود الورش التي اختير لها قرب النيل و”الترسانة” التي تصنع فيها (البواخر والبنطونات) بالاضافة الى وجود مكاتب الموظفين . وقال كل هذه الحياة تم استبدالها وبيعها الى مستثمرين اجانب قسمت فيما بينهم ليكون نصيب شركة عارف الكويتية البواخر والاليات والورش لتبلغ قيمتها 105 ملايين دولار لتخرج نسبة حوالي 12% لصالح حكومة السودان وبالتقريب نسبة 17% لصالح جنوب السودان باعتبار ان البيع تم قبل الانفصال بينما ترجع بقية النسبة الى صالح شركة عارف اما الاراضي فكانت من نصيب الاستثمار القطري .
زيارات
ويقول الموظف احمد حمزة لـ(الانتباهة) انه في ذاك الوقت واثناء ادائهم لعملهم كانوا يشاهدون زيارات لكل من بكري حسن صالح وعلي عثمان مع الوفد القطري، الامر الذي جعلهم يدركون تماماً مشروع البيع الذي ستواجهه هيئة النقل النهري وتفتيت صرحها العتيق مقابل العملات الاجنبية .
مسح آثار
ويواصل الامين العام السابق احمد حمزة حديثه لـ(الانتباهة) ويقول ان الاراضي التابعة للنقل النهري في كل من كوستي وكريمة تختلف في تصنيفها من الخرطوم باعتبار ان هيئة السكة الحديد والنقل النهري لهما ذات المباني والمميزات، واضاف في كريمة تم تحويل المباني السكنية الى صالح موظفي السكة الحديد بينما تم تجديد مبنى المدير السابق للنقل النهري وتحويله الى فندق بالولاية مما دعا الى مسح كافة آثار النقل النهري ليبقى فقط حديثاً في الذاكرة . اما كوستي فتم استبدال بعض مساكن موظفي النقل النهري الى استراحات عامة لكن لا تزال هناك بعض المباني تتبع الى شركة النيل للنقل النهري .
حقوق ضائعة
أما رئيس النقابة الاسبق حضرة فيقول لـ(الانتباهة) إن هيئة النقل النهري لها العديد من الاصول والمواقع التي تغولت عليها شركة النيل للنقل النهري بعد عملية الخصخصة، بجانب مواقع تتبع ملكيتها بشكل مباشر الى العمال الذين ساهموا في انشائها باستقطاع من مرتباتهم رغم ضعفها ولكن املهم في ان تكون مشروعاً ضخماً يخفف عنهم اعباء المعيشة قبل وبعد نهاية الخدمة، وقال لم يعترض عامل او موظف حول الاستقطاع باعتبار ان هيئة النقل هي مستقبلهم وبيتهم الثاني الذي افنوا فيه زهرة شبابهم ولكن بعد الخصخصة تمت مصادرة الاصول وتتبيعها الى شركة النيل بينما مواقع اخرى يجهل مصيرها حتى اللحظة مما جعلها تعد تحت طائلة الحقوق المسلوبة من اصحابها .
مواقع مسلوبة
وتقول المديرة السابقة لادارة الخدمات بالنقل النهري ابتسام طه، إن الكثير من مباني ومواقع النقل النهري استغلت لصالح جهات اخرى فهي مساحات كبيرة ومعظمها من حق العاملين بحيث يفترض ان يرجع عائدها اليهم حتى بعد نهاية الخدمة باعتبار ان بداية تنفيذ المشاريع التعاونية كان الغرض منها تحسين الوضع المعيشي للموظف والعامل حتى بعد نهاية خدمته، الامر الذي جعلهم متحمسين ولكن لم يجدوا منها قرشاً واحداً بعد الاستغناء عنهم بل كان التشريد هو جزاؤهم، ولفتت الى ان نقابة العمال سابقاً حل مكانها موقع لشركة النيل للنقل النهري ولا يعرف حتى اللحظة كيفية الاستيلاء ومع من تم التنازل وتحويل الملكية خاصة ان العمال يمتلكون شهادة بحث باسمائهم ولفتت ابتسام الى ان هناك تصديقاً تم لصالح العاملين بمنحهم اراضي في شمال امدرمان ومنطقة الموردة ولكنها لم تسلّم اليهم حتى اللحظة .
بأي حق ؟
أما الموظف السابق بالنقل النهري النور عبد الرحمن يعدّد لـ”الانتباهة” المواقع التابعة للنقل النهري بالخرطوم والتي تحولت باسم شركات اخرى لا علاقة للنقل النهري بها مثل (مشيريب) التابعة للاستثمارات القطرية، ويقول ان في ذاك الموقع كان لمبنى هيئة النقل النهري وزنها وقيمتها كما ضم الموقع مساحة تقدر بحوالي 4 الاف متر خصصت لصالح العاملين وتم تشييدها لتعاون وجمعيات اضافة الى تشييد مدرسة ثانوية ورياض اطفال خاصة بابناء العاملين والمتجر ومخبز لتحول الى مباني (مشيريب) وتجفيف المدرسة والرياض بشكل نهائي دورن مراعاة لاوضاع العاملين، واشار الى ملكية اراضي نقابة العاملين بمنطقة بحري وحالياً يطلق عليها المحطة الوسطى بجانب نادي البحرية في ذات الموقع بالاضافة الى الدكاكين المتاخمة للمحطة وتم الاستيلاء عليها دون وجه حق .
بيت الأشباح
لم يستطع العم مصطفى الذي كان يعمل قبطاناً بالبواخر في هيئة النقل النهري- وهو عضو باللجنة المركزية بهيئة النقل النهري- ان يخبئ الدموع التي نزلت من عينيه بعد ان استرجع مأساته من هيئة النقل النهري وغياب اعز اصدقائه بالموت جراء التعذيب واخرون ماتوا اعداماً ويقول بعد ان سمعنا بتحركات لخصخصة النقل النهري عزمت النقابة تنفيذ اضراب تام لكافة موظفي وعمال النقل النهري واستدرك قائلاً ان النقابة تعمل وفق حماية بميثاق الدفاع ونقابة الاطباء والنقل النهري والسكة الحديد، وواصل حديثه ان النقابة لم تتمكن من تنفيذ الاضراب لتدخل ايادي قذرة ومداهمة رجال الامن عدداً من الموظفين واعتقالهم في عام 1989م باعتبارهم مجموعات معارضة لحكومة الانقاذ، تم نقلنا الى سجن الدويم وذكر اسماء المعتقلين ” مصطفى احمد حسن عبادة ،عثمان سليمان محمد التوم وعوض عبدالله سعد ” وقال عذبنا في بيوت الاشباح حتى اصيب بعضنا باضطرابات نفسية واضاف انهم في المعتقل التقوا بمجموعة من الاطباء وقال كنا في الغرفة المجاورة للطبيب علي فضل الذي توفي اثر التعذيب داخل المعتقل ويواصل مصطفى سرد تفاصيل التعذيب والدموع لا تتوقف من عينيه، في عام 1993م خرجنا من سجن الدويم لنتنقل بين السجون والمعتقلات تعذبنا وجسمنا تقطع من سياط رجال الامن بتهمة اننا نقابيون ومخربون ومحرضون ضد النظام الجديد، ومعنا 28 ضابطاً الذين تم إعدامهم في شهر رمضان، وقال ايضاً كنا حضوراً في اعدام تاجر العملة مجدي عبدالعزيز الشاب النضر ولكن الاجرام اعمى قلوبهم . وبعد مرور اعوام من اعتقالنا استلمت خطاب فصلي من النقل النهري وانا داخل سجن كوبر .
تسريح وإبعاد
أما الموظفة بالنقل النهري اميمة تقول لـ”الانتباهة” في عام 2008م تمت خصخصة النهري وكان المسؤولون يهدفون الى ابعاد وتسريح عدد كبير من موظفي النقل النهري، ولكن تمسكنا بالعمل جعلهم يجربون معنا كافة الوسائل الشاقة التي تجعلنا نبتعد بارادتنا وبدأت في سرد رحلتهم الى كوستي وهو الموقع الذي فيه انتهت رحلة الموظفات مع النقل النهري وقالت اميمة ان الادارة اخطرتنا بضرورة السفر الى كوستي لتجديد العقد لمن يريد او حتى من ارادت نهايته وتم تخييرنا الذهاب الى كوستي او تقديم الاستقالة .
وضع مأساوي
وتواصل اميمة ومعها زميلاتها لتتحدث بلسانهم، انه في صباح اليوم الثاني وجدوا “البص” السفري بانتظارهم لنقلهم الى كوستي وكنا في فصل الخريف لتكتمل المعاناة في الطريق من تعطل البص وكسورات متكررة حتى الوصول الى المدينة، ولكن لم يكن الوضع كما تهيأ لهن خاصة وان من المعروف نقليات الموظفين تتم باغرائهم في السكن المريح والعيش الرغيد لترغيبهم العمل خارج العاصمة، ولكن اختلف الوضع هنا ليجدوا ان السكن الذي خصص لموظفي النقل النهري عبارة عن “غرفتين وحمام” وتضم حوالي 48 موظفة مما خلق ضيقاً في النوم والراحة بجانب عدم استعدادهم للسفر ليجدوا ان المنطقة مليئة بالباعوض الذي اقلق مضاجعهم وقالت في اليوم الذي يليه ذهبنا الى السوق لنشتري “ملايات وثياب ” بعد ان علمنا ان مدتنا ستطول لحوالي اسبوع وكنا جميعنا نسوة نخرج الى الاسواق للبحث وتوفير وجبة الغداء وايضاً العشاء نخرج ليلاً لتوفيره في الوقت الذي يفترض ان يكون لدينا مراسلة لتوفير احتياجاتنا، ما دعا اهالي المنطقة من سكان وتجار ان يستنكروا وجودنا في هذا المكان والاذلال الذي نعيشه ليضيق الحال بمعظمنا وفي اليوم التالي ذهبنا للمكاتب وباشرنا عملنا وكنا كالضيوف لم يترك لنا مهام نقوم بها ، بل كان المسؤولون يرددون لنا امر تقديم الاستقالة .
استقالات إجبارية
وتصف موظفات النقل النهري لـ”الانتباهة” ضيق الحال اكثر مما هو عليه وكانت احداهن قادمة من كريمة تبكي في كل ليلة وعندما تسأل عن سبب البكاء ردت قائلة انها تركت طفلتها التي لم تكمل “40” يوماً مع والدتها وفي كل اتصال لتطمئن عليها تسمع صوت صراخها لتؤثر الموظفة القبول بتقديم الاستقالة وترجع الى طفلتها ، وعند ذهاب الموظفات الى المكتب وجدن عدداً كبيراً من الاستقالات مطبوعة و في انتظارهن للتوقيع فكان الحال الذي يعشن فيه اصعب من الاستقالة والتشريد من العمل .
ظلم الحسن والحسين
أما الموظفة ابتسام تقول انها كانت في غاية الحاجة للوظيفة ولا تستطيع تقديم استقالتها وما عليها الا القبول بالوضع الصعب ولكنها تركت زوجها في العاصمة واحضرت طفلتها ذات العامين وقلت لن اقطع عيشي بيدي وقضت في العمل عاماً واحداً غير قابل للتجديد وقالت مسؤولو النقل النهري ظلمونا ظلم الحسن والحسين ولم يراعوا لسنين الخدمة التي تراوحت بين الموظفين من 15 الى 30 عاماً بالنقل النهري، ولفتت الى ان كل موظف تزوج زميلته في النقل النهري تشرد اولادهم من الدراسة نسبة للفصل التعسفي الذي قابلهم ولم يجدوا ما يسددون به رسوم دراسة ابنائهم سواء مدارس او جامعات فالاثنان يعيشان مأساة واحدة.
مطالب وحقوق
وأجمع موظفو وموظفات النقل النهري بضرورة ارجاع حقوقهم التي سلبت منهم بواسطة مسؤولي النقل النهري ومنهم من لم يأخذ نهاية الخدمة وبعضهم لم يخرج بمعاش شهري في الوقت الذي افنى زهرة شبابه بالعمل وتطوير النقل النهري والعمل لاكثر من “20” عاماً وقالوا لا يمكن ان يكون اخر عملنا هو التشريد وبعضنا من افترش الخضار وباع “الطماطم” وهو من اميز المهندسين بالنقل النهري .
ما نقلناه في الجزء السابق هو جزء من معاناة موظفين كانوا في النقل النهري وحكاويهم المأساوية، جزء تمكن من السرد والجزء الآخر آثر أن يصمت والكل ينتظر في ظل دولة الحرية والسلام والعدالة أن يجد حقه وأن يتم إنصافه وأن يتم على الأقل معرفة من باع النقل النهري ومن استولى على الأموال العامة .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق