الضريب!!

صلاح الدين عووضة
ولا أعرف ما هو..
لا أعرفه بصيغة (فعيل) هذه..
وإنما ذاك الذي بصيغة المبالغة – أي فعَّال – أعرفه جديداً؛ وهو (الضرَّاب)..
ويعرفه – كذلك – من مارسوا ألعاب زمان..ومنها البلِّي..
ومفردة الضريب هذه كثر استخدامها جداً في زماننا هذا..وذات صلة بالمدارس..
فمدارسنا تزايدت فيها ظاهرة ضرب التلاميذ..والتلميذات..
وتزايدت – تبعاً لذلك – كلمة الضريب؛ من تلقاء أمهات المضروبين..و المضروبات..
والمقصود بها – طبعاً – الضاربين..والضاربات..
فالضرب هذا موجود مذ كنا تلاميذ؛ ولكنه بات الآن أشد فظاعة..و عشوائية..
وقد يكون مرد ذلك إلى الحالة الاقتصادية..فالنفسية.. فالتردي المعيشي يؤثر – سلبياً – في النفسيات..وتردي النفسيات يولد شحنة سالبة.. والشحنة السالبة هذه تحتاج إلى تفريغ..إلى ضحية..
والضحية قد يكون إناءً..أو قلماً..أو راكباً..أو سائقاً..أو جاراً..أو تلميذاً..
وكاتب هذه السطور، سيدعم وجهة نظره بتجربة شخصية.. وهي من بعد ذلك تنطبق على كثيرين غيره..ومن واقع معايشة شخصية أيضاً.. رغم إن الضرب المدرسي لم يكن (مؤذياً) وقتذاك..
لم يكن مؤذياً من الناحية البدنية؛ ولكن يبقى الأذى النفسي..في كل الأحوال..
وهو أذى تجاوزه العالم المتحضر ؛ بشقيه..
فهو كره الرياضيات منذ أول درس..منذ أول حصة..منذ أول عام ؛ دراسي..
وظل كارهاً لها حتى المستوى الثالث من الثانوية العامة..
ومع تدنٍّ في (المستوى) يلقي بظلاله على بقية المواد؛ من حيث الدرجات الكلية..
ثم ظهر في حياته محمد حسن (سالومة)..
ظهر في وقت هو – وأمثاله – أحوج ما يكونون إليه..قبل امتحانات الثانوية العليا..
فهو كان أستاذ الرياضيات بثانوية حلفا الجديدة الأميرية..
وما كان يحمل عصا أبداً..ولم يُر يوماً يضرب طالباً..ولا يؤمن بالضرب أصلاً..
وبدلاً عن ذلك يؤمن بفلسفة تربوية متطورة جداً.. فلسفة توصيل المادة لأدمغة الطلاب بأعذب الطرق.. وأيسرها..و أبسطها..
وانبسطت أمامنا الرياضيات؛ وتبسَّطت..
فإذا هي علمٌ جميل؛ وعالمٌ أجمل..وتكشف لي ما فيه من معالم الجمال..
وصرت فيها من المبرزين؛ بعد أن كنت من (الساقطين)..
وكتبت عن هذا من قبل؛ وعن ضرورة منع الضرب في مدارسنا كوسيلة للتعليم..
ومناسبة كلمتنا هذه اليوم، (تذمُّر) الأساتذة من (تنمُّر) الطلاب..
وما دروا أن هذا التنمر عليهم هو ردة فعل لما يقومون به تجاههم من ضرب..
بل ونسوا ما تسبب فيه هذا الضرب من عاهات لبعضهم..
فمنهم – من التلاميذ – من فُقئت عينه..ومن كُسرت يده..ومن تقرَّح ظهره..
وأذكر بعد كلمتي تلك صدر قرارٌ بوقف الضرب..
ولا أدري ما الذي جعله يعود – الآن – على نحو أشد قسوة..وقوة..وشراسة..
ثم – وهذا هو الأفظع – لا يُفيد شيئاً ؛ في مجال الاستيعاب..
بل ويزداد الطالب كرهاً للمادة..والأستاذ..والمدرسة..و
التعليم بوجه عام..
وتتضافر مع كراهية الطالب هذه كراهية أولي الأمر..
فتكون النتيجة – كما نسمع هذه الأيام – تحرشٌ أسري بالأساتذة (الضاربين)..
والمطلوب الآن قرارٌ فوري ثانٍ بوقف الضرب..
ثم يصحبه قرارٌ آخر بتحسين وضع المعلم المادي؛ لتحسين وضعه (النفسي)..
حتى وإن لم يبلغ (مستوى) ما كان عليه معلم الأمس.. حيث البيت الحكومي..والأجر المجزي..والمكانة الاجتماعية..والتأهيل الأكاديمي..
وحيث البيئة المدرسية التي (تفتح النفس)..
وحيث (جيب لي معاك عريس..شرطاً يكون لبِّيس..من هيئة التدريس)..
فإن حدث هذا، فسيتوقف – بدوره – سيل التحرشات..
سواء من جانب الطلاب..أو آبائهم..أو إخوانهم..أو أصدقائهم..أو أمهاتهم..
ويتوقف التدني الأكاديمي – والتحصيلي – بين تلاميذ اليوم..
وتتوقف (شتيمة) أمهاتهم الشهيرة؛ والتي باتت تجري على السنتهن هذه الأيام..
يضربك (الضريب) !!.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق